لماذا يدوّي صوت القرن والطبول هكذا؟ في البداية لم أدرك ما يجري، فاكتفيتُ بالرمش بعينيّ، كأنّ عقلي توقّف عن العمل.
لكنّ الصيحات الآتية من خارج النافذة، والجوّ الكئيب الثقيل، أيقظتني فورًا على فكرة واحدة: شيء ما خطأ فادح. لم أستطع أن أفهم الموقف تمامًا، فبدأتُ أسير بخطوات بطيئة حذرة، حتى انبثقتْ من نهاية الممرّ امرأة ذات شعر فضّي.
كانت ترتدي ثوبًا سحريًّا ملطخًا بدم جافّ بنّي اللون، ومن شعرها يتساقط المطر قطرةً قطرةً، كأنّها كانت خارجًا للتوّ.
قبل أن أنطق بكلمة، أمسكتْ بذراعي بقوّة. كانت أطول منّي بمسافة شبر، ويداها باردتان كالثلج.
«أنتِ…»
«فيفيان سمرز؟»
«نعم… نعم.»
كانت تعرف اسمي. حاولتُ أن أهدّئ قلبي الذي يدقّ كالطبول، لكنّها أسرعتْ الخطى وهي لا تزال ممسكة بذراعي.
ما هذا؟ من هي أصلًا؟ كيف تعرفني؟ وأين ميكابيلا؟
حاولتُ أن أتوقّف وأمسك بها، لكنّها كانت أسرع.
نظرتْ مرّة واحدة خارج النافذة، عضّت شفتها، ثم زادت من سرعتها حتى كدنا نركض.
بين رائحة المطر، تسرّبت رائحة الدم القويّة.
«قلتُ لكِ لا تأتي الآن!»
«آ… آسفة.»
بسبب لهجتها اليائسة، سارعتُ بالاعتذار أولًا. فتجهّم وجهها، ثم أطلقتْ «آه» بصوت خفيف، وقالتْ بما لا أفهمه: «اليوم هو ذلك اليوم إذن.»
«…ليس عليكِ الاعتذار. الوضع كما ترين، فالتعريف تأخّر. أنا لارتييه سومرز، ابنة ميكابيلا، ووريثة سومرز.»
كنتُ أركض خلفها في الممرّ وأنا أرمش بعينيّ. غيّرتْ لهجتها فجأة وأعلنتْ أنّها ابنة ميكابيلا. لم أستطع حتى أن أبدي دهشتي؛ كان النفس يتقطّع من الجري.
فتحتْ لارتييه بابًا بقوّة «خبط»، دفعتني إلى الداخل، ثم دخلتْ خلفي وأغلقتْ الباب. انقطع كلّ صوت من الخارج تمامًا. أمسكتْ بكتفيّ بلهفة وقالت:
«يجب أن أخرج وأقاتل مرّة أخرى.»
من هذه المسافة القريبة، رأيتُ في وجهها آثار ميكابيلا بوضوح.
«أبي أمرني أن أخفيكِ في مكان آمن حالما أتيتِ.»
«…حسنًا.»
«سأنهي الحرب قبل أن تعودي، لذا… عودي سريعًا، ولو للحظة.»
ثم دفعتني بقوّة.
تمايلتُ داخل تيّار السحر، ثم شعرتُ بالارتفاع نفسه الذي شعرتُ به عندما هبطتُ هنا أول مرّة. حين فتحتُ عينيّ، وجدتُ نفسي في مكان مألوف يبعث في القلب حنينًا عميقًا.
كان المكان هادئًا تمامًا. من النافذة المفتوحة يتسلّل عطر الياسمين.
فقط آثار الدم على معصمي الذي أمسكته لارتييه كانت تذكّرني بمدى خطورة المكان الذي تركته.
ضممتُ شفتيّ، ثم هززتُ رأسي وخرجتُ لأعرف أين أنا.
«…أين أنا هذه المرّة؟»
سرتُ بخطوات بطيئة، وسرعان ما لاحظتُ أنّ الجوّ مختلف تمامًا عن قصر سومرز قبل ألف عام.
لكنّ شعورًا غريبًا بالحنين والألفة كان يتسلّل من أعماقي كالدخان. في تلك اللحظة ناداني صوت من الخلف:
«من هناك؟»
كان صوتًا باردًا كالجليد. تجمّدتُ، ثم دارتُ ببطء.
كان هناك رجل بشعر بنفس لون شعر أختي.
«بما أنّكِ تحملين سحر سومرز، فأنتِ من العائلة على ما يبدو.»
اقترب منّي بخطوات واسعة. كان في منتصف الأربعينيّات، ومجرد النظر إليه يجعل المرء ينكمش. لم يكن فيه أيّ شيء من رقّة ميكابيلا ولطفها.
«من أنتِ؟»
*
«جئتُ عبر اللوحة.»
مسح ذقنه وهزّ رأسه ببطء. أعدّ لي حلويات وشايًا كثيرًا، ثم جلس مرتاحًا دون أن يلمس شيئًا. لا شكّ أنّه أحد أسلافي.
«اسمي فيفيان سومرز.»
ما إن أخبرها أنّني جئتُ من عصر ميكابيلا عبر اللوحة، حتى بدا وكأنّه فهم كلّ شيء فورًا. خشيتُ أن لا يصدّقني، فمددتُ له الخاتم العائليّ في إصبعي، لكنّه أشار برأسه أنّه كافٍ.
إثبات أنّني سومرز لم يكن صعبًا عليه.
أخبرته عن الزمن الذي ولدتُ وعشتُ فيه. منذ تلك اللحظة بدأ يعاملني بلطف أكبر.
«حسنًا، فيفيان. ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟»
«ذهبتُ لأرى السيدة ميكابيلا، لكنّ الحرب كانت دائرة، فأرسلتني السيدة لارتييه إلى هنا.»
«ميكابيلا ولارتييه؟ أي الجدّ الأوّل وابنته. لماذا أردتِ زيارة الأسلاف إذن؟»
«……»
تردّدتُ طويلًا، ثم سكبتُ له قصّتي كاملة. لم أقل كلّ شيء، لكنّني أخبرته أنّني قفزتُ مئتي عام، وأنّني أريد العودة، وأنّني أحاول فكّ الدائرة السحريّة ولا أفهمها جيّدًا.
«لهذا جئتُ.»
استمع إليّ في صمت، ثم هزّ رأسه ببطء.
«إذن، لماذا لا تسألي أختكِ مباشرة؟»
«…لكنّني لا أعرف كيف أذهب إليها. ولا يمكن أن أتواجد في الزمن نفسه مرّتين.»
«اذهبي إلى طفولتها إذن.»
نهض من مكانه.
«لا أدري هل يجب أن أفرح بلقاء حفيدتي قبل الأوان، أم أحزن.»
رمشتُ بعينيّ في ذهول.
«بما أنّكِ لا تعرفينني، فمن الواضح أنّني لم ألتقكِ أبدًا في حياتي.»
حفيدة؟ قال حفيدة.
انفتح فمي دون إرادة. كان يمسك بالباب وينتظرني. مشيتُ خلفه بخطوات ثقيلة عبر الصالون، وأنا لا أستطيع أن أرفع عينيّ عنه.
إذن هو… جدّي؟ لم ألتقِ جدّي أبدًا. قيل لي إنّه توفّي حين كنتُ طفلة صغيرة جدًّا، قبل أن أعرف حتى أنّني سومرز.
«…جدّي؟»
همستُ، فالتفتَ.
«لم أكن أتوقّع أن أُنادى بـ”جدّي” في هذا العمر.»
«…إذن… هل أبي موجود؟ وأختي؟»
كان قلبي يدقّ بعنف. ربّما أنا في زمن قبل ولادتي. أختي موجودة، وأبي، وجدّي…
هزّ رأسه.
«لا. ابني لم يتزوّج بعد. هو الآن في العاصمة.»
شعرتُ بمشاعر لا تُوصف وأنا أسير خلفه بخطى سريعة. كان هذا هو سومرز الأكثر فخامة وثراء في التاريخ، قبل أن أولد أنا، وقبل أن تولد أختي.
«إذن… أختي لم تولد بعد؟»
«نعم. وأعتقد أنّ اسم الحفيدة “ساشا” الذي اخترته لاحقًا كان بتأثير كبير منكِ.»
كان يعاملني بكلّ لطف. مشيتُ وأنا أتردّد طويلًا: هل أخبره أنّني ابنة غير شرعيّة؟ لكنّني لم أستطع. ماذا لو ظنّ أنّني لا وجود لي؟
في تلك الأثناء، وقف أمام لوحة. أشار إليها بحركة من رأسه.
كانت لوحة قطّة مستلقية على سجادة. كنتُ أعرفها جيّدًا.
لم أكن أدري أنّها أيضًا من لوحات سومرز.
«اللوحات التي تحمل سحر العائلة قليلة جدًّا. فهي لا تُورث جيلًا بعد جيل، وكلّ جدّ يبتكر طريقته الخاصّة في السحر.»
«هكذا إذن…؟»
قال وهو يضع ذراعيه على صدره:
«رُسمتْ لوحات كثيرة، وفُقدتْ أو ضاعتْ الكثير. هذه هي القلّة الباقية.»
سألني إن كنتُ رأيتها من قبل، فأومأتُ برأسي بصعوبة. لكن… كيف أستخدم هذه اللوحة؟ هل أذهب إلى ما بعد موتي؟
بينما كنتُ أتردّد، قال جدّي:
«يكفي أن تلتقي بساشا قبل أن تولدي. قلتِ إنّ الفارق سبع سنوات، فاذهبي إلى ذلك الزمن.»
أمسك بي، ودوّى السحر «وونغ».
حين فتحتُ عينيّ مرّة أخرى، كنتُ في ممرّ قصر سومرز المألوف… لكنّ الجوّ مختلف تمامًا.
كان الجوّ باردًا كأنّه شتاء، وظلال الشمس الآتية من النوافذ غريبة بعض الشيء. نفختُ في أصابعي لأدفئها، ودورتُ حولي.
كان المكان يبعث فيّ حنينًا عميقًا.
سرتُ في الممرّ بخطوات خفيفة. لم يكن هناك أحد. أيّ يوم هذا؟
كان قلبي على وشك الانفجار منذ زمن.
«سأرى… أختي.»
كنتُ أفكّر دومًا أنّني يجب أن أذهب إلى عالم بعد موتي، لكنّه أرسلني إلى زمن قبل ولادتي. ضحكتُ دون إرادة، ثم عاد التوتر فيجدّ وجهي حتى بدون مرآة أشعر به.
لم أمكث في قصر دير أكثر من سنة، ومع ذلك أصبح سومرز غريبًا عليّ.
«أين كانت غرفة أختي…؟»
في تلك اللحظة، لمسني أحدهم من الخلف بلطف.
التفتُّ، فلم أجد أحدًا. لكنّ يدًا صغيرة سحبتني من الأسفل فورًا.
نظرتُ إلى الأسفل مندهشة، فوجدتُ طفلة بشعر أختي المألوف.
«آه.»
ابتلعتُ ريقي وتراجعتُ خطوة.
«من أنتِ؟»
كانت تتكلّم بصوت طفولي قصير حلو، لكنّه يحمل وقارًا. لم أستطع إلا أن أجلس على الأرض كالمذهولة. ثم نظرتُ في عينيها مباشرة.
خدود ورديّة، عيون زرقاء لامعة كالسماء، شعر بلون حقل القمح يلمع فضّيًّا تحت أشعّة الصباح.
«أختي.»
ما إن تحرّكتْ شفتاي حتى ضيّقتْ عينيها، وتجهّم وجهها الصغير الأبيض الناعم. كنتُ أخاف هذا التعبير من أختي عادة، لكنّه من طفلة صغيرة… لم يكن مخيفًا أبدًا، بل أجمل ما رأيت.
بل هو… أختي.
أختي الحبيبة.
مددتُ يديّ وجذبتها إلى حضني.
احتضنتُ أختي الصغيرة الضعيفة جدًّا، وأظنّ أنّني ناديتُ اسمها مرّات ومرّات بلا توقّف.
اخرجي من اللوحة خطوة واحدة فقط.
═══∘°❈°∘═══
ترجمة: مابل
حسابي على انستا: ma0.bel
ولا تنسى ذكر الله ودعاء لأهلنا في غزة و سودان ومسلمين أجمعين
التعليقات لهذا الفصل " 76"