عدتُ إلى قصر ريفر، فوجدتُ أنّ الحفل قد انطفأت أنواره، وتلاشت أصداؤه.
لم ينبس يوري ببنت شفة. لم يسألني حتى عمّا دار بيني وبين إدموند. قال لي فقط إنّني أبدو مُتعبة، فلنسترتح أولًا، وسنتحدث غدًا عن كلّ شيء.
رجعتُ إلى غرفتي، اغتسلتُ، تبدّلتُ ثياب النوم، واستلقيتُ على السرير، والأفكار تتزاحم في رأسي كالأمواج المتلاطمة.
«ساشا قالت إنّها كرهت المجيء إلى هنا كرهًا شديدًا، وإنّها لا تريد أن تكون عبئًا… لكنّها رفضتْ ومع ذلك شعرت بالوحدة.»
يبدو أنّني دومًا أجد صعوبة بالغة في لحظات الاختيار هذه.
لذلك، في صباح اليوم التالي، حين جلسنا أنا ويوري وحدنا على مائدة الإفطار، غرزتُ السكّين في البيضة المسلوقة غرزًا خفيفًا، وقلتُ بلا مبالاة:
«هيا، لنعد سريعًا.»
«هل هدأتْ نفسك قليلًا؟»
«لا.»
هدأتْ؟ ما هدأ إلا الندم الذي ملأ قلبي حتى الثمالة.
«الحبّ لا يحلّ كلّ شيء. لذا… قبل أن أتمايل أكثر، وقبل أن يزداد تعلّقك أنت، لنعد.»
«لماذا؟ لتعودي وتموتي بعد سنة؟»
انساب من فم يوري صوت حادّ لم أعهده فيه. تذكّرتُ حينها أنّ بيننا قصّة لم نُنهها بعد.
تذكّرتُ يوري الذي كان يمسكني في قصر ريفر قبل أيام، يبكي حتى انقطع نفسه… فجفّ حلقي فجأة.
نظرتُ إليه من طرف عيني، فانفجر ضاحكًا كأنّ ما قلته أمر مضحك جدًّا.
«حسنًا، افعلي ما تشائين.»
«……»
«نحن عالقون هنا لأنّنا لا نستطيع العودة، لا لأنّنا لا نريد. البحث عن طريقة العودة هو الأولويّة. وكيف نفعل ذلك… فهذا شأنك أنت.»
بدت على يوري حالة من السخط الشديد. كلّ كلمة تنطق بها كانت تتساقط منه كقطرات السمّ، ولم تكن تختلف عمّا كان عليه ذلك اليوم.
يبدو أنّ فكرة عودتي إلى الزمن الذي سأموت فيه بعد سنة واحدة فقط تُثيره غضبًا عميقًا.
لا ألومه. لكنّني إذا فكّرتُ في إعادة عيش تلك السنوات الخمس أو العشر المظلمة المرعبة مرّة أخرى… فأنا أريد أن أهرب أولًا.
حتى لو عدتُ، لن تتغيّر أختي. لستُ أحمق إلى درجة أن أعتقد أنّني أستطيع تغيير أيّ أحد.
«نعم… المشكلة هي العودة.»
سنة واحدة تكفي.
والمهمّة الآن هي أن نعود إلى الزمن الذي نريده.
«تعالي إلى مكتبتي بعد قليل.»
«ماذا؟»
«بما أنّ قرار العودة لم يتغيّر، فعليكِ أنتِ أيضًا أن تبدئي البحث بجديّة.»
*
كانت مكتبة يوري واسعة جدًّا، ومليئة بالكتب، لكنّ أكثر ما أثار إعجابي هو الطاولة الضخمة التي غُطّيت بأوراق مبعثرة كأنّ عاصفة قد مرّت بها.
«أفكّر الآن في كيفيّة تعويض النقص في قوّة السحر.»
«لكن… لماذا ينقص السحر أصلًا؟ ألم تُدبّر أختي الأمر حتى هذه النقطة؟»
سألتُه عن شيء كنتُ أتساءل عنه منذ زمن، لكنّ الظروف لم تسمح لي بالسؤال. لم يُجب يوري. نظر إلى كتاب على الطاولة، ثم رفع عينيه إليّ كأنه يقول «وماذا؟»
بدت عليه ملامح من يختار كلماته بعناية.
«يوري؟»
«……لا أريد أن أتكلّم الآن.»
الآن؟ إذن سيخبرني لاحقًا؟
عبستُ قليلًا، فأدار يوري وجهه قليلًا. ثم رفع بدلًا من ذلك صندوقًا فاخرًا كان موضوعًا على الطاولة.
كان الصندوق الذي أراني إيّاه وليّ العهد في القصر.
إحدى كنوز عائلتنا: «حدود الزمن».
«الجوهرة الموجودة في حدود الزمن هي قوّة سحر سومرز.»
«……إنّها قوّة سيد عائلة سومرز. أعرف أنّها صُنعت على مدى أربعة أجيال.»
حوّل الحديث بسلاسة إلى «حدود الزمن».
«……»
حسنًا. سيقول لي حين يحين الوقت.
مسح الجوهرة الزرقاء المثبّتة في العصا البيضاء بأطراف أصابعه وقال:
«يبدو أنّ الأمر كذلك. تحتوي على كمّ هائل من السحر. لذا كنتُ أبحث في طريقة استخدامها.»
ثم أشار إلى الأوراق المفروشة على الطاولة. كانت دوائر سحريّة معقّدة مرسومة عليها، ومن الشرح الذي أعطاني إيّاه يبدو أنّها تستطيع تعويض نقص سحري تمامًا.
سألني إن كان بإمكاني استخدام الجوهرة هذه فقط من «حدود الزمن»، فأجبته بنعم… ثم راودني شكّ فجأة.
«لكن… ألستُ بحاجة إلى سحري أصلًا؟ ألا يكفي هذا السحر لوحده لنعود؟»
«……لأنّه سحر شخص ميت، فأنتِ ضروريّة بلا شكّ.»
«آه… هكذا؟»
«وبالإضافة إلى ذلك… سنعود معًا.»
أمسكني بيدين خفيفتين، وكان في عينيه قلق واضح. لم أستطع إلا أن أبتسم وأهزّ رأسي.
بدأ يوري العمل بجدّ: قلب السحر الموضوع على «حدود الزمن» رأسًا على عقب، فكّكه، وأعدّ الجوهرة المصنوعة من سحر الأسلاف للاستخدام.
كان يقلب كمّيّات هائلة من الكتب، يرسم دوائر سحريّة جديدة، وكان أكثر انطلاقًا بكثير ممّا كان حين دخلتُ المكتبة أول مرّة. فكّ ربطة عنقه لأنّها كانت تضغط على رقبته، ودسّها في جيب الصدر، وفتح زرّين من قميصه.
رفعتُ نظري إليه وهو يلفّ كمّي قميصه إلى الأعلى، ثم عدتُ إلى الوثائق السحريّة المتعلّقة بصورة أختي المعلّقة بالسحر.
«……»
بعد أن جئتُ إلى هنا، عرفتُ أخيرًا طبيعة سحر عائلتنا بدقّة… ومع ذلك لا أفهم شيئًا. قلبّتُ الدوائر المعقّدة بسرعة، ثم توقّفتُ عند الجزء المشفّر.
ربّما يكمن هنا الإعداد الخاصّ بالذهاب إلى زمن محدّد.
مضت ساعات طويلة. وضعتُ الأوراق على بطني واستلقيتُ كاملة على الأريكة. أدرتُ رأسي فقط لأراقب يوري وهو جالس على حافّة المكتب، يقارن بين بعض الأوراق.
«يوري.»
لم يُجب.
«يوري.»
«تكلّمي. أنا أسمع.»
«أنا… هل أعود إلى الماضي مرّة أخرى؟»
كان يوري ما زال يحدّق في الورقة التي يحملها.
«لأحصل على نصائح مختلفة.»
رفع رأسه أخيرًا ونظر إليّ. رمش بعينيه عدّة مرّات، ثم أمال رأسه ببطء.
«ألم تقولي إنّك لا تعرفين؟»
«لكن ربّما أحصل على مساعدة؟ في البداية فكّرتُ حتى أن أذهب بعد موتي لأرى أختي.»
لا يمكن أن أوجد مرّتين في الزمن نفسه. لذا ربّما يكون الحلّ أن أذهب بعد موتي لألتقيها.
«لا.»
قطع تفكيري صوت حاسم. كان وجه يوري شاحبًا قليلًا. وضع الورقة جانبًا ومشى نحوي.
«هل جننتِ؟ مستحيل.»
«لماذا؟ لماذا؟»
«لأسمع ما سأسمعه هناك مرّة أخرى.»
«……»
نعم، هذا صحيح. عاد إلى ذهني المشهد وهو يبكي على وجهه الشاحب.
«لكنّني وعدتُكِ. سأحميكِ.»
«عليكِ أن تذهبي وتري بشكلك بطلكِ والكابوس الذي يخنق عنقكِ.»
لا أعرف بالتفصيل ما حدث بينه وبين أختي في الزمن الذي لا أعلمه.
لكن…
«يوري، على أيّ حال لا أستطيع الذهاب. لوحة ميكابيلا سُرقت قبل أن أولد، ولم تُكتشف إلّا الآن.»
«……»
«واللوحة في القصر لم تكن في القصر أصلًا.»
إذن لن أرى أختي.
«وليّ العهد قال سابقًا إنّه سيساعدني مرّة واحدة فقط. سأستخدم هذه المرّة الآن.»
ابتسمتُ له بابتسامة ناعمة، وهو ينظر إليّ بوجه قلق.
*
أرسل وليّ العهد الردّ بسرعة.
كان الاستياء واضحًا في كلّ حرف من الرسالة، لكنّني لم أكن في وضع يسمح لي بالتفكير في مشاعره. يوري لم يُدعَ إلى القصر، لذا ذهبتُ وحدي.
استقبلني وليّ العهد وهو يصدر صوتًا بلسانه.
«مرّ وقت طويل.»
«نعم، مرّ وقت طويل.»
«لو علم إدموند لثار الدنيا.»
وقفنا أنا ووليّ العهد أمام اللوحة وصمتنا قليلًا. كان الوقت لا يزال قبل الثالثة بقليل، وقال يوري إنّه سيُنزل المطر. سألته إن كان يُجهد نفسه، فهزّ كتفيه قائلًا إنّها كلام لا معنى له.
وقفنا جنبًا إلى جنب ننظر إلى السفينة فوق بحر الضباب.
«هل إدي بخير؟»
«حتى الآن… نعم.»
منذ ذلك اليوم الذي التقيناه في القصر الذي اختُطف فيه، انقطعت أخبار إدموند تمامًا. حاولتُ أن أبحث في الصحف الاجتماعيّة أو الشائعات، لكنّ يبدو أنّ عائلة دير منعت كلّ شيء عمدًا، فلم أسمع عنه في أيّ مكان.
كلماته الأخيرة لا تزال تدوّي في أذني: «احذري… سيتعلّق بكِ تعلّقًا قذرًا.»
«ربّما… تكونين قد فوّتِ فرصة جيّدة جدًّا.»
«ماذا؟»
«كنتُ أظنّ أنّكِ ستطلبين منّي مساعدتكِ على الهروب أو إخفاء هويّتكِ أو شيء من هذا القبيل.»
بينما كان يتكلّم بهدوء، بدأ المطر يهطل خارجًا، ودوّى الرعد.
«هل يعرف إدي أيضًا؟»
«لا يعرف الآن… لكنّه سيعرف قريبًا.»
وفي اللحظة المناسبة، بدأ ساعة الجدّ يدقّ. ما إن سمعتُ «دينغ—» حتى غمرتني مرّة أخرى تلك الإحساس بالموجة الهائلة. وما إن دوى «دينغ—» في أذني حتى رفعتُ قوّة سحري ببطء.
دينغ—
«ميكابيلا.»
حين فتحتُ عينيّ مرّة أخرى… كان سومرز قبل ألف عام يغرق في مطر جنوني. و…
دوم دوم دوم دوم.
بووووووو—
كانت الحرب دائرة.
═══∘°❈°∘═══
ترجمة: مابل
حسابي على انستا: ma0.bel
ولا تنسى ذكر الله ودعاء لأهلنا في غزة و سودان ومسلمين أجمعين
التعليقات لهذا الفصل " 75"