1 - الخطوبة شأنٌ يخصّ الطرفين
استمتعوا
“أرجو فسخ الخطوبة.”
أعلنت ليروي ذلك.
وكانت الإمبراطورة الجالسة أمامها ترتشف الشاي الأسود بصمت.
“ليكن.”
وضعت الإمبراطورة فنجانها برشاقة.
لكن ملامح ليروي لم تلِن.
فثمّة سبب يجعل الإمبراطورة توافق بهذه السهولة على فسخ خطوبة إمبراطورية.
الإمبراطورية التي تعيش فيها ليروي كانت واقعة تحت حماية الحاكم الحارس ‘لركولتو‘.
وأيّ عهد يُعقد باسمه يجب الوفاء به حتمًا.
وإلا فالعقاب جسيم.
لعنات، حوادث، تشوّهات جسدية، اضطرابات عقلية، وغيرها.
عقوبات تكفي مجرد سماعها لبثّ الرعب في النفوس.
حتى ليخيل للمرء أحيانًا أنّها لا تشبه حماية حاكم بقدر ما تشبه قسوة مطلقة.
وذلك دليل على مدى صرامته.
وبطبيعة الحال، فإن الروابط المقدّسة كالزواج والخطوبة لا تُستثنى من الثمن.
لذا فإن طلب ليروي فسخ الخطوبة كان في حقيقته طلبًا لإجراء طقس نقض العهد بشكل آمن.
لم تتخيل ليروي قطّ أن خطوبة عقدتها في طفولتها بجهلٍ وبراءة ستُقيد بلعنة كهذه.
‘لن أُجبر على هذا الزواج أبدًا.’
ومن البديهي أن توافق الإمبراطورة، بوصفها والدة الخطيب، على فسخ الخطوبة إن كانت عاقلة، ما لم تكن ترغب في موت شخص.
وقد بدت الإمبراطورة بالفعل وكأنها توافق ليروي.
“أصلًا، الزواج شأنٌ بين شخصين، أليس كذلك؟“
قالت الإمبراطورة مبتسمةً بتفهّم بالغ.
“لا أنوي التدخّل.”
“بل أنا أطلب منكِ أن تتدخّلي.”
صرّت ليروي على أسنانها.
أليست خطوبةً اتفق عليها الأهل؟
أليس يكفي أن يقولوا “فلننهِ الأمر” وينتهي كل شيء؟
لكن لا.
فهذا الحاكم الحارس اللعين كان تقليديًا إلى حدّ مقيت.
إن عُقد العهد، فلا بد من حضور الطرفين.
ولنقض الخطوبة دون لعنة، يجب أن يحضر الاثنان إلى المعبد ويؤدّيا القسم بنفسيهما.
أن يقولا. “لن نتزوّج بعد الآن!”
الأمر بسيط نظريًا.
لكن في حالة ليروي، كانت هناك مشكلة واحدة قاتلة تمنع التنفيذ فورًا.
فوليّ العهد، خطيبها، كان في عداد المفقودين.
طق!
أنزلت ليروي فنجانها عمدًا على الصحن محدثة صوتًا واضحًا.
ورغم هذا السلوك الوقح أمام الإمبراطورة، لم تفارق الابتسامة شفتيها.
“لا بدّ أن جلالتكِ تعلم أين يوجد سموّ وليّ العهد، أليس كذلك؟“
“يا للعجب. هل تغيّر معنى كلمة ‘مفقود‘ دون أن أعلم؟“
“كلا، جلالتكِ.”
نظرت ليروي بحدّة إلى الوصيفات اللواتي رددن الكلام بنبرة متواطئة.
“هل يُعقل أن يترك القصر الإمبراطوري وريثه الوحيد دون متابعة؟“
“أنا أحترم إرادته الحرة، يا آنسة. أليس هذا ما صار شائعًا هذه الأيام؟“
“صحيح جلالتكِ.”
اشتعل الغضب في عيني ليروي من كثرة مساندة الوصيفات للإمبراطورة.
وعلى الرغم من أن عينيها كانتا توصفان بأنهما أجمل ياقوتتين في العالم، فإن احمرارهما الغاضب كان مرعبًا.
فأطبقت الوصيفات أفواههن بسرعة وكتمْن ضحكاتهن.
إذ إن معظمهن درسن مع ليروي ويعرفن طبعها جيدًا.
وبصعوبة كبحَت ليروي انفعالها احترامًا للمقام، وعادت تتوسّل.
“لا أطلب موقعه الدقيق. فقط أرجو أن توصلي له رسالة. هو أيضًا لن يرغب بالزواج من امرأة لم يرها ولو مرة واحدة منذ الخطوبة.”
“ليس ‘هو‘، بل وليّ العهد.”
“نعم، وليّ العهد. عاش وليّ العهد، ألف عاش. ألا يملك دقيقة واحدة من هذا العمر المديد ليعود إلى العاصمة؟“
ازداد حديث ليروي وقاحةً، لكنه لم يكن في نظر الإمبراطورة إلا لطيفًا.
بل كان هذا بالذات أحد أسباب خطبة ابنها لها.
“ألا تظنين أنني أشتاق لابني الوحيد؟ ولكن حقًا، لقد انقطعت أخباره. بل إني أنا من أودّ التوسّل.”
لمعت عينا الإمبراطورة، وقد دخلت أخيرًا صلب الموضوع.
“إن كنتِ مصرّة على فسخ الخطوبة، فاذهبي وأحضريه بنفسك.”
“أحضره؟!”
تجمّدت ليروي.
“ألم يُشَع عنكِ أن قدراتك استثنائية؟ لا بأس أن أختبرها قبل إدخالك إلى العائلة الإمبراطورية.”
“قلت إنني سأفسخ الخطوبة.”
“آه، صحيح.”
تظاهرت الإمبراطورة بالجهل متعمّدة.
“لكن لو أعدتِ وليّ العهد فعلًا، فذلك سيُثبت كفاءتك، وقد لا أرغب حينها في التفريط بكِ.”
تنهدت الإمبراطورة تنهدًا رقيقًا، ثم سألت بنبرة مواربة.
“ما رأيكِ أن تنتظري حتى يعود؟“
“أتطلبين مني تبريد دمي الفائر في هذا العمر الغضّ؟“
برز عرق في جبين ليروي.
“جلالتكِ. هل تعلمين أنني، بسبب هذه الخطوبة اللعينة، لم أمسك يد رجلٍ قط؟ خوفًا من لعنة لركولتو؟“
“يا إلهي.”
ضحكت الإمبراطورة في سرّها، وأظهرت شفقة مصطنعة.
“ما زلتِ؟ يا للخسارة. آنسة جميلة مثلك لم تعرف الحب بعد.”
“شعور أن أرى رجلًا وسيمًا يمرّ أمامي وأتركه يذهب شعور مذهل حقًا.”
رفعت ليروي عينيها بتمرّد، لكن رموشها المرفوعة لم تكن إلا فاتنة.
وشعرها الأسود المتموّج امتدّ كأجمةٍ شوكية، من يلمسه لا ينجو.
أما خطّ فكّها الحاد فأعلن ثقتها بنفسها دون مواربة.
وشفتاها المتّقدتان بحمرة داكنة كانت تجذب الأنظار حتى دون زينة.
ومع كل حركةٍ لشفتيها، كانت ملامحها الآسرة تبلغ ذروة الجمال المتجسّد في الطبع.
قالت ليروي.
“أليس لي الحق أن أحب؟!”
“همم. أتفهم رغبتك في الاستمتاع قبل الزواج، لكنكِ لا تلعبين بالنار، بل تحرقين من يقترب.”
“جلالتكِ!”
نظرت الإمبراطورة إلى ليروي، التي تصرخ مطالبة بفسخ الخطوبة، بنظرة لا يُعرف أفيها فهم أم تجاهل.
“لغياب وليّ العهد سبب.”
تغيّر صوت الإمبراطورة فجأة إلى نبرة رسمية صارمة.
فهدأت ليروي.
“حتى من منظور القصر، فإن عودته غير مؤكدة.”
“…!”
حبست ليروي أنفاسها.
“أحقًا ما تقولونه؟“
“هل تصدقين لو قلت إننا ندرس حتى تغيير نظام الحكم وإعداد قائمة بورثة جدد في حال لم يعد؟“
ازداد وجه ليروي جدّية.
فأن يفكر القصر في استبدال الوريث أو تغيير النظام برمّته أمر جلل.
لكن إن كان الحاكم الحارس سيقبل بذلك أم لا، فذلك ليس شأنها.
فبعد فسخ الخطوبة، لن يعود وليّ العهد يعنيها.
حتى لو انهارت البلاد، فأسرة الدوق تعيش ثلاثة أجيال بلا قلق.
كل ما في الأمر أن تصميم الإمبراطورة فاجأها.
“هذا الحديث غير رسمي بعد.”
قاطعت الإمبراطورة أفكارها.
“على أي حال، أسهل حلّ حاليًا هو عودة وليّ العهد. وإن أردتِ حلّ الأمر مع الطرف المعني، فلا خيار سوى أن تحضريه بنفسك.”
“يبدو وكأنكِ تلقين العبء عليّ.”
“بل هو كذلك.”
ابتسمت الإمبراطورة ابتسامة امرأةٍ عادية.
“لكنني لن أقيّدكِ بأي وسيلة أو طريقة.”
“جلالتكِ!”
هذه المرة صاحت الوصيفات.
فما قالته الإمبراطورة كان خطرًا للغاية على ليروي.
إذ بدأت الأخيرة تفرك ذقنها بابتسامة مهتمّة.
“أرجوكِ، تراجعي عن هذا الوعد.”
“قد يصيب سموّ وليّ العهد مكروه!”
“بمَ تظنونني؟“
“صحيح. لإجراء طقس فسخ الخطوبة، علينا أن نعيده حيًّا على الأقل. فما الذي يقلقكم؟“
شعرت الوصيفات بالغبن.
فالجميع يعلم.
إن فشلت ليروي في إحضاره ‘بسلام‘، فستختار الطريق ‘الأسهل‘.
ومعاييرها الأخلاقية كانت منخفضة جدًا، داءً مزمنًا نابعًا من كونها ابنة دوق.
الفرق الوحيد أن الإمبراطورة وثقت بأنها ستراعي ولاءها للقصر، أما الوصيفات فارتعبن مما رأينه من حقيقتها في الأكاديمية.
حرية كفيلة بسحق وليّ عهد دون تردّد.
ابتسمت ليروي بهدوء.
“لقد وعدتِ.”
“أعدكِ.”
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━━━━━━O━O━━━━━━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
Chapters
Comments
- 3 - الخطوبة شأنٌ يخصّ الطرفين منذ يومين
- 2 - الخطوبة شأنٌ يخصّ الطرفين منذ يومين
- 1 - الخطوبة شأنٌ يخصّ الطرفين منذ يومين
التعليقات لهذا الفصل " 1"