[إلى راشيل، صديقتي العزيزة ، أكثرُ شخصٍ أحبهُ في العالم و النصف الآخر من روحي.
راشيل! أخبرتني جوليا أن السيدة كورتيس قد أوصت لكِ بوظيفة معلمة لدى عائلة أوتيس!
نظراً لأن السيدة كورتيس تهتمَ بكِ كثيراً، فلا بد أن خطاب التوصية كان مليئةً بجميع أنواع الثناء، وأنا متأكدة من أن عائلة أوتيس سترحبُ بكِ بأذرع مفتوحة بسبب خبرتكِ المهنية وشخصيتكِ. أليس كذلك؟
لكن، كما تعلمين، راشيل. أنا لا أريدُكِ أن تذهبِ.
أعلم أن عائلة أوتيس هي عائلة مرموقة. لكنني أشعر بعدم الارتياح قليلاً. مما سمعتهُ، لم يرى أحد عائلة أوتيس علناً منذُ ما يقرب عشر سنوات، ولا يزال أبنهم الأكبر، الذي على وشك أن يبلغ سن الرشد، بعيداً عن الأنظار، ناهيك أنه لم يذهب حتى إلى الأكاديمية.
أيضاً، كانت هناك بعض الشائعات الغريبة منتشرةً منذُ فترة….حسناً، لا أتذكر هذا الجزء جيداً.
على أيِّ حالٍ!
لم أسمع قط عن أيِّ شخصٍ أعطى معلماً دفعة أولى، وحتى هذا النوع من المال يعد مبلغاً كبيراً، حتى بالنسبةً لأوتيس، ألا تعتقدين ذلك؟ بالطبع، أنتِ موهوبة بما فيه الكفاية لتلقي ضعف هذا المبلغ……
لكن ألا يمكنكِ البقاء في دمبلين؟ لقد أوشك عمل روبي على الانتهاء، لذا سأزور دمبلين قريباً. تعالي معي إلى لينتون هذا الربيع. سنستمتع بالموسم الاجتماعي المُذهل في العاصمة معاً. ما رأيكِ؟
أتمنى أن تكوني هناك عندما أعود إلى دمبلين. سوفَ أصلي كل ليلة لرؤيتكِ.
أفكر بكِ دائماً. أحبكِ،
مارغريت تشيستر.]
***
[إلى صديقتي العزيزة مارغريت.
يا الهي يا سيدة تشيستر. لقد فاجأتني من السطر الأول من رسالتكِ.
آمل ألا يعرف السيد روبرت المسكين هذا أبداً. سيكون حزيناً للغاية عندما يعلم أن ‘أعز ما في العالم’ للسيدة تشيستر و’ النصف الأخر روحها’ هو أنا.
لقد تلقيت رسالتكِ ومخاوفكِ، وهي في محلها. لقد كنتُ متشككة بعض الشيءٍ عندما سمعتُ القصة لأول مرة. لا أعرف الكثير عن عائلة أوتيس أو دائرتهم الاجتماعية، لكن دفعة أولى بهذا الحجم تبدو غريبة.
لذلك حاولت الرفض. كنتُ قلقة بشأن والدتي، التي ستكون بمفردها، ولكن، حسناً، كما تعلمين.
لقد تشاجرت كثيراً مع والدتي…….
أعتقدتُ أنه سيكون من الأفضل الابتعاد عن والدتي لفترة من الوقت، لذلك قررت أخيراً قبول ذلك. نعم أعرف. لقد كان قراراً متهوراً بعض الشيءٍ.
لكن لا تقلقي كثيراً، يا سيدتي. على أية حال، أوصت السيدة كورتس بهذهِ الوظيفة، والآن بعد أن أوضحت سبب دفع أوتيس لمثل هذهِ الدفعة الأولى الكبيرة، أصبح الأمر منطقياً.
الأطفال الذين سأقوم بتعليمهم هم توأم أوتيس الصغيران، وهما مثيران للمشاكل لدرجة أنه لم يستمر أيِّ معلم أكثر من شهر. لذلك يبحثون عن شخص سيعمل لمدة عام على الأقل بدفعة أولى ضخمة.
أقدر عرضكِ بالذهاب إلى لينتون معكِ. لكن بحلول الوقت الذي سوف تستلمين فيهِ هذهِ الرسالة، سأكون في سيلفستر……إنهُ لأمر محزن، لأنني كنتُ أرغب في رؤيتكِ لفترة طويلة.
ربما لن نرى بعضنا البعض لمدة عام، لذا سأكتبُ لكِ مرةً أخرى عندما أستقر بأمان.
أراكِ لاحقاً، سيدتي. لا تقلقي كثيراً. أوصي تحياتي للسيد روبرت.
أمامي حياةٌ جديدة الآن. لذلك أنا متوترة جداً،
راشيل هوارد.]
***
عندما وصلتُ إلى محطة سيلفستر، كان وقت العشاء قد تجاوز بالفعل.
‘كُتبَ إنهم لا يسمحون للضيوف بدخول القصر بعد الساعة السادسة مساءً.’
بعد أن فكرت راشيل في محتويات الرسالة، خرجت من المحطة. كان مركز مدينة سيلفستر، المضاء بمصابيح الغاز، صاخباً مثل العاصمة لينتون للوهلة الأولى.
لكن لم يكن هناك وقت للتجول فقد كانت مُتعبة من أطول رحلة قطار قامت بها في حياتهِا، وأكثر من أي شيء آخر، كان هناك أحتمالٌ قوي بأن يتم تأجير جميع غرف النزل الجيدة في هذا الوقت المتأخر.
أختارت راشيل نزلاً بالقرب من المحطة، وكان نظيفاً إلى حدٍ معقول ولا يبدو باهظ الثمن، لكن فاجأها بأن صاحبةُ النزل قد تعرفت عليها.
” هل أنتِ آنسة هوارد، ربما؟”
“هل تعرفيني؟”
“أوه، عرفتُ ذلك، لأنكِ آنسةٌ شابةٌ جميلة بشكلٍ لافتٍ للنظر. لقد أرسلَ قصرُ برتراند رسالة إلى النزل في الحي مفادها أنهُ إذا وصلت آنسة شابة أسمها راشيل هوارد، عامليها معاملة بشكلٍ جيد لأنها ضيفة في القصر. أخشى أن نزلنا ممتلئ بالفعل، لكن يمكنني أن أوصي بنزلٍ آخر لكِ. هَي، ماكس!”
بإتباع تعليمات صاحبةُ النزل، أخذ الحمال الشاب راشيل إلى نزلٍ فخمٍ للغاية. لقد كان نزلاً لا يمكنها حتى أن تجرؤ على الدخول إليهِ، حيث بدأ وكأنهُ فقط نبيلٌ أو رجل أعمال ثري من سيقيم فيهِ.
صاحب النزل، الذي استقبلهم بغطرسة، غيّر موقفه بمجرد أن ذكر الشاب معها قصر برتراند. أرشد راشيل إلى أفضل غرفة، ثم أحضر لها كأساً من النبيذ العطري وصدر البط المشوي مع صلصة فيغاراد المميزة في النزل.
بسبب التوتر والإرهاق، فقدت شهيتي وأردت الانهيار على الفور، لكنني لم أستطع تجاهل تعبير صاحب الفندق المُنتظر.
بحلول الوقت الذي أعادت فيهِ الطبق الفارغ أخيراً، كانت معدة راشيل على وشك الانفجار.
لحسن الحظ أو لسوء الحظ، كان عسر الهضم صديقها القديم.
ابتلعت دواء الجهاز الهضمي الذي كان في يدي، وتجولت في الغرفة قليلاً. شعرتُ بتحسن كبير. عندها فقط جلست راشيل القرفصاء على السجادة السميكة.
كانت الغرفة مغطاة باللون الأحمر اللامع، وكانت هناك أرائك وكراسي مذهبة في كل مكان، ولكن لم يكن أي منها مريحاً بدرجة كافية للجلوس عليها.
كانت الغرفة دافئة، والسرير الواسع مع الفراش الحريري كان غريباً.
سمعتُ صوت الرياح القوية خارج النافذة.
قامت راشيل بفرك راحتيها الباردتين معاً بشكل متكرر.
‘غداً سأعيش حياة مختلفةً تماماً عن ذي قبل.’
في مكان غريب لا أعرف فيه أحداً…….
بدأ قلبي ينبض سريعاً.
في مرحلة ما، بدأت راشيل تشعر بالخوف الشديد من وجود شيء غير مألوف.
لقد كانت ذات يوم متحمسة للمغامرات الجديدة، لكن الآن أصبحت جبانة.
لكن……يكفي أن تنهار حياتي اليومية مرةً واحدة.
أشتعلت النيران في المدفأة. كانت هذه هي الراحة الوحيدة التي كانت تتمتع بها. كانت ألسنة اللهب في المدفأة هي نفسها دائماً، بغض النظر عن مكان وجودها.
عانقت راشيل ركبتيها ودفنت وجهها فيهما.
“سيكون الأمر على ما يرام، سيكون على ما يرام…”
تمتمتُ كما لو كنت ألقي تعويذة، أو ربما حتى أتمنى أمنية.
في قصر برتراند، سيكون كل شيء يحيط بي غير مألوف. وخاصة عائلة أوتيس.
لكن السيدة أوتيس لن تكون مختلفة كثيراً عن السيدات اللاتي قابلتهن حتى الآن. يجب على جميع الآباء والأمهات الذين لديهم أطفال أن يظهروا مواقف مماثلة…….
التعامل مع الأطفال ليس أكثر صعوبة. كان معظم الأطفال واضحين بشأن ما يريدون. عندما عملتُ كمعلمة مساعدة، كنتُ أتوافق بشكلٍ جيد مع الأطفال الصغار، لذلك أنا متأكدة من أنني سأكون قادرة على القيام بذلك.
بعد أن مرت بكل السيناريوهات التي يمكن تصورها، من الأفضل إلى الأسوأ، هدأت أخيراً.
أغلقت راشيل عينيها ببطء.
نعم، سيكون كل شيء على ما يرام، أنا متأكدة من أنني أستطيع التعامل مع الأمر……
ظلت الأفكار التي بذلتُ جهداً كبيراً للحفاظ عليها كما هي حتى صباح اليوم التالي.
استيقظت راشيل وهي تشعر براحة أكبر بعد ليلةِ نوم جيدة، وبعد أن وضعت قطعتين فقط من البسكويت ورشفات قليلة من الماء في معدتها، حزمت حقائبها وغادرت النزل.
قامت بنزهة سريعة عبر وسط مدينة سيلفستر قبل أن تتوجه إلى مكتب تأجير العربات حوالي الساعة الواحدة ظهراً.
إذا غادرت في هذا الوقت تقريباً، فستتمكن من الوصول في الوقت المناسب للترحيب بالضيوف.
كان الحصول على عربة لنقلي إلى قصر برتراند أمراً بسيطاً إلى حدٍ ما. بمجرد أن ذكرتُ ذلك، هرع جميع السائقين الحاضرين إلى الأمام.
“تعالي من هنا، يا آنسة. عرباتنا هي الأقوى هنا، وتوفر راحة كبيرة في الركوب. سنوصلكِ إلى برتراند بسرعة وأمان.”
“شكراً لك.”
“هيا، هيا، أدخلي!”
أرتفعت معنويات راشيل قليلاً عندما أنطلقت الرحلة دون أي عوائق. لكن عندما أبتعدوا أكثر فأكثر عن وسط المدينة حيث تقع المحطة، بدأ قلبها ينبض بشكلٍ غير مستقر مرةً أخرى.
ربما قمتُ بأسوأ خيارٍ في حياتي.
ربما كان عليّ أن أذهب مباشرةً إلى والدتي وأعتذر عن خطأي.
كل ما كان عليّ فعلهُ هو تحمل ذلك مرةً أخرى وسينتهي الأمر.
كيف ليّ أن أتخذ مثل هذا الاختيار المتهور المبني على رغبةٍ غامضة وشوقٍ لمثل هذا الشيء عديم النفع……
أصبحت يدي الباردة مبللة بالعرق البارد. في تلك اللحظة، اهتزت العربة. عندما رفعتُ رأسي، توقف المشهد خارج النافذة.
‘هل وصلنا؟’
لكن لم يكن هناك قصرٌ كبير في المنطقة المجاورة مباشرةً، فقط شجرة سوداء ذات فروع فخمة تصل إلى الأعلى. طرقت راشيل النافذة المؤدية إلى السائق.
“أمم، هل هناك شيء يحدث؟”
أجاب السائق بلا مبالاة:”لا، لا! نحن على وشك دخول الغابة السوداء”
‘الغابة السوداء؟…’
لكن ما الفائدة من إيقاف العربة لمجرد أننا على وشك دخول الغابة؟
نظرت راشيل إلى النافذة بعقل مشبوه.
رأيتُ السائق يحمل صليباً في يده ويصلي.
‘ما الذي يصلي من أجلهُ؟’
ضغطتُ أذني بالقرب من النافذة للاستماع عن كثب. بعد ذلك مباشرةً، كادت راشيل أن تسقط إلى الوراء.
السائق، الذي استدار فجأةً، أجرى اتصالاً مباشراً بالعينِ معها.
التعليقات لهذا الفصل " 4"