بعد انتهاء المزاد—
كان الناس ما يزالون يتحدثون بحماس لم يخمد بعد.
“يا إلهي ، خمسةُ ملايين ذهبة!”
“أليس هذا رقمًا أسطوريًّا؟ لا ، حتى كلمة أسطوري لا تكفي. لا أظنّ أنّ أيّ مبلغٍ سيتجاوز هذا الرقم إلى الأبد!”
“على حدّ علمي ، كان أعلى مبلغٍ في التاريخ هو خمسمئة ألف ذهبة. و قد تمّ تسجيله عندما ظهرت جلالتُها الإمبراطورة لأوّل مرة!”
“واو ، إذًا حطّم الرقمَ الأعلى بعشرة أضعاف!”
“خمسة ملايين ذهبة كتبرّعٍ خيري؟ يا للعجب. مؤسّسةُ الرعاية الملكيّة ستغمرها السعادة!”
قضمت لورينا أظافرها الملوّنة بعناية بصوتٍ حادّ.
“لكن من المدهش أن صاحبة الورقة كانت هي الفيكونت فيوليت. رغم ذلك ، يبدو الأمر منطقيًّا بطريقةٍ ما”
“صحيح. سمعتُ أنّها تؤدّي عملها كسكرتيرةٍ لدوق كرويتز بإتقانٍ تامّ. و الناسُ يتحدّثون عن ذلك كثيرًا”
“هل تظنّون أنّ الدوقَ شاركَ في المزاد و هو يعلم أنّها صاحبة الورقة؟”
“طبعًا. كيف لا يعرف و هي سكرتيرتُه الشخصيّة؟”
“يا إلهي ، إذًا دفع ذلك المبلغ الخياليّ لمجرّد أن يرقص أوّل رقصةٍ مع سكرتيرته؟ يا له من تصرّفٍ جريء! لا شكّ أنّ علاقتهما خاصّة فعلًا ، أليس كذلك؟”
“لا حاجةَ للقول. أظنّ أنّنا سنتأكّد أكثر عندما نراهم يرقصان سويًّا. سأحرص على أن أرقص قربهما لأراقب ذلك بنفسي”
“هاها ، لم أرَ مزادًا ممتعًا كهذا في حياتي. من فاتهم المشهدُ حقًّا خاسرون!”
تمنّت لورينا لو تستطيع سدَّ أذنيها.
لم يكن أحدٌ منهم يلتفت إليها ؛ كلّ أحاديثهم كانت عن فريجيا و كايين.
كانت هذه أوّل مرّةٍ في حياتها تشعر فيها بهذا القدر من الوحدة و المهانة.
في تلك اللحظة ، وضع أحدهم ذراعه على كتفها من الخلف.
“لورينا الجميلة”
“… آه ، السيّد ماركو”
تظاهرت لورينا بابتسامةٍ بالكاد استطاعت رسمها.
و لحسن حظّها ، يبدو أنّه لم يلاحظ الجمود الذي كان يكسو وجهها.
ابتسم ماركو بلطفٍ و قبّل ظهر يدها قائلاً: “كان وجودُ منافسين يزيد الأمرَ تشويقًا. فكما تعلمين ، الوردةُ الجميلة لا بدّ أن تجذبَ النحلَ حولها”
“… شكرًا لك”
لكن يا ليتك عندما رفعتَ السعرَ إلى مئة ألف، كنتَ أكثر جرأةً بدلَ أن تزايد بذهبة واحدة كلّ مرة.
توقفت الكلمات عند شفتيها قبل أن تخرج.
كان قد أظهر شجاعةً زائفةً حين رفع السعرَ فجأة إلى مئة ألف ، لكنه بعد ذلك لم يُرِد أن يهدر ذهبة واحدة.
و ذلك المشهدُ وحده كان كافيًا ليزيد شعورها بالذلّ ، خاصّة حين قارنته بكايين و هو يزايد بثباتٍ و هدوء.
عضّت لورينا على أسنانها بقهرٍ حتى كادت تسمع صريرها.
***
في الشرفة الثالثة من قاعة “ترينيتي”.
أخذتُ أتلفّتُ حولي و أنا أضمّ كتفيّ.
‘الجوّ باردٌ قليلًا …’
لحسن الحظّ أنني ارتديتُ بوليرو* فوق الفستان.
* سترة قصيرة للسيدات.
في الحقيقة ، الطقس لم يكن باردًا كثيرًا ، لكنّ الشعور بالحرج جعلني أحسّ بالبرد أكثر.
كانت القاعة هادئةً لأنّها غير مستخدمةٍ لأيّ فعاليّة ، و الضوءُ الناعم وحده يملأ المكان.
في هذا السكون ، كنتُ أشعر بحرجٍ كبير و أنا أقف وحدي.
أتيتُ إلى المكان الذي دلّ عليه حلُّ اللغز المكتوب في الورقة ، و ها أنا أنتظر.
‘… ربّما لن يأتي’
فلا شيء يضمن أنّ كايين قد علم أنّني أنا صاحبةُ الورقة حين شاركَ في المزاد.
ربّما جذبته المعادلةُ السحريةُ المكتوبة فحسب ، فشارك بدافع الفضول.
‘لكن ، هل يمكن لشخصٍ أن ينفق خمسةَ ملايين ذهبة بدافع الفضول فقط؟’
حتى لو كان كايين غنيًّا ، لا يمكن أن يكون هذا المبلغُ مجرّد مالٍ فائضٍ في جيبه …
أو ربما يمكن ، بما أنّه سيدُ برج السحر؟
آه ، لا أدري. ثروتُه شاسعةٌ لدرجة أنّه يصعب على إنسانةٍ عاديّةٍ مثلي أن تتصوّرها.
‘أوه ، رأسي يؤلمني’
كلّما فكّرتُ فيه تشابكتْ أفكاري مثل خيوطٍ معقودة.
فقرّرتُ أن أتوقّف عن التفكير.
‘سواء جاء أم لم يأتِ ، سأعرف بعد قليل’
سأنتظر عشر دقائق فقط ، و إن لم يأتِ فسأعود إلى القاعة الرئيسيّة.
و سأكون زهرةَ الحائط ، أتناول بعض الطعام الشهيّ ثمّ أعود إلى منزلي.
على أيّ حال ، لستُ بارعةً في الرقص …
و فجأة ،
“لقد جعلتِ اللغزَ سهلًا جدًّا”
دقّ قلبي بقوّة.
“ماذا لو اجتمع كلّ من هبّ و دبّ هنا؟”
“يا … سيدي الدوق”
استدرتُ ببطء ، كما لو كنتُ تمثالًا يئنّ عند الحركة.
كنتُ قد قرّرتُ أن أتعامل معه طبيعيًّا دون حواجز ، لكنّ وجودنا معًا ، في هذا المكان الهادئ ، جعلني أتوتّر مجدّدًا.
شعرتُ بأنّ صوتي متيبّس ، و أنّ عينيّ لا تستطيعان النظر إليه مباشرة.
أخفيتُ أصابعي المتجمّدة قدر الإمكان و سألته: “هل شاركتَ في المزاد و أنتَ تعلم أنّني أنا صاحبة الورقة؟”
رفع حاجبًا واحدًا كمن يسمع سؤالًا بديهيًّا.
“قلتِ إنّك لا تستطيعين مرافقتي في يوم عطلتكِ”
“…”
“إذن ليس أمامي سوى أن أشتري عطلتكِ”
لم يكن المالُ سيدخل جيبي ، لكنه سيُستخدم لأجلٍ نبيل على أيّ حال.
‘إذًا كان يعلم أنّها لي …’
حاولتُ تجاهل خفقان قلبي و تكلّمتُ بنبرةٍ هادئةٍ مصطنعة.
“شكرًا لك. لم أتوقّع أن يشارك سموّ وليّ العهد أيضًا … لو فاز بها لكان الموقف محرجًا حقًّا”
و ذلك صحيح. مجرّد تخيّل نفسي أرقص مع وليّ العهد كان كافيًا ليصيبني الإرهاق.
فأنْ ترقص سكرتيرةُ دوقٍ مع وليّ العهد في رقصة الافتتاح أمرٌ سياسيٌّ غريبٌ للغاية.
“لا تذكري فرضيّاتٍ سخيفة”
قالها كايين بلهجةٍ حازمة.
“ذلك الاحتمال لم يكن مطروحًا أصلًا”
“…”
نظرتُ إليه بحذر.
كانت لديّ أسئلةٌ كثيرة:
لماذا حضر هذا الحفل و هو يكره المناسبات الاجتماعيّة؟
و لماذا شاركَ في المزاد من البداية؟
لكنّ كلّ تلك الأسئلة علقتْ في حلقي و لم أستطع إخراجها.
و لسببٍ لا أفهمه ، أدركتُ أخيرًا أنّ فيليكس لم يكن أوّل حبٍّ حقيقيٍّ في حياتي.
نعم ، كنتُ أريده أن ينجح ، و كنتُ أريد اهتمامه بصدق.
لكنّ ذلك كان نتيجةَ صداقةٍ قديمةٍ و حرمانٍ من الحنان أكثر من كونه حبًّا حقيقيًّا.
و مع ذلك ، يومَ تخلّى عنّي ، شعرتُ بألمٍ لا يُحتمل.
لهذا أخاف الآن.
أخاف من أن تُداسَ نبتةُ المشاعر الصادقة التي بدأت تتفتّح في قلبي.
فلو حدث ذلك ، كم سيكون الألم؟
هل سأتحمّله؟ أم أنّني سأنهارُ تمامًا هذه المرّة؟
لقد استعدتُ نفسي أخيرًا بصعوبة ، و تعلّمتُ أن أعيش كـ”فريجيا فيوليت” فقط ، لا كابنةِ عمٍّ نافعةٍ و لا كخطيبةٍ مثاليّة.
‘يا لي من دراميّةٍ بائسة’
قطعتُ سيلَ أفكاري عمدًا.
“آه!”
هبّت فجأةً ريحٌ قويّةٌ فانتزعت الـبوليرو عن كتفيّ و أطارتْه إلى الأسفل.
مددتُ يدي في ذعر ، لكنه كان قد اختفى عن ناظري.
‘آه ، كم يؤلمني ضياعه …’
و فجأةً …
“آه …”
أشار كايين بيده ، و إذا بالبوليرو يطفو في الهواء عائدًا نحوي كالسحر.
أمسكه بهدوء و تقدّم نحوي ليضعه على كتفيّ بنفسه.
حينها فقط أدركتُ أنّ كتفيّ العاريتين كانتا مكشوفتين بالكامل.
‘أوه ، يا إلهي …’
ليست إلا عظامَ ترقوةٍ و بعض الجلد ، لا شيء يُعدّ جرأةً حقيقيّة ، ومع ذلك شعرتُ بخجلٍ فادح.
لابدّ أن وجهي احمرّ ، لكنّ الظلام أنقذني من الفضيحة.
عضضتُ باطنَ خديّ محاوِلةً السيطرة على نفسي.
‘لا تفكّري بالأمر. لا تحمرّي أكثر!’
توقّفتْ يده فجأةً في الهواء قبل أن تلامسني.
ثمّ همس بصوتٍ منخفضٍ كأنّه يتحدّث إلى نفسه: “… يليق بكِ جدًّا”
“…”
عضضتُ شفتيّ بقوّة.
‘سأجنّ. هذا الرجل مجرمٌ بطبعه!’
لماذا يقولها بهذه النبرة الهادئة و العميقة ، و كأنّها لحنٌ يُدغدغ القلب؟
بينما كنتُ أحاولُ تهدئةَ قلبي الثائر ، خرجتْ من فمي جملةٌ لم أُخطّط لها: “الفستان … هل أنتَ من أرسله لي؟”
التعليقات لهذا الفصل " 86"