خرجت هانا إلى الشرفة . مشت إلى ركن هادئ بجانب إحدى الأعمدة الرخامية، واستندت إليه و هي تحاول أن تلتقط أنفاسها.
كانت الرجفة لا تزال سارية على اطراف أصابعها . الرؤية التي رأتها قبل قليل كانت لا تزال عالقة في عينيها، تتردد كظل لا يزول. إكاتلينا في توب الإمبراطورة. الرجل الضخم بجانبها. المستقبل الذي تتذكره كأنه ماضٍ ما . و بما انه بدا خيالا نابضا بالحياة كانت تشعر كأنها عايشته منذ الأمس فقط .
أغمضت عينيها. تنفست بعمق. حاولت أن تهدئ قلبها الذي كان يدق كالطبول.
“هذا لا شيء،” همست لنفسها. “مجرد تعب. … أجل .دالتعب العقلي الذي أصابني بعد كل ما حدث سبب لي الرؤى الغريبة هذه … كلها من ذهني المريض.”
كانت تحاول أن تقنع نفسها.
“الوجوه الكثيرة، الديكورات المزدحمة، الأضواء، الموسيقى… كلها محفزات. تحفز الذاكرة. تجعلها تتخيل أشياء غير حقيقية. هذا كل شيء.”
فتحت عينيها و نظرت حولها إلى القاعة الفخمة، إلى النبلاء الذين كانوا يتجمعون في مجموعات و إلى الثريات التي تتلألأ عبر الأرضية المصقولة التي تعكس كل شيء.
كانت جميلة و مبهرة و في نفس الوقت كانت مرهقة.
“سأتحمل،” قالت لنفسها. “سأبقى قليلاً، ثم أعود. سأثبت لنفسي أن هذه الرؤى لا معنى لها. مجرد وهم. مجرد تعب.”
نظرت إلى كأس الماء الذي أخذته من خادم يمر بجانبها. شربت رشفة طويلة. شعرت بالبرد يسري في جسدها، يهدئ حرارتها فبدأ ارتجافها يخف .
وتيرة نبضها قلبها يعود إلى نبضه الطبيعي. فابتسمت ابتسامة صغيرة ساخرة من نفسها.
“سيو يوجين،” همست باسمها الحقيقي، الصوت الذي لا يسمعه أحد. “لقد رأيتِ الموت وعبرتِ العالمين والآن تخافين من رؤية؟”
كانت تحاول أن تضحك على خوفها و تجعل ما حدث يبدو عادياً. لكن في أعماقها، كان هناك شيء لا يصدق هذا التفسير .
لكنها دفعت هذا الشعور إلى الخلف. الآن، في هذه الحفلة، كان عليها أن تتماسك و تتصرف كأنها بخير كما تتصرف هانا الطبيعية.
تنفست بعمق آخر، ورفعت رأسها.
كانت مستعدة. أو هكذا ظنت.
—
“أخيراً وجدتك.”
توقف قلبها.
كان الصوت قادماً من خلفها. صوت رجل، عميق، بارد، يحمل نبرة لا تحتمل الرد. صوتاً بدا مألوفا. من قبل… لكن جسدها تفاعل معه.
عرفت تستدير و تراهة. كان هناك شيء في رقبتها يشتد بينما صدرها ينقبض، فاحمر خذاها . كانت ذكريات هانا تتدفق كالسيل مجددا و تغمرها بكل شيء.
الأمير كاسيان.
أمير مملكة سارتوس المجاورة.
استدارت ببطء.
كان يقف على بعد خطوات منها. طويل القامة، شعره أشقر فاتح يميل إلى الرمادي، عيناه رماديتان باردتان، ملامحه حادة ونبيلة. كان يرتدي بدلة سوداء أنيقة، وشاحاً رمادياً على كتفه يحمل شعار مملكته: نسر ذهبي على خلفية زرقاء.
نظر إليها. نظرته باردة، لا تحمل أي دفء. كان وجهه جامداً، كأنه يؤدي واجباً لا يريده.
كانت هانا تعرف هذه النظرة. كانت ذكريات هانا تهمس لها بكل شيء.
كانت هانا مغرمة به. مغرمة حد الجنون.
كانت هانا تترقب زياراته للبلاط الإمبراطوري و تتجسس أخباره من خلال الخدم حتى أنها كانت تكتب له رسائل طويلة لا تجرؤ على إرسالها. تذكرت كيف كانت تتحدث عنه مع سوزانا وليديا لساعات، وكيف كانت سوزانا تضحك عليها سراً بينما كانت ليديا تنظر إليها كمنافسة خاسرة لان ليديا كانت ايضا واقعة في حبه.
تذكرت المرة التي رأته فيها لأول مرة في حفلة قبل عامين. كيف توقفت عن التنفس للحظة و شعرت بأن العالم توقف…. فجأة أدركت أن هذا الرجل هو كل ما تريده.
لكنها تذكرت أيضاً كيف كان ينظر إليها. تلك النظرة الباردة، المهذبة، التي لا تحمل أي اهتمام. تلك النظرة التي تجعلها تشعر بأنها متطفلة و مزعجة مجرد فتاة غير مرغوب فيها.
وهي، بدلاً من أن تبتعد، كانت تلاحقه و تتعمد أن تظهر في كل مكان يظهر فيه. كانت تطلب من سوزانا أن تأخذها إلى الحفلات التي يعلمن أنه سيحضرها. كانت تقف في زوايا القاعات تنظر إليه بساعات، تأمل أن يلاحظها، أن ينظر إليها مرة واحدة على الأقل.
وكان ينظر. لكن نظراته كانت دائماً باردة، منزعجة أحياناً، متعالية أحياناً أخرى.
هزت هانا رأسها بقوة، كأنها تريد أن تخرج هذه الذكريات من رأسها.
ما هذا يا إلهي؟ ما هذه التصرفات الخرقاء؟ ما هذا الجنون يا هانا ؟ كيف تفعلين أمرا محرجا كهذا ؟؟ ألا تملكين كبرياء ؟؟
كانت بالفعل تعقد محكمة عقلية ونفسية في داخلها كالبركان المكبوت تجاه تصرفات هانا .
كانت تشعر بالذل و كان الخزي يملأها من أعماقها. لم تكن هي من فعلت هذه الأشياء. لكن جسدها كان يتذكرها. ذكريات هانا المخزية كانت تتدفق كأنها ذكرياتها هي.
نظرت إلى الأمير كاسيان. كان لا يزال واقفاً أمامها، بوجهه البارد و بعينيه الرماديتين اللتين تنظران إليها كما تنظر إلى شيء مزعج يجب التخلص منه بسرعة.
مد يده إليها.
كانت يده كبيرة، بيضاء، تحمل شيئاً صغيراً مغلفاً بورق ذهبي فاخر.
“خذي هذا.”
كان صوته بارداً، جافاً، كأنه يتحدث إلى خادمة لا إلى ابنة ماركيز.
نظرت هانا إلى الشيء في يده. عرفته فوراً من ذكريات هانا التي كانت تصرخ في رأسها.
شوكولاطة.
لكنها لم تكن شوكولاطة عادية. كانت من نوع نادر، يصنع في بلاد بعيدة جداً، في جزر الكاكاو جنوب المحيط. كانت الطلبية الواحدة منه تكلف ثروة. وكانت تستغرق ثلاثة أشهر كاملة لتصل.
وكانت هانا قد طلبتها خصيصاً للأمير كاسيان.
تذكرت الآن كيف دفعت هانا مبلغا ضخما لتطلب هذه الشوكولاطة. جلست بالساعلت تكتب الطلبية بخط يدها، وتختار أجمل أنواع التغليف، وتدفع ضعف الثمن لتصل بسرعة إليه. كانت تنتظر وصولها إليه بفارغ الصبر . و تسلم اشعار الاستلام . الذي لم يصلها . لكن هذه اللحظة أكدت انه وصله بالفعل .
ثم كيف أرسلتها إليه. أرسلت له رسالة طويلة، تخبره فيها بأنها فكرت به، و بأنها أرسلت له شيئاً نادراً تأمل فيها أن يعجبه.
ولم يرد و لو برسالة مجاملة منمقة تعبيرا عن شكره . لم يبعث بكلمة . و لم يتعرف عليها في الحفلات التالية.
والآن، بعد كل هذه الاشهر التي اقتضاها وصول الشكولاه إليه . كان يعيدها إليها بنفاذ صبر ظاهر .
كان يقع على عاتقها الان رد الاعتبار للحمقاء المتهورة هانا . التي صارت هي هي .
لن تمنحه رد الفعل الذي يتوقعه او ينتظره.
عيناها الزرقاوان اتسعتا، وابتسامة عريضة رسمت على وجهها. مدت يديها بسرعة وأخذت الشوكولاطة من يده، كأنها تخشى أن يتراجع.
“أوووه! شكراً لك لأنك تعيده!”
كان صوتها مليئاً بالحماس الحقيقي. كانت تبتسم وكأنه قدم لها هدية ثمينة، ليس لأنه أعاد إليها ما أرسلته له في لحظة ضعف.
توقف الأمير كاسيان. كان قد أعد نفسه لردود فعل مختلفة. كان يتوقع دموعاً، أو حزناً، أو على الأقل إحراجاً. كان مستعداً لمواجهة امرأة مهووسة به، ليضع حداً لمطاردتها مرة وإلى الأبد.
لكنه لم يكن مستعداً لهذا.
كانت تبتسم و هي تنظر إلى الشوكولاطة كأنها كنز، ليس لأنها من عنده، بل لأنها… شوكولاطة؟
فجأة إلتمعت فكرة في ذهنها .
“أتعلم كم ثمنها؟” قالت هانا، وهي تقلب العلبة في يديها بإعجاب. “هذه أغلى شوكولاطة في العالم. طلبتها من جزر الكاكاو الجنوبية. استغرق وصولها ثلاثة أشهر.”
رفعت عينيها إليه، وكانت عيناها الزرقاوان تتألقان بحساب سريع.
“سأعيد بيعها في المزاد. سأستعيد كل ما دفعته. بل ربما أكثر. هذه القطعة نادرة جداً، وسيدفع النبلاء ثروة للحصول عليها.”
توقف الأمير كاسيان.
فتح فمه قليلاً. لكنه بقي صامتا .
كان ينظر إليها كأنها تتحدث بلغة لا يفهمها. كان يتوقع أن تنهار، أن تبكي و تتوسل. لكنها كانت تحسب الأرباح. أمامه. وكأنه مجرد وسيط في صفقة تجارية.
“أنتِ…” بدأ، لكنه لم يعرف كيف يكمل.
رفعت هانا رأسها، ونظرت إليه وكأنها تذكّرت فجأة أنه لا يزال واقفاً أمامها. كان وجهها لا يزال مبتسماً، لكن ابتسامتها لم تكن موجهة إليه. كانت موجهة إلى الشوكولاطة في يدها.
“آه، نعم. شكراً جزيلاً. حقاً. لولا أنك أعدته، لكانت ضاعت عليّ فرصة استعادة أموالي.”
كانت تقولها بصدق تام. كانت ممتنة له. ليس لأنه أعاد إليها هدية الحب المرفوض، بل لأنه أعاد لها استثماراً سيئاً.
كان الأمير يقف أمامها جامداً. كان قد تعامل معها كحشرة مزعجة طوال الأشهر الماضية. كان يتجنب نظرتها و يتجاهل وجودها، يعاملها ببرود يحتّم عليه أن يكون قاسياً ليوقف مطاردتها المحرجة.
والآن، كانت هي من تعامله بعدم اكتراث. لم تكن غاضبة، و لا حزينة، و لم تطفو على وجهها علامات الهوس كانت فقط… لا تهتم.
كان هذا جديداً عليه و مربكاً في نفس الوقت .
“هل يعقل انها الان تراني كاستثمار خاسر لا طائل منه “
الفكرة نفسها خلفت له مرارة لم يستسغها .
لأول مرة، حاول أن يفهم ما يحدث. نظر إليها طويلاً، يحاول أن يقرأ ما في عينيها الزرقاوين. لم يجد هناك إعجاباً و لا ألماً. لم يجد هناك أي شيء يخصه.
وجد فقط امرأة كانت تفكر في سعر الشوكولاطة في المزاد.
شعر بشيء غريب. شيء لم يشعر به تجاهها من قبل. كان أشبه بالفضول.
“صحيح،” قال فجأة، وهو يحاول استعادة السيطرة على الموقف. “هذه الشوكولاطة تليق فقط بأبناء النبلاء من الدرجة الرابعة. ليس لأبناء الأباطرة .”
كانت محاولة باردة لوضعها في مكانها. كان يقول: أنا فوق هذا المستوى. أنا فوقك أنا فوق هداياك الرخيصة.
رفعت هانا رأسها. نظرت إليه بعينيها الزرقاوين الواسعتين.
كانت تعرف ما يحاول فعله. كان يحاول أن يجرحها. و يعيد التوازن…: أنا من يرفض، أنا الأعلى، أنا الذي يحدد القيمة.
لكنها لم تكن تهتم.
“أووه، لا داعي للتكبر،” قالت بنبرة عملية بحتة، كأنها تشرح له حقيقة علمية بسيطة. “فكلنا نذهب إلى المرحاض.”
صمت.
توقف الأمير كاسيان تماماً.
فتح فمه. أغلقه. فتحه مرة أخرى. أغلقه.
كانت هذه المرة الأولى التي لا يجد فيها كلمة يرد بها. كانت هذه المرة الأولى التي يصعق فيها أمام امرأة. كانت هذه المرة الأولى التي يدرك فيها أنه لا يعرف ماذا يقول.
نظر إليها. كانت واقفة أمامه، تبتسم ابتسامتها العملية، تمسك بالشوكولاطة الثمينة بيدها، وعيناها الزرقاوان تنظران إليه ببساطة متناهية.
لم تكن تخاف منه. و لم تحاول إرضاءه. لم تكن تحاول حتى أن تثير اهتمامه.
كانت فقط… لا تهتم.
وهذا… هذا أربكه أكثر من أي شيء.
“أنا…” بدأ، ثم توقف.
لم يعرف ماذا يقول أو كيف يرد على من يقول له إنه يذهب إلى المرحاض مثله مثل أي إنسان؟ كيف يستعيد هيبته بعد أن حطمتها كلمة واحدة بهذه البساطة؟
نظرت هانا إليه. رأت ارتباكه و ذهوله فمه المفتوح، وعينيه الرماديتين المتسعتين، ووجهه الذي فقد برودته المصطنعة.
” لكن كيف استطاعت فتاة نبيلة ان تتحدث بطريقة فجة و بذيئة . ” همس لنفسه
ابتسمت هانا ابتسامة صغيرة . ابتسامة تسلية.
“حسناً،” قالت ببساطة. “أعتقد أنني سأذهب الآن. شكراً مرة أخرى على الشوكولاطة. حقاً، لك فضل عليّ.”
أدارت ظهرها، وبدأت تمشي.
تركت الأمير كاسيان واقفاً في مكانه، ينظر إليها وهي تبتعد. كان لا يزال فمه مفتوحاً قليلاً، وعيناه الرماديتان تتابعان شعرها الذهبي الذي يتلألأ تحت أضواء الثريات، وثوبها الأزرق الذي ينساب خلفها كالبحر.
لأول مرة منذ أن عرفها، لم يكن يفكر في كيف يتخلص منها. كان يفكر في شيء آخر.
من هذه؟ ما الذي حدث لها؟
لكن هانا لم تلتفت. كانت تمشي بخطوات واثقة، مبتسمة. كانت تمسك بالشوكولاطة الثمينة في يدها، وتحسب في رأسها كم ستبيعها في المزاد.
كانت راضية. لم تحصل على حب الأمير، لكنها حصلت على صفقة رابحة.
كانت هذه أول خطوة لها في استعادة ما أهدرته هانا. وستكون هناك خطوات أخرى.
وهذا أفضل بكثير.
————————————————-
لقطة اليوم 🌝 🐸
” كلنا نذهب إلى المرحاض “😂😂😂😂😂😂😂 لك دمرته دماااار مش طبيعي .
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 11"