استيقظت آنا مع أول بزوغ للشمس، رتبت السرير بسرعة وبدأت بتجهيز نفسها قبل أن يستيقظ الآخرون.
كان المكان هادئا على غير العادة، والحمام نظيفا قبل ازدحام الشباب، لذا استغلت الفرصة واستحمت قبل استيقاظهم.
التفتت خلفها لتجد جيمس واقفا هناك، يحدق بها بنظرة غريبة لم تعهدها منه.
جيمس!…
لم تتوقع وجود أحد خلفها، توترت حين رأته يقف على تلك الهيئة.
هل يجب أن أحييه؟…
«صباح الخير».
لم يرد ظل صامتا والتعبير نفسه يسيطر على وجهه، تعبير مختلف تماما عما اعتادت عليه آنا مما زاد من توترها.
لماذا يقف هكذا دون أن يتحدث؟.
هل كان كذلك من قبل؟…
ربما أسئت تفسير الأمر؟.
يبدو أنه لا يزال لا يتحمل وجودي هنا، لكن البارحة فقط كان جيدا معي… ما الذي تغير؟
وبعد لحظات من الصمت الثقيل، قرر أخيرا أن يتحدث.
«أنظر إلى حالك… يبدو أنك متحمس جدا لرحلة اليوم».
تنفست آنا داخليا براحة.
إذن هو طبيعي… لقد بالغت في التفكير. لهجته الساخرة المألوفة، هي نفسها حين يتحدث معي دائما. لم يكن علي أن أتوتر من لا شيء.
«أجل أنا متحمس جدا من أجل رحلة الصيد».
الحقيقة أن ما قالته لم يكن سوى خداع.
لم تكن متحمسة للرحلة بحد ذاتها، بل لأنها تريد الخروج من القصر… والعودة إلى عالمها.
خرجت آنا من الحمام بينما بدأ جيمس بتجهيز نفسه، ومع مرور الوقت بدأ بقية الشباب بالاستيقاظ واحدا تلو الآخر.
وبعد ساعة كانت آنا تقف أمام بوابة القصر مع حشد من الحرس.
عدد الجنود كان هائلا، وهو أمر بديهي بعد محاولة الاغتيال الأخيرة.
بعد لحظات خرج ويليام برفقة فيكتور. لاحظت آنا أن الملك كان ينظر في اتجاهها بينما يتحدث مع فيكتور، قبل أن يلتفت الأخير بدوره نحوها.
هل يتحدثان عني؟…
اقترب الملك من موقع الحرس حيث تقف آنا، فانحنى الجميع فورا، وانحنت معهم.
«يجب عليك ارتداء زي الحرس».
وجه كلامه إلى آنا مباشرة، فرفعت نظرها إليه ثم التفتت نحو بقية الحرس، تلاحظ الزي الموحد الذي يرتدونه من دروع وخوذات متشابهة.
أشار فيكتور إلى أحد الحراس ليحضر لآنا الدرع والخوذة. أمسكت بهما باستخفاف، لكن يدها ما لبثت أن انخفضت قليلا تحت ثقلهما.
ثقيلان جدا!…
«ستكون الرحلة ليومين للصيد، وستكونون برفقة الملك، لذلك لا مجال لأي أخطاء».
قالها فيكتور بنبرة حازمة.
رد الحراس بصوت واحد.
«حاضر…!».
اقترب فيكتور من جيمس وتحدث إليه بصوت جاد.
«تم تكليفك مبدئيا بالإشراف فلا تجعل اختياري لك قرارا غير موفق».
ربت على كتفه ثم أصدر أمره بفتح بوابة القصر.
يبدو أن القائد فيكتور لن يرافق الملك في هذه الرحلة. لم أكن أتوقع ذلك، لكنه بلا شك يده اليمنى وسيبقى في القصر لترتيب الأمور حتى عودة الملك.
الملك جالس فوق حصانه، بينما يسير الجميع على أقدامهم في هذا الطقس القارس وسط الثلج المتراكم، وذلك الزي الثقيل السخيف الذي بدا وكأنه يزن طنا كاملا.
الملك وجيمس وبقية المرافقين والحرس يمتطون الخيول، في حين سار المشاة والخدم دون أحصنة… وكانت آنا من بينهم.
تقريبا اعتدت على برودة الجو القارس، لكن وجهي لا يزال متجمدا وكذلك يداي رغم القفازات.
بعد مسير دام قرابة ثلاث ساعات، توقفت الحاشية في المقدمة فتوقف المشاة بدورهم. استندت آنا قليلا وهي تحاول استعادة أنفاسها من شدة التعب.
قال أحد الخدم وهو يلهث.
«أنت لم تعتد على الرحلات الطويلة. الملك دائما يحب الصيد في هذه الغابة… رغم أنه طعن بالسهام في جوفها ذات مرة».
هذا صحيح… إنها الغابة نفسها.
الملك حقا يفي بوعده بإحضاري إلى البحيرة.
أخذت آنا لمحة سريعة حولها، ليبدو المكان مألوفا الآن أكثر من ذي قبل.
في الحقيقة هو يفي بوعده لأنه يظن أنني قد أنشر شائعات عنه…
تقدم أحد الحرس من الحاشية وأعلن بصوت مرتفع.
«هذا هو مكان الاستقرار أمر الملك بالتوقف سيتم نصب الخيام هنا فباشروا العمل».
لا تدري ما الذي يفترض بها فعله بالضبط الجميع كان يدفعها من مكان إلى آخر.
قال أحد الخدم بخشونة.
«ضع الخيمة باستقامة واربطها جيدا!».
وتابع آخر وهو يشير بيده.
«أيها الخادم الصغير! تعال وامسك بالحبال لربط الخيمة…».
في النهاية جلست آنا على الأرض أمام إحدى الأشجار، وقد أنهكها التعب بعد سلسلة المهام المتلاحقة.
لا يجيدون سوى التنمر على الأضعف منهم…
حتى إنهم لا يستطيعون ربط خيمة بمفردهم!.
رفعت رأسها وعيناها تجولان في المكان، الحرس منشغلون… لا أحد ينتبه لها الآن.
نهضت أخيرا، نفضت الثلج عن ملابسها الثقيلة، وشدت القفازات على يديها.
إذا بقيت هنا، سيستمرون بإلقاء الأوامر علي فقط.
نهضت واتجهت نحو المقدمة حيث تقف الأحصنة في منطقة التخييم، لكنها لم تر الملك هناك كما توقهت. عندها لمحت جيمس وهو يحمل عدة الصيد.
إنه جيمس… ربما يعلم أين الملك، بما أنه يرافقه.
سارت آنا بخطوات سريعة نحوه لتلحق به.
«مهلا… جيمس».
التفت جيمس إليها وتوقف، فأسرعت خطواتها حتى وصلت إليه.
«هل تعرف أين الملك؟».
بدا جيمس مستغربا من سؤالها المفاجئ، ومن بحثها عن الملك دون أي مقدمات أو رسميات.
ما الذي أفعله؟…
لا يزال هذا الرجل ملكًا، لماذا أتحدث بهذه الطريقة وأبحث عنه هكذا؟.
لا بد أن جيمس يستغرب.
واصل جيمس سيره حتى وصل إلى طاولة خشبية، وبدأ بوضع الأسلحة عليها وترتيب السهام، ثم أشار بيده نحو الغابة دون أن ينظر إليها.
«إنه هناك».
اكتفى بالإشارة وهو يواصل عمله دون ان ينظر اليها.
«شكرا…».
كانت على وشك المغادرة حين أمسك جيمس بيدها فجأة، فتجمدت في مكانها بدهشة.
«هل من أمر ما؟!».
لماذا أشعر وكأن شيئا سيئا على وشك الحدوث الآن؟.
هل يعقل أن يكون جيمس…
«أنا أعرف كل شيء…».
كأن العالم توقف للحظة، دب الخوف في قلب آنا، وردت بتلعثم.
«مـ… ما الذي تقصده بكلامك؟ عن ماذا تتحدث يا جيمس؟!».
«أعلم أنكِ متخفية بزي الخدم لا أعلم ما الذي يدفعكِ إلى ذلك، لكن…».
لم تنتظر سماع المزيد، أفلتت آنا يدها بقوة وتراجعت خطوتين إلى الخلف، ثم اندفعت بلا وعي باتجاه الغابة.
لا أصدق… كان يعرف كل هذا الوقت وتظاهر بالجهل. منذ متى؟ وكم مرة ابتسم لي وهو يخفي الحقيقة؟.
لا يمكنني الوثوق بأي شخص، لا يسعني سوى الخوف من كل شيء حولي… يجب أن أعود إلى عالمي.
في الجانب الآخر كان الملك يجهز بندقية الصيد، قبل أن تقع عيناه على براين وهو يشق طريقه بين الأشجار.
ما الذي يفعله ذلك الخادم هنا؟، هل ينوي الهرب؟ أم يخطط لاغتيالي حقا هذه المرة؟.
«أنت! ما الذي تفعله هناك؟!».
هل تظاهر بعدم سماعي؟…
يجب أن أصل إلى البحيرة، يجب أن أعود إلى عالمي قبل أن يكتشف الملك أمري متنكرة…
وأنني فتاة ويعدمني.
كان القدر رحيما حين منحني حياة أخرى لكن الفرص لا تظل تنتظر للأبد… نهايتي ستكون مأساوية.
توقفت فجأة.
هناك… البحيرة!.
إنها هي… نفس البحيرة التي تفصلني عن عالمي، أسفل الجرف مباشرة.
إنها لم تتغير رغم أنني تغيرت، حياتي القديمة الضعيفة لم تعد موجودة.
هل تيّر شيء بعد مغادرتي لعالمي؟.
وهل سيتغير شيء هنا إن اختفيت؟.
أم ستستمر الحياة وكأنني لم أوجد أصلا؟.
لماذا يقف هناك بلا حراك؟ هل يخطط لشيء؟ …
كان ويليام قد لحق بها دون أن تنتبه كان على وشك أن يناديها، لكنه تجمد في مكانه عندما رآها تقترب أكثر من الحافة.
«ما الذي تقوم به هناك؟!».
التفتت آنا عند سماع صوته.
هذا المشهد… مألوف.
تماما كما حدث حين سقطت من نافذة المستشفى. الطبيب براين كان ينظر إلي بعينين حائرتين، كما يفعل الملك الآن.
ربما سيكون هذا آخر ما أراه في هذا العالم.
سأكتب عن ذلك عند عودتي… عن ملك مغرور متسلط لا يعرف حتى كيف يعتني بنفسه،
ستكون رواية مثيرة للاهتمام.
تراجعت خطوات قليلة إلى الخلف.
اندفع ويليام نحوها محاولا الإمساك بهاولكن آنا كانت أسرع.
قفزت.
بآخر أمل أن يمسك يدها شاهدها تسقط، وصوت ارتطام الماء شق الصمت.
غاصت في أعماق البحيرة دون مقاومة،
ذراعها الحديدي بدأ يتجمد حول جسدها، يثقلها، يدفعها نحو القاع.
بارد… مظلم… اختناق شديد.
كما في المرة السابقة.
إذا هذا طريقي للعودة إلى عالمي.
هناك صوت يناديني… أسمعه بخفة.
إنه الصوت ذاته الذي يزورني في أحلامي،
هل هناك شخص ما في عالمي لا يزال ينتظرني؟.
لكن لماذا لا أشعر بالرضا؟، أليس هذا مكاني الطبيعي؟
ظهر ضوء ساطع في عمق البحيرة.
كانت آنا تراه بوضوح على بعد خطوة واحدة من العبور.
بدأ نظرها يضطرب وأنفاسها تتلاشى تدريجيا.
هل ندمت مرة أخرى؟.
لا… الضوء… يختفي… لا!
مدت يدها نحوه لكن مجال الضوء تقلص ثم اختفى كليا.
لا أستطيع التنفس…
أنا أغرق نحو القاع…
أحد ما… لينقذني… أي شخص…
قبل أن تفقد وعيها تماما أحست بيد قوية تشدها نحو الأعلى.
«أحضروا الطبيب المرافق فورا!».
أبعد جيمس الملك بيده بقسوة لم يكن ويليام يتوقعها.
«سيكون الأوان قد فات إن تأخرنا أكثر!».
نظرة دهشة عبرت وجهه ليس من خطورة الموقف بل من جرأة جيمس.
انحنى جيمس سريعا، فك الذراع الحديدية عن جسد آنا بحركات حاسمة، ثم وضع كفيه على صدرها وضغط بثبات مرة بعد أخرى.
لا شيء.
لم يسمح لنفسه بالتوقف.
اقترب أكثر أطبق شفتيه على شفتيها ودفع الهواء إلى رئتيها.
لحظات ثقيلة كأن الزمن انكمش حولهم،
ثم…
اهتز صدرها وانطلقت آنا بسعال حاد تتقيأ الماء الذي ابتلعته، تتشبث بالحياة بعنف.
هل كان عليه الوصول إلى هذا الحد؟.
كان يجب عليه فقط أن يحاول أكثر مع الضغط!.
فكر ويليام وهو يراقب المشهد بصمت عيناه لا تفارقان جسدها.
في تلك اللحظة وصل الطبيب مسرعا بعد أن أبلغه أحد الحراس.
كما اندفع عدد من الخدم نحو الملك، يحيطونه ببطانية سميكة من الفراء الثقيل.
حملت آنا إلى الخيمة لفحصها، وكان جيمس حريصا على ألا يلاحظ أحد ملامحها الحقيقية أو جسدها عن قرب.
«لقد ابتلع كمية كبيرة من الماء سيكون بخير بعد فترة، لكن جسده هزيل للغاية يحتاج إلى تغذية أفضل».
هزيل؟ …
انعقد حاجبا ويليام فورا.
رفع رأسه وحدق في الجنود من حوله بنظرة لا تقبل النقاش.
«اصطادوا أضخم جاموس تجدونه للعشاء».
تبادل الجنود نظرات سريعة، ثم أجابوا بانضباط. «أمرك جلالتك!».
تقدم جيمس نحو الملك، انحنى باحترام.
«جلالتك ملابسك ما زالت مبللة من الأفضل تغييرها حفاظا على صحتك».
«الآن فقط تذكرت أن تقلق علي؟… رجل يدفع ملكه بهذه الطريقة».
«أعتذر عن تجاوزي يا جلالتك لكني لست نادما، كان علي أن أختار ما ينقذ حياة أحدهم».
«اسمح لي بالانصراف الآن».
حدق ويليام فيه طويلا، بينما استدار جيمس وغادر. وبقي ويليام وحده، نظره متجه نحو الخيمة.
اتجه جيمس بعيدا عن الخيام نحو عمق الغابة.
خطواته كانت ثابتة، لكن صدره لم يكن كذلك.
ألقت بنفسها…لأنها خافت.
هذه الحقيقة كانت تضربه بثقل أكبر من صرير الأغصان تحت قدميه.
لقد اختارت السقوط بدل أن تكشف، لكن لم أكن لافضح سرها!.
تذكر جسدها حين حملها، خفيف على نحو مبالغ.
كيف استطاعت القيام بكل تلك الأعمال الشاقة؟.
اليوم الذي عرف فيه، كان عند دخوله للحمام…
ثم رأها.
لم يحتج إلى وقت طويل ليفهم الحقيقة وانسحب فورا.
_يتبع_
التعليقات لهذا الفصل " 9"