كانت الهضبة أعلى من الثكنة، ترتفع بين الجبال كسفينة حجرية تطل على المضيق. كانت المنازل هناك متفرقة بين الأشجار والحقول، منازل بسيطة من حجر رمادي وأسقف من القش، تسكنها عائلات اللاجئين الذين فروا من ويلات الحروب و المجاعات بعد أن سلكوا طريق النزوح. صاروا يعيشون تحت حماية القاعدة العسكرية لامبراطورية كالانديا العظيمة . يزرعون الأرض و يربون الماشية و اغلبهم يعملون في الحرف اليدوية.
كان المستوصف أعلى الهضبة. حيث تعمل ديلارا.
صعدت هانا تحت شمس الظهيرة. الطريق كان ترابياً، متعرجاً، يمر بين أشجار كثيفة كانت تتدلى أغصانها فوق رأسها كسقف أخضر. كانت تسمع أصواتاً من بين الأشجار لأطفال يلعبون و نساء يتحدثن و رجال يعملون في الحقول بينما التقط أنفها الروائح المختلفة للتراب المبلل، ورائحة الخبز الطازج و الأعشاب المجففة التي تعلق على أبواب المنازل.
كان هذا عالماً آخر مختلفا عما عهدته طوال حياتها .
كان المستوصف كناية عن مبنى كبيرا من الحجر الرمادي، له باب خشبي واسع ونوافذ تطل على الوادي. كانت رائحة الأعشاب تفوح من داخله تتداخل مع رائحة مطهرات قوية .
دفعت الباب. كان داخلها بارزاً، متواضعاً، لكنه كان نظيفاً ومنظماً. أسرّة حديدية على الجدران، رفوف مليئة بالجرار الزجاجية والأعشاب المجففة، ومنضدة خشبية كبيرة في الوسط عليها أدوات جراحية لامعة.
ديلارا كانت واقفة هناك، تفرغ محتويات جرة فخارية في وعاء من الزجاج .
رفعت رأسها عندما سمعت الباب و نظرت إلى هانا.
لم تقل شيئاً. كانت تنتظر.
وقفت هانا في منتصف الغرفة. كانت تعلم أن عليها أن تقول شيئاً.
“مرحباً، سيدة ديلارا. .”
قوبلت تحيتها بالصمت . ديلارا لم تتحرك. كانت تنظر إليها بعينيها الداكنتين الحادتين .
اسطردت هانا و هي تفرك يديها بعصبية .
“أريد أن أتعلم الطب ”
كان الطلب مباشرا جدا و صريحا .
عم صمت طويل.
كانت هانا تشعر بنبض قلبها في حنجرتها.
لقد كان الطلب غريبا و مباشرا جدا بدون مقدمات .
ثم تحركت ديلارا. وضعت الوعاء الزجاجي على الرف. مسحت يديها بمئزرها الملطخ ثم وقفت أمام هانا، على بعد خطوات قليلة.
“أنتِ تعرفين القراءة والكتابة.” لم يكن سؤالاً. كانت تعرف.
“نعم.”
“وبالطبع تعرفين الحساب و أساسياته على الأقل.”
“نعم.”
أومأت ديلارا برأسها ببطء. كان في عينيها شيء. ليس ازدراءً هذه المرة، كان هناك شيء يشبه… الحساب. كأنها كانت تجمع أرقاماً في رأسها، تحسب الاحتمالات و تقيم المخاطر.
“أنتِ مهيأة جداً لتعلم الطب. لكن…”
توقفت.ثم نظرت إلى هانا بعينيها الضيقتين، وابتسمت ابتسامة صغيرة مليئة بالمكر، كأنها كانت تخطط لشيء .
“منذ اللحظة، عليكِ أن تساعدي في التنظيف والعناية بالمرضى في المستوصف.”
توقفت هانا. نظرت إلى ديلارا. كانت تنتظر أن تقول شيئاً آخر.
“ماذا؟”
كانت الكلمة خارجة منها قبل أن تفكر. كانت فقط دهشة. لم تكن تتوقع أن تبدأ بهذا.
ابتسمت ديلارا ابتسامة أوسع. كانت عيناها الداكنتان تضيقان . ابتسمت من المتعة الخبيثة لمن يوشك أن يرى رد فعل لا يتوقعه.
“هل تعتقدين أن تدريبك كطبيبة عندي سيكون مجانيا؟” كان صوتها ناعماً، لكن فيه حدة. “لا شيء مجاني هنا. لا شيء. كل شيء له ثمن.”
اقتربت منها خطوة.
“ستساعدين سنتيا، عاملة التنظيف اليوم. ستغسلين الملابس و الملاءات المتسخة و كذلك ملابس المرضىو كل ما يحتاج إلى غسل.”
توقفت. كانت تنتظر رد فعل هانا . توقعتأن تتذمر و تشكو.
“حسب ما أعرف، أنتِ تعملين أقل من ساعتين كعسكرية. الباقي من وقتكِ فارغ . هذا سيملؤه.”
استرسلت في الكلام و انتظرت الاعتراض.
لكن هانا لم تعترض.
كانت تفكر في الميتم في سيول. في الأسرة الحديدية الباردة. في الملاءات التي كانت تغسلها قرب النهر في الشتاء، والماء البارد يحرق أصابعها حتى تفقد الإحساس بها. في الأطفال الأصغر منها الذين كانت تعتني بهم و بحكم انها الاكبر سنا . اوكلت لها هذه المهمة .
غسل الملابس لم يكن غريباً عليها. و العناية بالآخرين كانت جزءاً من حياتها قبل أن تصبح بطلة اولمبية .
كانت تعرف كيف تفعل هذا. لم يكن الأمر غريباً و مهيناً . و على النقيض كان الأمر برمته مألوفاً.
“أوافق.”
كانت الكلمة واحدة. لم تتردد.
توقفت ديلارا.
كانت لا تزال مبتسمة ابتسامتها الماكرة، لكن الابتسامة تجمدت على وجهها. عيناها الداكتان اتسعتا قليلاً. لم تكن تتوقع هذا من ابنة نبيلة بهذا الجمال الآسر .
لكن هانا قالتها. ببساطة. وكأنها تقول: حسنًا، متى أبدأ؟
ديلارا التي كانت تعرف كيف تقرأ الناس فقد تعاملت مع اليائسين والمحتضرين والهاربين من كل مكان… لم تكن تعرف كيف تقرأ هانا في هذه اللحظة.
صمتت للحظة. ثم قالت، وصوتها أقل حدة مما كان عليه.
“حسناً. سنتيا ستريكِ ما يجب فعله. غداً بعد الظهر تعالي للمستوصف ..”
كان هذا أول اعتراف و أول خطوة في طريق طويل.
هانا أومأت برأسها. لم تقل شيئاً آخر. كانت تعلم أن الكلمات لا تنفع هنا و الأفعال وحدها هي ما تهم. غداً سيكون الاختبار الحقيقي. ستغسل الملاءات المتسخة، وستنظف أرضية المستوصف، وستفعل كل ما تطلبه منها ديلارا. ليس لأنها مضطرة، بل لأن هذا هو الطريق الوحيد .
————————————-
“احفظيه…لذيك خمسة عشرة يوما بدءا من الآن “
قالتها ديلارا وهي تمد الكتاب إليها. كان غلافه من الجلد البني الداكن، متآكلاً عند الزوايا، وحوافه ذهبية باهتة.
نظرت هانا إلى الكتاب ثم إلى ديلارا. و عاد نظرها مجددا إلى الكتاب .
لقد كانت مستعدة في هذه اللحظة للاعتقاد جازمة أنها محض مزحة جافة من ديلارا .
كانت تنتظر أن تضحك و أن تقول “أمزح معكِ فقط. “
لكن ديلارا لم تضحك. كانت تنظر إليها بوجهها الجاد الذي لا يحتمل المراوغة.
فتحت هانا الكتاب. كانت الحروف صغيرة، متقاربة، تصطف في أعمدة طويلة على ورق مصفر. تشريح، وظائف أعضاء، أمراض، علاجات. كثيرة. معقدة. رفعت عينيها إلى ديلارا.
“ألف صفحة؟”
“ألف صفحة.”
“في خمسة عشرة يوما ؟”
“بل اقل من ذلك . لديكِ الان أربع عشرة يوما “
ضحكت هانا. كانت ضحكة قصيرة، غير معتادة، خرجت منها قبل أن تفكر كمن لا يصدق ما يسمع و أن الأمر برمته لا يعدو ان يكون مجرد مزحة .
“لا يمكن.”
قالتها ببساطة. كانت حقيقة. ألف صفحة خمسة عشرة يوما . أكثر من ستة و ستين صفحة في اليوم حفظ. ليس قراءة فقط. حفظ… بدا الأمر ضربا من الجنون في هذه المدة القصيرة .
لكن ديلارا لم تبتسم و لم يتغير تعبيرها. نظرت إلى هانا نظرة طويلة، باردة، كأنها تنتظر أن تنتهي الضحكة و ينتهي الاعتراض وأن تصل هانا إلى ما تريد قوله.
“إذا كنتِ تعتقدين أن الأمر مستحيل،” قالت بصوتها الهادئ الجاف، “فيمكنكِ العودة إلى الثكنة. لا تضيعي وقتي.”
مدت يدها لاستعادة الكتاب.
توقفت هانا. نظرت إلى اليد الممدودة وهي تهدد بأخذ الكتاب من بين يديها ..
ألف صفحة. في خمسة عشر يوما .
كان هذا مستحيلاً. كان هذا جنوناً. ربما ديلارا تقول هذا فقط لتتخلص منها. ربما كانت تختبرها.
شدّت يدها على الكتاب. لم تتركه.
“سأحفظه.”
كان صوتها هادئاً يتم ينم عن قبول كلي .
لم يكن الحفظ غريباً على هانا. في حياتها السابقة، قبل أن تصبح إمبراطورة، كانت هناك فترة اضطرت فيها إلى حفظ كل شيء. دستور كالانديا الضخم الذي يتكون من الاف المواد، و يضم تفاصيل دقيقة عن حقوق الإمبراطور والوزراء والنبلاء. حفظته كله أنذاك . كذلك الحال بالنسبة للمواثيق الدولية. المعاهدات مع الممالك المجاورة. الاتفاقيات التجارية. بنود الدفاع ثم البروتوكولات الإمبراطورية كانت كتاباً في حد ذاته. كيف تستقبل السفراء، كيف تجلس على العرش، كيف تتحدث إلى كبار الكهنة، كيف تبتسم للجماهير. آلاف التفاصيل الصغيرة التي تجعل الإمبراطورة تبدو إمبراطورة .
لكن الفرق انها أنذاك كانت قد أعطيت مدة معقولة لحفظ كل شيء . امتدت احيانا لشهور .
نظرت ديلارا إليها طويلاً. ثم سحبت يدها. استدارا و عادت إلى منضدتها، وكأن شيئاً لم يحدث ثم بدأت تعد مراهم في جرار زجاجية .
وقفت هانا في منتصف الغرفة، تحمل الكتاب الثقيل. كانت لا تزال مصدومة . لكن لم يكن في وسعها التراجع الآن .
وضعت الكتاب على منضدة جانبية. نظرت حولها. كان المستوصف نظيفاً، لكنه كان بحاجة إلى ترتيب. الجرار على الرفوف لم تكن مصنفة. الأسرّة الحديدية كانت خالية اليوم. الأرضية الترابية تحتاج إلى كنس.
بدأت العمل.
لم تطلب منها ديلارا. لم تقل لها ماذا تفعل. لكنها كانت تعلم أن هذا هو الطريق. أن تتعلم لا يعني فقط أن تحفظ ألف صفحة. أن تتعلم يعني أن تعرف مكانك و ما يجب فعله دون أن يطلب منك أحد.
كنست الأرضية. رتبت الجرار على الرفوف حسب حجمها. غيرت الماء في الأباريق. فتحت النوافذ لتجديد الهواء. كانت تعمل بصمت، لا تزعج ديلارا دون ان تنتظر توجيهاً.
بعد لحظات دخلت فتاة.
كانت في عمر هانا تقريباً، أو ربما أصغر بقليل . كانت ترتدي ثوباً رمادياً مثل ثوب هانا، لكنه كان أنظف، وأكثر إتقاناً في التفصيل. كان شعرها البني مصفوفاً في ضفيرتين على كتفيها.
توقفت عند الباب. نظرت إلى هانا. كان في عينيها فضول، وخجل طفيف .
“أنتِ الجديدة؟” كان صوتها ناعماً، قروياً، فيه لهجة خفيفة و هي تبتسم بخجل .
” مرحبا انا اسمي هانا “
“أنا سنتيا.” اقتربت، ونظرت إلى يدي هانا اللتينة كانتا تمسكان المكنسة. “ديلارا قالت إنك ستساعديني في الأعمال.”
كانت سنتيا تبدو ساذجة. كانت تبتسم بسهولة، وكانت عيناها تنظران إلى العالم بعجب طفولي.
“هيا، سأريكِ أين نغسل الملاءات.”
تبِعتها هانا إلى خلف المستوصف، حيث كان حوض كبير من الحجر، ومضخة مياه، وحبال غسيل ممتدة بين الأشجار. كانت سنتيا تتحدث وهي تعمل، تخبرها أين يوضع الصابون، كيف تعصر الملاءات، كم من الوقت تتركها في الشمس.
“أنا أعيش مع أختي، أنا. أصغر مني بسنة ونصف. إنها مريضة قليلا اليوم لهذا بقيت في الفراش سآخذك لاحقا لتتعرفي إليها “
” السيدة ديلارا تعلمني أيضاً. لكنها تقول إنني بطيئة. لا أحفظ بسرعة ”
ساعدت سنتيا في غسل الملاءات حتى المساء. كانت يداها تحمران من الصابون الخشن، وكان ظهرها يؤلمها من الانحناء. لكنها لم تتوقف. كانت تعمل، تسمع سنتيا تتحدث عن أختها، عن القرية، عن الأشجار التي تزرعها في حديقتها، عن الخبز الذي تخبزه كل صباح.
عندما غربت الشمس، جلست هانا على مقعد خشبي خلف المستوصف. فتحت الكتاب. بدأت تقرأ.
كانت الصفحات الأولى صعبة. مصطلحات لم تسمع بها من قبل. أسماء أعضاء لا تعرف كيف تنطقها. وظائف معقدة تتداخل فيها الأوردة والشرايين والأعصاب. قرأت ببطء ثم أعادت ما قرأته ثم قرأت مجدداً.
كانت تفكر في الألف صفحة المطلوب منها حفظها في مدة وجيزة . كانت لا تزال تعتقد أن الأمر مستحيل. لكنها كانت قد قالت “سأحفظه”. وكانت ستفعل. ليس لأنها تستطيع، بل لأنها لا تستطيع الا أن تفعل.
كانت سنتيا تجلس بجانبها، تنسج شيئاً من الصوف. كانت تنظر من حين لآخر إلى الكتاب، ثم إلى هانا.
“أنا لا أستطيع قراءة كل هذا. ديلارا تقرأ لي أحياناً. لكنني أنسى بسرعة.”
نظرت هانا إليها. كان في عيني سنتيا إعجاب صامت. كانت تنظر إلى الكتاب وكأنه شيء من عالم آخر.
“سأقرأ لكِ،” قالت هانا دون أن تفكر. “ما تريدين تعلمه. سأقرأه لكِ حتى تحفظيه.”
اتسعت عينا سنتيا. ابتسمت ابتسامة عريضة. “حقاً؟”
“حقاً.”
واصلت هانا القراءة. كانت تقرأ بصوت منخفض أحياناً، وكانت سنتيا تستمع لكنها كانت تنسى، فتقرأ لها هانا مجدداً.
عندما حل الظلام، أغلقت هانا الكتاب. كانت قد أنهت ثلاثين صفحة. كانت تتذكر القليل. لكنها كانت بداية.
“غداً سأعود بعد الظهر،” قالت لديلارا عندما دخلت المستوصف لتودعها.
نظرت إليها الطبيبة و فقط أومأت برأسها دون ان تنطق بكلمة.
نزلت هانا من الهضبة في المساء. كانت السماء تتحول إلى ألوان برتقالية وحمراء، والهواء يحمل رائحة الأعشاب والدخان. كانت تحمل الكتاب تحت ذراعها، ثقيلاً، واعداً.
في غرفتها الصغيرة في الثكنة، جلست على السرير الحديدي. فتحت الكتاب. بدأت تقرأ مجدداً. كانت الكلمات تتزاحم أمام عينيها، ثقيلة، غريبة. لكنها قرأت. صفحة بعد صفحة. حتى أغلقت عيناها من التعب. وحتى نامت والكتاب مفتوح على صدرها.
————————-
استيقظت هانا قبل الفجر.
كانت في غرفتها الصغيرة في الثكنة، على السرير الحديدي، والكتاب مفتوح على صدرها. كانت قد نامت ثلاث ساعات فقط و كان عليها أن تواصل.
جلست على حافة السرير. فتحت الكتاب من حيث توقفت. بدأت تقرأ.
كانت الصفحات الأولى لا تزال صعبة. مصطلحات طبية معقدة، أسماء أعضاء باللاتينية، وظائف لا تستطيع تصورها. لكنها كانت تتقدم. قرأت ببطء مجدداً. كانت تهمس الكلمات لنفسها، تحاول أن تثبتها في ذاكرتها.
عندما أشرقت الشمس، نهضت. ذهبت إلى المرفأ الصغير أسفل الهضبة. كانت مهمتها العسكرية اليوم تسجيل السفن القادمة. جلست على رصيف خشبي، والكتاب مفتوح على حجرها. كانت تنظر إلى السفن، تسجل أسماءها في دفترها، وتقرأ. كانت تفعل شيئين في وقت واحد. فبينما عيناها تتحركان بين الكتاب والدفتر، ويداها تكتبان وأصابعها تقلب الصفحات.
كان البحارة ينظرون إليها بغرابة. كانت فتاة جميلة، بشعر ذهبي وعيون زرقاء، ترتدي ثوباً رمادياً خشنًا، جالسة على رصيف متواضع، تقرأ كتاباً سميكًا و كانت منغمسة فيه بكل كيانها.
بعد الظهر، صعدت إلى المستوصف. كانت ديلارا تعالج مريضاً. جلست هانا في الزاوية، وفتحت الكتاب و استأنفت الحفظ .
لم ترفع ديلارا رأسها. لكنها كانت تراقب. كانت ترى الفتاة تقرأ، لا تنظر إلى أي شيء غير الصفحات و عينيها تتحركان بسرعة على السطور .
عند المساء، أحضرت سنتيا الخبز والجبن. وضعتهما بجانب هانا.
“كلي.”
أخذت هانا قطعة خبز. كانت تمضغ وتقرأ. كانت تنظر إلى الصفحة، وتأخذ لقمة، وتستمر. لم ترفع عينيها عن الكتاب.
سنتيا جلست إلى جانبها، لا تجرؤ على الكلام. كانت تنظر إلى هانا بعينين واسعتين. كانت ترى فتاة لا تشبه أي أحد تعرفه.
“ألا تتعبين؟” سألت أخيراً.
“بلى .”
“فلماذا لا تتوقفين؟”
رفعت هانا عينيها عن الكتاب للحظة. نظرت إلى سنتيا. كانت تفكر في الجواب.
“لأنني إذا توقفت،” قالت، “لن أبدأ مجدداً.”
لم تفهم سنتيا. لكنها لم تسأل أكثر.
عندما حل الظلام، نزلت هانا إلى الثكنة مجددا . في غرفتها الصغيرة، استحمت بالماء البارد، وغيرت ملابسها، وجلست على السرير. فتحت الكتاب. واصلت القراءة.
كانت تقرأ حتى تغلق عيناها من التعب. كانت تنام ساعتين، ثلاثاً، ثم تستيقظ. كان الكتاب لا يزال مفتوحاً على صدرها عندما تفتح عينيها، وتجد الصفحة التي توقفت عندها، وتكمل.
في منتصف الليل، استيقظت. كان الهواء بارداً، والضوء خافتاً من نافذة صغيرة. فتحت الكتاب. كانت الصفحات التي تقرأها الآن عن القلب. الشرايين، الأوردة، الصمامات، الدورة الدموية. قرأت و كررت القراءة مجدداً. كانت تهمس الكلمات في الظلام، وكأنها تخاطب جسدها و تذكره بأن قلبها . كان يعرف كيف ينبض و يضخ الدم . ثم يرسله إلى كل خلية.
في الصباح، لم تشعر بالتعب. كان جسدها قد اعتاد. هذا الإيقاع الجديد . تعمل، تقرأ، تنام قليلاً، تقرأ .
استحالت هانا في ظرف وجيز إلى آلة حفظ .
في اليوم الثامن ، كانت قد أنهت نصف الكتاب. في اليوم العاشر ، كانت قد تجاوزت السبعمائة صفحة. في اليوم ا الرابع عشر ، كانت تقرأ الصفحات الأخيرة.
في مساء اليوم الخامس عشر ، أغلقت هانا الكتاب.
كانت جالسة على سريرها الحديدي في غرفتها الصغيرة. نظرت إلى الغلاف البني المتآكل و الحواف الذهبية الباهتة. كانت تعلم أنها حفظته. كل كلمة فيه صارت في رأسها.
أغمضت عينيها. راجعت. صفحة بعد صفحة. كانت تتذكر كل شيء. التشريح. وظائف الأعضاء. الأمراض. و العلاجات. كل شيء .
فتحت عينيها. كانت الغرفة مظلمة تقريباً. كانت قد أمضت النهار كله هنا. لم تذهب إلى المرفأ و لم تصعد إلى المستوصف. كانت تنوي الذهاب غداً و إخبار ديلارا أنها أنهت الكتاب.
استلقت على السرير. وضعت الكتاب على صدرها. كانت متعبة. كانت منهكة. كانت عيناها تؤلمانها، وظهرها يؤلمها من الجلوس ساعات، وأصابعها متقرحة من تقليب الصفحات.
لكنها كانت تبتسم. ابتسامة صغيرة، خفية، لا يراها أحد. كانت قد فعلتها. ألف صفحة في خمسة عشرة يوما . كان مستحيلاً. لكنها فعلته.
نامت نوما عميقاً. لم تستيقظ حتى أضاء الفجر غرفتها.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 19"