كانت القاعة الكبرى تعج بالحركة والضوء والموسيقى، لكن هانا كانت واقفة في مكانها، لا ترى شيئاً مما حولها.
نظرت مجدداً إلى الليدي إكاتلينا ستناوس.
كانت المرأة لا تزال واقفة بجانب العمود الرخامي، تتحدث مع الضباط الشباب. ثوبها الفضي يلمع تحت أضواء الثريات، وشعرها الأسود ينسدل على كتفيها كالليل. كانت تبتسم ابتسامتها الهادىة . لا تبدو وكأنها تحاول إثبات شيء لأي كان.
ثم فجأة صدمتها موجة اشبه ما يكون بتشوه الوسط . و عزل وعيها عن المنصة .
لم تكن هانا متأكدة كيف بدأ الأمر. شعرت فجأة بأن الأرض تحت قدميها تخف، كأنها تطفو. الضوضاء حولها بدأت تتراجع و تصبح بعيدة، كأنها تسمعها من أسفل بئر عميق. الأضواء بدأت تتشوشو تتداخل فتذوب في بعضها.
حتى انطلقت صورا بدت حقيقية و نابضة بالحياة من حواف وعيها.
كانت الصورة تأتي إليها كموجة، تندفع من عمق لا تعرفه، تملأ عينيها بالرؤية رغم أنها لا تزال واقفة في مكانها.
رأت إكاتلينا ستناوس. لكنها لم تكن ترتدي الثوب الفضي.
كانت ترتدي توب الإمبراطورة.
كان التوب من المخمل الأرجواني العميق، لون الملوك والأباطرة، مطرزاً بخيوط الذهب التي تتلألأ على حافة الأكمام وحول خط العنق. كانت ياقوتة حمراء كبيرة تتوسط صدرها، تتوهج كقلب نابض بالحياة. تاج من الذهب المرصع بالألماس كان يوضع على رأسها، يلمع تحت ضوء غير موجود في هذه القاعة.
كانت إكاتلينا تجلس على كرسي لا يشبه كراسي هذه القاعة. كان كرسياً عالياً، من الخشب الأسود المطعّم بالذهب، له ذراعان منحوتان على شكل أسدين. كانت تجلس بجانب شخص.
رجل.
كان ضخماً. هيكله عريض، كتفاه ممتلئان، وجسده يملأ الكرسي المجاور لها. كانت ترى هيئته بوضوح . القامة الطويلةو الأكتاف العريضة، اليدان الكبيرتان المستريحتان على ذراعي الكرسي. لكن ملامح وجهه… كانت عاجزة عن تبيانها. كأن هناك ضباباً يحجبها، أو كأن الرؤية ترفض أن تكتمل.
كلما حاولت تركيز نظرها على وجهه، كان يهرب منها. كانت ترى أنه رجل بهالة جبارة . لكن التفاصيل كانت غائبة. كأن جزءاً من هذه الرؤية قد مُحي عمدا و بقي الصورة تسبح في اكتمال مبتور .
جمدت هانا في مكانها.
كان قلبها يدق بسرعة، ويديها ترتجفان. لكن لم يكن الخوف ما جعلها تصعق. كان شيء آخر. شيء أكبر.
هذه ليست ذكريات من ماضٍ. هذه رؤية مستقبل.
كانت تعرف ذلك بحدس غريب و بيقين لا تفسير له. لم تكن ترى شيئاً حدث لهانا من قبل. كانت ترى شيئاً سيحدث لا محالة.
ارتجفت هانا ارتجافة عنيفة.
كيف؟ كيف يمكن أن ترى المستقبل؟ منذ متى وهذه الرؤى تتوارد إليها؟ هل كانت كل تلك الذكريات التي ظنت أنها لهانا… ليست من الماضي؟ هل كانت من المستقبل أيضاً؟
شعرت بدوار شديد. الأرض تحت قدميها بدت وكأنها تتمايل و الصورة لا تزال أمام عينيها، تتردد، تختفي وتعود. إكاتلينا في توب الإمبراطورة، الرجل الضخم بجانبها، التاج الذهبي، الياقوتة الحمراء…
ثم اختفت.
عادت الأصوات فجأة و تناهى إلى مسامعها انغام الموسيقى و الضحكات كما عادت أضواء الثريات تتلألأ في الأرضية المصقولة. عادت سوزانا وليديا أمامها، عاد النبلاء يتجمعون في مجموعاتهم، عاد كل شيء إلى وضعه.
لكن هانا لم تعد كما كانت.
كانت تترنح و شعرت بأن ركبتيها تخوران، والهواء أصبح شحيحاً لا يملأ رئتيها. مدت يدها إلى العمود الرخامي القريب لتستند عليه، لكن أصابعها كانت ترتجف بشدة لدرجة أنها كادت لا تستطيع التشبت به .
“هانا؟”
صوت سوزانا كان حاداً، منزعجاً. التفتت إليها بعينيها الخضراوين.
“ما بك؟ تبدين شاحبة جداً.”
لم تكن هانا شاحبة. كانت بيضاء كالورقة، شفتاها زرقاوان، عيناها الزرقاوان كانتا مفتوحتين على اتساعهما، تنظران إلى شيء لا تراه سوزانا.
“هانا!” صاحت سوزانا بصوت أعلى، ومدت يدها لتلمس ذراعها.
لكن هانا لم تشعر بلمستها. كانت لا تزال في صدمتها. تفكر في كل شيء لماذا هذه الذكريات تسبب لها غصصا بالحلق.
الأماكن التي عرفتها دون أن تزورها. الشوارع التي مشت فيها كأنها تحفظها. الكتب التي عرفت أين تجدها. ذكريات هانا التي ظنت أنها تتوارد إليها…
ماذا لو لم تكن ذكريات؟ ماذا لو كانت رؤى؟ ماذا لو كانت ترى المستقبل طوال الوقت، وهي تظن أنها ترى ماضياً ليس لها؟
كيف؟ كيف يمكن أن يحدث هذا؟ كيف يمكن لإنسان أن يرى المستقبل؟ ومن أعطاها هذه القدرة؟ ولماذا؟
“هانا!” صوت سوزانا كان الآن غاضباً. “أنت تخيفينني. ما بك؟ أقول لكِ، اذهبي إلى غرفة السيدات. الآن.”
لكن هانا لم تستطع الحركة. كانت واقفة كالتمثال، عيناها الزرقاوان لا تزالان مثبتتين على المكان الذي كانت فيه إكاتلينا قبل لحظات.
إكاتلينا.
نظرت إليها. كانت المرأة لا تزال واقفة بجانب العمود، لكنها الآن كانت تنظر في اتجاهها.
هل رأت إكاتلينا شيئاً؟ هل شعرت بأن هانا كانت تراها في مكان و زمن آخر، في ثوب الإمبراطورة؟ هل تعرف إكاتلينا أيضاً؟ هل ترى هي أيضاً ما رأته للتو؟
أدارت إكاتلينا رأسها ببطء، وعادت إلى حديثها مع الضباط.
“سوزانا،” قالت هانا فجأة. صوتها كان مبحوحاً، غريباً.
التفتت سوزانا إليها بنفاد صبر.
“من هي إكاتلينا ستناوس؟ حقاً. ليس الألقاب والثروة. أعني… من هي؟”
نظرت سوزانا إليها طويلاً. كان هناك غضب في عينيها، لكنها رأت شيئاً في وجه هانا جعلها تتردد. كان وجه هانا شاحباً، جاداً و شفتاها ترتجفان . لم تكن تسأل سؤالاً عادياً.
“ابنة الكونت ستناوس. والدها من أقرب مستشاري الإمبراطور.…” توقفت، وكأنها تبحث عن الكلمات المناسبة. “تعتبر نفسها فوق الجميع و لا تتودد لأحد…”
“هل هي… مقربة من الإمبراطور؟”
سوزانا ضحكت ضحكة باردة. “الإمبراطور لا يقرب أحداً. هذا ما يميزه.”
لكن هانا لم تكن تسأل عن الإمبراطور. كانت تسأل عن الرجل الذي رأته في الرؤية. الرجل الضخم الذي يجلس بجانب إكاتلينا على كرسي الإمبراطورية.
“وهل هناك رجل في حياتها؟ خطيب؟ حبيب؟”
نظرت سوزانا إليها باستغراب. “من أين أتيت بهذه الأسئلة؟ إكاتلينا لم تخطب لأحد. والدها يرفض كل العروض. يقول إنها لم تجد من يستحقها بعد.”
لم تجد من يستحقها بعد.
ترددت الكلمات في رأس هانا. إذا كانت إكاتلينا لم تخطب بعد، فمن كان الرجل الذي رأته بجانبها؟ ومن سيجعلها ترتدي توب الإمبراطورة؟
وماذا يعني هذا كله؟ لماذا رأت هذه الرؤية؟ ومن أرسلها إليها؟ وكيف يمكن لشخص أن يرى المستقبل؟
كانت الأسئلة تتزاحم في رأسها، ولا إجابة لأي منها.
“هانا،” قالت سوزانا، وقد نفد صبرها. “إذا كنتِ مريضة حقاً، فاذهبي إلى المنزل. لا تجلبي لنا العار بالتمايل هنا.”
لم تسمعها هانا. كانت تنظر إلى إكاتلينا مرة أخرى.
“سأذهب لأتنفس بعض الهواء ربما أتحسن ” قالت هانا لسوزانا، دون أن تنتظر رداً.
بدأت تمشي. باتجاه الشرفة . لقد احتاجت للهواء اكثر من اي شيء الآن .
سوزانا نظرت إليها تبتعد، وعيناها الخضراوان تضيقان. لم تكن هانا تطيعها كما كانت تفعل دائماً. كان هناك شيء في تصرفاتها مختلفاً الليلة لم تستطع سوزانا تفسيره.
“ليديا،” قالت بصوت منخفض. “راقبيها.”
أومأت ليديا برأسها بخوف . ” حاضر “
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 10"