بطريقة ما وافقت آنا على عرض ذلك الشخص…
بدا الأمر وكأنها تسعى إلى الموت بنفسها.
في الحقيقة ما أرادته في تلك اللحظة كان سوى الخروج من ذلك المكان القذر، أيا كان الثمن.
لكنها لم توافق إلا بعد أن وضعت شرطها، أن تُحضر إيميليت معها فهذه الفتاة المسكينة قد تعذبت بما فيه الكفاية.
كانت إيميليت جالسة إلى جانبها داخل العربة صامتة، بينما جلس الرجل المدعو نيكولاس قبالتهما مباشرة وعلى وجهه ابتسامة غريبة لا تبعث على الطمأنينة.
«لم أكن أعتقد أنك ستوافقين على طلبي لكن لا بد أن البقاء هناك كان أمرا سيئا أتفهم ذلك…».
نظر إليها بنظرات استصغار واضحة، وهي لم تجبه اكتفت بإشاحة نظرها نحو النافذة.
من يظن نفسه ليقلل من شأنها؟، صحيح أنها لم تكن بتلك المكانة الرفيعة، لكن ذلك لا يمنحه أي حق ولا أي مبرر.
يا له من حقير!.
لكن لا بأس المهم أنها خرجت من ذلك المكان، وإيميليت خرجت معها أيضا.
أما الآن فكان عليها التفكير في أمر أهم بكثير،
هل يجب عليها تحذير الملك من أن هذا الشخص يريد قتله؟.
لكن كيف؟
شعرت بيد إيميليت تشد على يدها، فالتفتت إليها.
«إلى أين سنذهب؟». همست الفتاة بصوت خافت.
«لا أعلم…لكن إلى مكان أفضل من هناك على الأقل».
هزت إيميليت رأسها موافقة وكانت عيناها تلمعان بسعادة واضحة رغم أن آنا نفسها لم تكن تعلم حقا ما الذي ينتظرهما بعد هذه النقطة.
توقفت العربة أخيرا أمام منزل خشبي يقع على أطراف الغابة.
ألقت آنا نظرة من النافذة، بدا المكان خاليا تماما. نزل نيكولاس أولا ومد يده نحوها لكنها تجاهلته ونزلت بمفردها، ثم التفتت لتساعد إيميليت على النزول.
سحب يده بهدوء وكان واضحا أنها أحرجته فعلا وهذا ما أرادته بالضبط.
كان ذلك انتقامًا صغيرًا على سخافته ونظرته المتعالية.
أشار نيكولاس نحو البيت قائلا.
«سنبقى هنا حاليا».
«نبقى هنا؟ ماذا تقصد؟».
اقترب منها وخفض صوته وهو يقول.
«يجب التحضير للأمر أم أنك نسيت مسألة قتل الملك؟».
تقدمت إيميليت نحو المنزل دون أن تنتبه لما قيل.
«لم أنس ذلك لا داعي للتكرار».
«جيد إذا… فلندخل».
أخرج حزمة مفاتيح من جيبه وبدأ بتجربة بعضها، حتى وجد المفتاح الصحيح وفتح الباب.
كان المنزل صغيرا لكنه لا بأس به واضح أنه مهجور منذ مدة الغبار يكسو كل زاوية.
يتكون من طابق واحد،قاعة جلوس فور الدخول بعد الردهة، إلى جانبها مطبخ صغير، وغرفتان، وحمام ملحق بكل غرفة.
لم تستطع آنا التوقف عن التفكير.
ما الذي يجب أن أفعله حقا؟.
قطعت إيميليت شرودها وهي تنظر إليها بقلق.
«فيما تفكرين؟ أنت شاردة منذ دخلنا هل هناك أمر ما؟».
أجابت آنا وهي تضع المنشفة التي كانت تنظف بها جانبا.
«لا أنا بخير فقط أفكر متى سننتهي من التنظيف لهذا متعب!».
«لقد انتهينا تقريبا لم يبق سوى تنظيف الدرج».
«حقا؟ لم أشعر بذلك… يبدو أن ذهني كان في مكان آخر».
بعد ساعات من التنظيف فلم يكن بالإمكان ترك المكان بتلك الفوضى، أخيرا انتهوا.
في ذلك الوقت كان نيكولاس قد خرج لإحضار الحطب للمدفأة.
ظنت آنا أنه لن يكون متساهلا… وحدسها كان في محله.
تركهما وحدهما في المكان وذهب بنفسه لإحضار الخشب، رغم أنه كان يستطيع ببساطة أن يأمر أحد خدمه بذلك.
هذا ليس تصرفا عشوائيا.
كانت متأكدة أن هناك أمرا آخر يشغله… سببا اضطره إلى الخروج بنفسه.
حل الليل سريعا وأيام الشتاء كانت تنقضي على عجل.
حوالي السابعة مساءا غرق المكان في الظلام،
دخل نيكولاس أخيرا ينفض الثلج عن معطفه ويفرك يديه محاولا إعادة الإحساس إليهما.
رغم أن الشتاء بدأ بالانقضاء إلا أن الليل كان قارس البرودة.
قال وهو ينزع حذاءه عند المدخل.
«الجو بارد حقا لا أشعر بأصابع يدي…».
نهضت آنا من مكانها وتقدمت نحوه.
لم تحتج إلى مقدمات فقد كانت منشغلة بهذا السؤال منذ الصباح، وأعدته في ذهنها طويلا.
«ماذا تريد بالتحديد؟».
«ماذا ألا تعلمين بالفعل؟».
آنا تمر لسؤال أخر دون ان تتحصل على اجابة الأول.
«كيف ستدخل للقصر؟ أو هل تظن انهم سيرحبون بك بصدر واسع؟».
«لقد خططت لكل شيئ لا تقلقي…».
تقدم نحوها وقدم لها ظرفا، ثم اتجه مباشرة إلى المدفأة وأشعلها بينما بقيت آنا في مكانها تتفحص الظرف.
بدافع فضولها الغريزي فتحته بسرعة.
أخرجت الورقة من الداخل…
كان طلبا رسميا تمت الموافقة عليه ومختوما بختم القصر.
«كيف حصلت على هذا؟ كيف تتم الموافقة على طلبك بهذه السهولة؟ لا بد أنه مزور!».
نفض نيكولاس يديه من فحم الحطب مجيبا بثقة.
«كلا إنه حقيقي».
جلس على الأريكة القريبة من المدفأة ألقى نظرة سريعة حول المكان، ثم سأل بلا اكتراث مغيرا الموضوع.
«أين صديقتك؟ لم أرها منذ أن عدت».
لم تجبه.
شدت الورقة بين أصابعها وقالت بإصرار.
«لم تجبني عن سؤالي».
ابتسم ابتسامة خفيفة كأنها أمتعته.
«يبدو أنك لم تسمعي بالأمر… دعيني أشرح لك عزيزتي».
بقيت آنا صامتة، لم تكن تعرف ما الذي يدور في عقل هذا الشخص. ولا إن كان يجب أن تصدق كلمة مما يقول.
تابع وهو يستند إلى ظهر الأريكة.
«هناك حفل في القصر ومعه عدد كبير من الطلبيات التي يجب نقلها إلى الداخل كانت فرصة مثالية للاختلاط بالموظفين دون إثارة الشبهات».
قطبت حاجبيها.
«حفل؟».
أومأ برأسه.
«حفل خطبة الملك ويبدو أن العروس أميرة فرنسية… والأكثر إثارة أن الأمر لا يخلو من الدراما».
توقفت أنفاسها لوهلة.
«خطبة؟…».
ثم أضافت بصوت أخفض وكأن الفكرة بدأت تتضح في ذهنها.
«إنها تلك الأميرة الجميلة…».
«انها شقيقة خطيبة الملك السابقة».
شقيقة خطيبته السابقة؟…
ارتسمت ابتسامة أوسع على شفتي نيكولاس، ابتسامة تحمل شيئا من السخرية.
«أليست قصة مشوقة حقا؟».
إنتقلت آنا لسؤال أخر تريد إشباع فضولها ومعرفة الأمور أكثر.
«ماذا تريد بفعل كل هذا؟».
«اريد الانتقام… ».
في القصر، حيث كان الهدوء يخيم على الممرات كان يسير بخطوات سريعة متجها نحو الخارج. لم تمض سوى لحظات حتى اتضح مساره…
السجن.
تمتم فيليب بتذمر.
«تبا لهذا الأمر… لكن لا بد أن أقوم به بنفسي، أولئك الخدم الحمقى يفسدون كل شيء دائما».
وصل أخيرا إلى بوابة السجن ففتح له الحارسان الباب دون تردد.
فبعد كل شيء هو الدوق وهيبته لا تشكك فيها.
كان أول ما فعله أن أمر أحدهم بإحضار مشعل فالعتمة في الداخل كانت خانقة.
ثم أصدر أمرا آخر أكثر غرابة، إخلاء الحراسة عن زنزانة جيمس. أراد التحدث إليه على انفراد.
تبادل الحارسان نظرة مترددة لكن الأمر لم يكن قابلا للنقاش، نفذا طلبه بصمت.
في تلك الأثناء كان جيمس مستيقظا رغم تأخر الوقت.
استغرب انسحاب الحارسين من أمام زنزانته، وقبل أن تتكون لديه فكرة واضحة لمح ضوءا يقترب يرافقه ظل طويل منعكس على الجدار.
رفع رأسه ببطء ورمش عدة مرات، لقد أرهق السواد عينيه حتى كاد الضوء يؤلمه.
«يبدو أنك لا تزال على قيد الحياة رغم كل شيء».
«ما الذي تفعله هنا سيدي الدوق؟».
اقترب فيليب خطوة أخرى.
«صينية الطعام غدا… تأكد من أن تأكل جيدا تبدو شاحبا».
فهم جيمس التلميح فورا.
لا بد أن شيئا ما سيكون في صينية الطعام.
لكن السؤال الذي أقلقه أكثر… لماذا يريد الدوق فيليب مساعدته الآن؟.
«لا تقلق بشأن مظهري… ما يهمني هو أن أعرف هدفك من هذا».
«لست أنا من يساعدك لا تظن أنني أصبحت لطيفا فجأة لمساعدة السجناء».
ثم استدار مبتعدا، وأضاف دون أن ينظر خلفه.
«نم جيدا هذه الليلة».
بقي جيمس وحده مع ضوء المشعل الذي بدأ يخفت، ومع سؤال أثقل من ظلام الزنزانة نفسه.
هل يعقل انه السيد نيكولاس؟، ظننت انه مسي أمري فعلا…
حلّ الصباح وتسللت أشعة الشمس الخافتة عبر نافذة الغرفة. كانت آنا جالسة في مكانها شاحبة الملامح، ويبدو أن النوم لم يزر عينيها طوال الليلة الماضية.
نهضت أخيرا واتجهت نحو إميليت التي كانت بجانبها ثم أيقظتها برفق.
تمتمت إميليت وهي تفتح عينيها بصعوبة وتفركهما.
«هل حل الصباح بهذه السرعة؟…».
«سأكون في الاسفل».
«حسنا…».
فتحت آنا باب الغرفة لتخرج فبلغ سمعها حديث في الخارج، تقدمت نحو المدخل لترى رجلا يحمل طردا يتحدث مع نيكولاس.
وما إن لمحها حتى حياها بابتسامة ودودة.
«صباح الخير… لا بد أنها السيدة زوجة السيد!».
قاطع نيكولاس الحديث بسرعة.
«يمكنك الذهاب الآن وشكرا على الطرد».
أجاب ساعي البريد باحترام.
«لا داعي للشكر سيدي».
أغلق الباب ودخل وهو يحمل الطرد بين يديه، تقدمت آنا نحوه وقد عقدت حاجبيها باستغراب.
«ما الذي كان يقصده بكلامه؟».
«هكذا سيظن من حولنا أننا زوجان من الجنوب انتقلا حديثا إلى هنا».
«ولم نحتاج إلى هذه التمثيلية؟».
«علينا إتقان أدوارنا جيدا لا يجب أن يشك أحد في حقيقة ما نطمح إليه».
تردد السؤال الثقيل في عقلها مجددا.
هل سيقتل الملك حقا؟.
يا له من مصير، كانت تحاول الهرب كي لا تقتل وها هي تدفع الآن لتصبح قاتلته.
فتح نيكولاس الطرد فأخرج منه علبة تحتوي أدوات خياطة وأشرطة قياس وما شابه.
«ما هذه؟».
«من أجلك، عليك تعلم الخياطة فهذا مهم».
«مهم؟ ماذا تقصد؟».
أخذ إحدى كرات الخيط وبدأ بفكها ببطء ليظهر في داخلها شيء صغير، كانت قنينة زجاجية.
وما إن وقعت عينا آنا عليها حتى أدركت حقيقتها فورا… سم، لا شك في ذلك.
قال نيكولاس وهو يعيد ترتيب العلبة.
«ستحملين هذه معك إلى القصر».
«وهل تظن أن حمل عدة خياطة إلى حفل سيكون أمرا طبيعيا؟».
«بل سيكون أكثر من طبيعي، ستكونين مساعدة في تحضير فستان الأميرة للحفل ستستغلين أي فرصة لإخراج القنينة ثم تنتقلين إلى مهمتك الثانية… وضع السم في طعام الملك».
وضع العلبة بين يديها قبل ان يكمل حديثه.
«لذا تدربي قليلا على الخياطة وتعلمي الأساسيات، في ملفك أنت شابة مغرمة بالخياطة فاجعلي الأمر يبدو مقنعا».
حملت آنا العلبة واتجهت بها إلى الغرفة، وضعتها على الطاولة أمام السرير ثم بدأت تسير ذهابا وإيابا بعصبية.
خطرت لها فكرة فجأة فأسرعت نحو النافذة وفتحتها لكن خيبة الأمل كانت بانتظارها.
قضبان حديدية ثابتة وما كانت تفكر به، الهرب من هنا بدا مستحيلا.
دخلت إميليت الغرفة وهي تحمل منشفة بعد خروجها من الحمام.
«لماذا فتحت النافذة؟ الجو بارد».
أغلقتها آنا بسرعة. «آسفة».
كان الأمر واضحا الآن، الخروج من هذا المكان لم يكن سهلا بل ربما مستحيلا.
كالعادة أحضرت صينية الغداء إلى جيمس في زنزانته.
صاح الحارس بخشونة. «هيا، انهض!».
جلس جيمس بعدما كان ممددا على الأرض، فرمى الحارس الصينية أمامه وأغلق الباب خلفه.
سحب الصينية إليه بلهفة، وبدأ يتفحص الطعام بالملعقة لم يجد شيئا، أمسك بالخبز لكنه ما إن رفعه حتى لاحظ حفرة صغيرة أسفله وداخلها كانت ورقة صغيرة وبجانبها حبة دواء.
كتب على الورقة بخط مختصر “اشربها”.
لم يتردد، وضع الحبة في فمه فورا. لم تمر لحظات حتى بدأ يختنق ويسعل بعنف،
لاحظ الحارس ما يحدث فأسرع هو ومن معه نحو الزنزانة.
في مكان آخر ساد الغضب، ألقيت حزمة كاملة من الأوراق على الطاولة بعنف بينما تراجع فيكتور خطوة إلى الخلف ليفسح المجال لما قد يرمى لاحقا خشية أن تكون الضربة التالية من نصيبه.
قال فيكتور محاولا تهدئة الموقف.
«جلالتك عليك أن تتحكم بأعصابك».
جاءه الرد حادا وغاضبا.
«وكيف تطلب مني ذلك بعد أن
حدثت جلبة كهذه!».
نظر الملك نحو الحراس الواقفين أمامه، فتقدم أحدهم بخطوات مترددة وصوته يرتجف خوفا.
«جلالتك… لقد كان يختنق فعلا حتى إن نبضات قلبه توقفت لم ندرك أن ما حدث كان تمثيل فتم نقله إلى العيادة وهناك استغل الفوضى وهرب».
ساد الصمت لحظة قبل أن ينطق فيكتور.
«لا يمكن أن يكون قد غادر القصر فالحرس منتشرون في كل مكان».
اشتد غضب الملك فصرخ دون تردد.
«اطردوا هؤلاء فورا! لا نحتاج إلى حرس عاجزين!».
أسرع فيكتور بإصدار أوامره فخرج الجميع من القاعة تاركين الملك وحيدا، كان يأمل أن يهدأ غضبه قليلا أو على الأقل أن ينفرد بنفسه قبل أن يتفاقم الأمر أكثر.
_يتبع_
التعليقات لهذا الفصل " 15"