بدأ الهدوء يحلّ على أروقة الجامعة، لكنه لم يكن هدوءاً مريحاً.
بل كان يشبه السكون الذي يسبق العاصفة.
ولأول مرة منذ بداية الفصل الدراسي، ظلّ المقعد رقم (7) خاوياً.
في البداية ، حاولت تولين أن تقنع نفسها بأنها “مرتاحة” من ضغط وجوده بجانبها.
وأن غيابه هو الفرصة المثالية لاستعادة توازنها.
لكن مع مرور الساعات ، بدأ هذا المقعد الخالي يتحول إلى ثقب أسود يبتلع تركيزها.
كانت عيناها تزيغان نحو الباب مع كل حركة ، وأذناها تترقبان صرير حذائه المعهود.
لكن لا شيء..
سوى صمت القاعة وهمسات الطلاب عن “الوريث الذي لم يظهر”.
خرجت تولين من الجامعة والبرد ينخر عظامها، لكن البرودة الحقيقية كانت في صدرها.
ركبت سيارة أجرة ، وهي تشعر بانقباضٍ غريب، شعورٍ فطري يحذرها من أن مكروهاً قد حدث.
حاولت أن تشغل نفسها بالحديث مع ليام الذي كان يرافقها ، لكنها كانت تجيبه بكلمات مقتضبة.
وعقلها هناك..
في القصر المجاور لمنزلها.
وصلت إلى الحي ، وبمجرد أن نزلت، اتجهت نظرتها “تلقائياً” نحو الأعلى..
نحو شرفته الرخامية التي اعتاد أن يقف عليها كحارسٍ ليلي لسلامها.
تسمرت قدماها في مكانهما.
كانت الشرفة خالية ، والستائر المخملية الثقيلة مغلقة بإحكام لأول مرة منذ أشهر.
لم يكن هناك ضوء واحد ينبعث من غرفته ، وكأن الحياة قد غادرت ذلك الجسد الرخامي الضخم.
همست لنفسه بذعرٍ حاولت إخفاءه:
«لماذا الستائر مغلقة ؟ هو لا يغلقها أبداً.. حتى في أشد الليالي برودة كان يترك خيطاً من الضوء ليراقب الطريق.»
في الداخل، وراء تلك الستائر المغلقة، كان أدريان يغرق في ألمه الخاص.
لم تكن الحمى هي ما أقعدته ، بل كان “الاحتراق الداخلي”.
كان مستلقياً على سريره.
والضمادة على يده قد أصبحت ملطخة تماماً ، ليس فقط بالدم ، بل بإهمال صاحبها للحياة.
كان يرى في عتمة الغرفة وجه تولين وهي تنظر إليه باحتقار.
ويسمع صدى كلماتها:
«أنت مجرد وحش».
هذه الكلمات كانت تنهش روحه أكثر من تهديدات كلير.
شعر أنه فقد كل شيء ؛ فقد كرامته بصمته ، وفقد حبها بتمثيله ، والآن يفقد عقله في هذا الحصار.
أغمض عينيه بقوة ، وهو يشعر ببرودة الأطراف.
وهمس باسمها بنبرة محطمة:
«تولين.. ليتكِ تعلمين أن هذا الوحش ، يتمنى لو يتبخر من الوجود، لكي لا يرى نظرة الكره في عينيكِ مرة أخرى.»
دخلت تولين منزلها ، لكنها لم تخلع معطفها.
توجهت مباشرة نحو نافذتها الوردية، وأزاحت الستارة قليلاً.
بقيت تراقب قصر فانديرميل الصامت لساعات.
كانت تنظر إلى تلك الستائر المغلقة وتشعر برغبة مجنونة في الركض نحو بوابته العالية.
و طرق بابه وسؤال الخدم:
«هل هو بخير؟».
لكنها تذكرت “صمته” في الممر، وتذكرت ضحكات كلير، فقبضت على ستارها بقوة.
وقالت بدموعٍ بدأت تتجمع:
«لماذا أهتم ؟ هو قرر أن يغلق حياته في وجهي ، فلماذا يرفض قلبي أن يغلق أبوابه عليه ؟»
كانت الوخزة في قلبها تزداد حدة مع كل دقيقة تمر دون أن تلمح ظله.
أدركت في تلك الليلة المظلمة أن “غياب” أدريان كان أصعب بكثير من “قسوته”..
وأن صمته وراء الجدران يقتلها أكثر مما قتلها صمته أمام الناس.
تولين الآن في حالة “إنكار لضعفها” لكن قلقها بدأ يقودها نحو الجنون.
استمرت الأيام كأنها دهرٌ من السواد، وتولين تراقب ذلك القصر الذي صار يبدو كمقبرة فاخرة.
في ليلة غلبها فيها الخوف ، جلست في ركن غرفتها، والورقة تحت يدها ترتجف.
لم تكتب عتاباً ، ولا سؤالاً عن سبب غيابه ، بل كتبت كلماتٍ خرجت من عمق قلقها الفطري.
كلماتٍ تجردت فيها من كبريائها لتطمئن على “الإنسان” الذي يسكن خلف الجليد.
ربطت الرسالة في ساق حمامتها ، وأطلقتها نحو الشرفة المظلمة.
ثم أطفأت شمعتها ولاذت بفراشها، تخفي وجهها تحت الغطاء وكأنها ارتكبت جُرمًا جميلاً.
في صباح يوم الأحد ، والشمس تلقي خيوطاً باردة فوق أسطح المدينة.
كانت تولين تجلس في غرفتها، تفتح كتاب التاريخ أمامها كذريعة.
لكن عينيها كانت تخترق المسافة نحو غرفته.
وفجأة..
سُمع صوتُ صريرٍ مألوف ، انفتحت الستائر الثقيلة ، ثم تلاها انزياح الباب الزجاجي للشرفة.
ارتعبت تولين ، وانكمشت خلف جدار نافذتها بسرعة البرق، وقلبها يقرع كطبلٍ في صدرها.
«ماذا أفعل ؟ لماذا أختبئ كالأطفال؟».
همست لنفسها، لكنها لم تجرؤ على الظهور.
على الجانب الآخر ، خرج أدريان.
لم يكن “أدريان فانديرميل” المتأنق ؛ كان وجهه شاحباً، وعيناه غائرتين يحيطهما سواد التعب.
وشعره مبعثراً كأنه لم ينم منذ دهر.
نظر نحو نافذتها المفتوحة ، كان يتمنى لو يلمح طيف ثوبها ، أو يرى طرف كتابها.
لكن النافذة بدت له خاوية ، فزفر بيأسٍ مرير وأراد العودة لداخله.
لكن طرف حذائه اصطدم بشيءٍ غريب.
انحنى ببطء ، والتقط ورقةً صغيرة مبللة بقطرات الندى.
ما إن فتحها ، حتى تجمدت ملامحه ، وبدأ قلبه يضخ الحياة في عروقه بقوةٍ كادت أن تكسر ضلوعه.
[ يقولون إن البيوت تُعرف بسكانها ، لكن شرفتك اليوم تبدو وحيدة..
كأنها تفتقد صاحبها.
لا أعلم إن كان التعب قد نال منك، أم أنك اخترت الصمت كعادتك.
لكن..
العالم يبدو أكثر قتامة حين تنطفئ أضواء جارنا.
كُن بخير..
لأجل المكان الذي تسكنه على الأقل.]
ارتسمت على شفتيه ابتسامةٌ ضعيفة ، لكنها كانت أصدق من كل ضحكاته السابقة.
أحس ببرودة جسده تتلاشى.
«لقد رأتني.. لقد شعرت بغيابي»
همس لنفسه ، وشعر أن الجليد الذي بناه بينهما بدأ يتشقق بفعل دفء هذه الكلمات البسيطة.
أحس برغبة عارمة في الصراخ ، في إخبارها أنه حيّ لأجلها.
لكنه اكتفى بالدخول وإحضار ورقةٍ وقلم ، ليكتب رداً يحمل بين طياته كل ما لا يستطيع قوله علناً.
بعد ساعات ، وبينما كانت تولين تجلس في شرفتها تحت شمس الغروب.
سقطت أمامها ورقةٌ مطوية بعناية ، وكأن الرياح قد حملتها إليها خصيصاً.
فتحتها بيدين مرتعشتين ، لتقرأ خطه القوي الذي كاد يمزق الورقة من شدة الضغط:
[ رسالتكِ كانت الضوء الوحيد الذي اخترق عتمتي.
أعتذر إن كان صمتي قد أثار قلقكِ.
لكن أحياناً يضطر المرء للاختباء لكي لا يحرق الآخرين بناره.
أنا بخير الآن..
أو ربما أصبحتُ بخير منذ اللحظة التي لمستُ فيها كلماتكِ.
لا تقلقي على “جاركِ”، فهو يسكن قصراً من الرخام.
لكنه اكتشف اليوم أن الحياة الحقيقية تسكن في النافذة المقابلة..
النافذة التي تمنحه سبباً لكي يفتح ستائره كل صباح.
شكراً لأنكِ كنتِ الوحيدة التي سألت عني بصدق”.]
قرأت تولين الرسالة ، وشعرت برعشةٍ تسري في جسدها.
لم يعد بإمكانها الإنكار ؛ هذا التلميح ، هذه النبرة المليئة بالضعف الجميل.
أكدت لها أن أدريان ليس رجل الجليد الذي تظنه.
أما أدريان ، فكان واقفاً خلف ستائره يراقبها وهي تقرأ.
رأى كيف وضعت الورقة على صدرها وأغمضت عينيها.
فشعر بفرحةٍ عارمة لم يعرفها في حياته المترفة.
لقد بدأ القناع يسقط ، وبدأ “السر” الذي يحمله يثقل كاهله.
فهو الآن تأكد أنها تحبه ، وهو يحبها ، لكن السكين الذي تحمله كلير لا يزال معلقاً فوق رقبتيهما.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 20"