صُدمت السيدة هوارد وجوان عند رؤيةٍ راشيل تدخُل الغرفة فجأةً.
ظلت ريشيل، الباردة مثل سماء الشتاء، ترمشُ بعينيها الكبيرتين، في محاولةٍ لفهم الوضع.
“ماذا تقصدين، بصندوق ائتمان، يا أمي؟ بالتأكيد…لقد قلتِ أنكِ أعطيتِ كل شيءٍ لأبي عندما أستثمرَ في سفينةٍ تجارية، لذلك ليس لديكِ فلساً وأحداً، هذا ما قلتهِ.”
“هـ-همم.”
“وإلى جانب ذلك، هل قلتِ إن الفيكونت أوليفانت كان يرسل لكِ المال بانتظام؟ قلتِ إنهُ عندما أخبرته بما حدث، لم يساعدكِ، بل أهانكِ وطردكِ من منزلهُ. هل كان هذا كلهُ…كذبة؟”
“…….”
كان وجهُ والدتها الأبيض الخالي من التجاعيد مشوباً بالخوف. بعد نظرة والدتها المُتجنبة، نظرت راشيل حول الغرفة.
خزانة ملابس عتيقة تم إحضارها من قصر هوارد وطاولةٌ فاخرة من خشب الورد تم شراؤها بسعر مرتفعٍ في مزاد. خزانة ذات أدراجٍ مصقولةٍ بزخارف مذهبةٍ، ومزهرية مستوردةٌ من الشرق، وأريكة مغطاةٌ بالحرير الفاخر.
المكان الفاخرة التي لا تُناسب ظروفهم إخترقت عيون راشيل وقلبها بلا رحمةٍ.
‘لقد فهمت.’
ابتسمت راشيل بسخريةٍ.
كانت سعيدةً منذُ فترة قليلة لإنها أعتقدت والدتها قد بدأت بمحاولة توفير المال، لكنها شعرت بأنها أكثرُ شخص غبي في العالم.
بالتأكيد، إذا نظرت إلى الماضي، كانت هناك أسابيع كانت فيها الفواتير منخفضةً بشكلٍ غير عادي، كما هو الحال اليوم، يبدو أن هذا هو الوقت الذي أرسلت فيه عائلة السيدة هوارد، الفيكونت أوليفانت، الأموال.
في النهاية خارت كل القوة من يدها.
سمعتُ شيئاً يسقط ونظرتُ إلى الأسفل لأرى كيساً ورقياً يحتوي على اللحم البقري يسقطُ من ذراعي. بدت السعادة الصغيرة الملفوفة بسجادةٍ ناعمةٍ رثةً للغاية.
“لقد فهمتُكِ، يا أمي، لأنكِ نشأتِ كابنة أخت الفيكونت أوليفانت وكنتِ سيدة من عائلة ثرية، فحاولتُ أن أفهمُكِ، لذلك، حتى عندما توفي أبي وكنتِ تبكين كل يوم، وحتى عندما كنتِ لا تزالين تبحثين عن أشياء باهظة الثمن وجديدة، حاولتُ أن أفهمُكِ، يا أمي.”
“هل تصفين والدتكِ بالمرأة التي تُحب الاشياءٍ الباهظة والأنانية؟”
“ما أقولهُ هو، لماذا تفعلين ذلك، يا أمي؟ لو كنتِ قد ساهمتِ بالصندوق الائتماني، لكان بإمكاننا الحصول على منزل أكثر إشراقاً وأكثر أماناً، وكان بإمكاننا استئجار خادمة لتخفيف بعض العبء من آنا وجوان. لكن لماذا…….”
كان صوت راشيل لا يزال هادئاً، لكنهُ كان رطباً. أدارت السيدة هوارد عينيها و عضت شفتيها.
“أنا آسفة لأنني أخفيتُ الأمر، لكنني لم أفعل ذلك من أجل مصلحتي فقط، كان أيضاً لغرض استعمال الصندوق الائتماني في حالة طوارئ……”
“لسنا في وضع يسمح لنا بإنشاء بإخفاء أيٍِ أو أي شيءٌ من هذا القبيل. ليسَ حينها. ولا الآن، ولا حتى غداً.”
“آه، كيف تجرؤين على مُقاطعةِ كلام والدتكِ!”
السيدة هوارد، التي لم يكن لديها كلمات لدحضها، هزت كتفيها بخشونة ووقفت.
“هل تشتكين لأمكِ، التي هي بالفعل مكتئبة، ما الذي يحدثُ لكِ؟”
“هذا ليس ما أقصدهُ أنا-.”
“هل هو خطأي أنكِ خرجتِ وقمتِ ببعض الأعمال؟ هاه؟ هل هو خطأي أنكِ تواجهين دائماً وقتاً عصيباً؟ إنهُ أمر صعب بالنسبةً ليّ أيضاً! لقد سئمتُ العيش في هذا المنزل الفظيع! وهذهِ ممتلكاتي الشخصية، والمال الذي أرسلهُ ليّ والداي. كيف تجرؤين على طلبها!”
“…….”
“لماذا لم تتزوجي من السيد ترولوب؟ إذا قبلتِ ذلك، فلن نكن لنتضطر إلى مغادرة قصر هوارد! لقد تغلب غروركِ عليكِ، والآن قد تم قطع نفقات معيشة السيد ترولوب وانتهى بنا الأمر مع الديون. يا إلهي.”
في تلك اللحظة، أنهار شيءٍ بداخلي.
“أمي……الآن هل تطلبين مني أن أبيع نفسي لرجلٍ أكبر منكِ حتى؟”
أرتعش صوت راشيل وهي تجبر نفسها على قول الجملة.
شددت السيدة هوارد كتفيها وخفضت نظرتها إلى أظافرها المشذبة بعناية.
“……هذا ليسَ ما قصدتهُ. لماذا تأخذين كلامي على محمل الجد؟”
في لحظة، تغيرت لهجتها، وأصبحت ناعمةً كالحرير.
“أنا أقول هذا كلهُ لأنني قلقةً عليكِ. راشيل، هكذا تعيش النساء. يجب على المرأة أن تستمع لوالديها، وتكبرَ جيداً، وتتزوج من رجلٍ ثري قبل أن يذبل شبابها. يبدو أنكِ لا تعرفين الكثير عن العالم بعد،ما تحتاجه أمرأةٌ في مثل وضعكِ ليس خزعبلات الحب. بل المال والسلطة.”
“أمي…….”
فتحتُ فمي، ولكن لم يخرج شيء من حلقي.
في الواقع، كان هناك الكثير مما أردتُ أن ألفظه. المرارة والاستياء والحزن.
كل المشاعر التي كنتُ أبنيها بداخلي وأغطيها بتراب الاستسلام.
لكن ماذا لو قلت ما يجول بخاطري؟
نفس الشيء سيحدث مرةً أخرى، ستغضب أمي، وتلومني، وينتهي بها الأمر بالبكاء على مدى صعوبة الحياة.
‘أشعر وكأنني أختنق…’
شهقت راشيل كما لو كانت على وشك الانهيار وأمسكت بالجزء الخلفي من الأريكة.
تساءلت أين أخطأت، كل ما أردتُ فعله هو التزام الهدوء.
هل بدأ عندما توفي والدي؟ أو عندما ورث السيد ترولوب ثروة عائلة هوارد بأكملها؟
أو عندما أعتقدتُ أن عرض السيد ترولوب بالسماح ليّ بمواصلة العيش في القصر كان بمثابة أحسانٍ خالص، أو عندما رفضتُ عرضه للزواج وتحول المال الذي كان يقدمه ليّ إلى جبل من الديون.
لا، لا أعرف ما هو الخطأ، حتى الآن.
الآن كنتُ متعبة تماماً.
‘أريدُ المغادرة.’
إلى مكانٍ أستطيع التنفسَ فيهِ قليلاً. حيث لا أحد يستطيع أيقافي…
ولكن إلى أين أذهب؟
في تلك اللحظة سمعتُ حفيفاً بين ذراعي، صوت شيء يتجعد.
“…….”
صحيح.
في الوقت الحالي، لديّ مكان أذهبُ إليهِ.
تحسست راشيل صدرها، وشعرت بملمس الورق القاسي من خلال المعطف الخشن.
كان قلبي يخفقُ بقوةٍ.
خرج من حنجرتي صوت خافت ولكن لا لبس فيهِ، مثل الدخان الذي يتصاعد من نار صغيرة وهي تحاولُ النمو.
“سأغادر.”
“ماذا؟”
“سأغادر، يا أمي.”
“ستغادرين؟ إلى أين ستذهبين…أوه، نعم. هل ستهربين إلى المدرسة لمجرد أنكِ سمعتِ بعض الكلمات القاسية مرةً أخرى؟ لو كنت أعلم أنكِ ستصبحين مدللة إلى هذا الحد، لما كتتُ لأرسلكِ إلى مدرسة داخلية. لقد وضعتكِ هناك لتجمعي بعد الصديقات النبيلات وتوسيع شبكتكِ الأجتماعية، و لكن كل ما تعلمتهِ هو شعور غريب بالفخر…….”
لم تعُد راشيل تستمع بعد الآن. ابتعدت عن صراخ والدتها وركضت إلى الطابق العلوي.
كانت غرفة نومها، وهي أحلك الغرف القليلة في القصر، يلفها الصمت والخوف. تشبثت راشيل بالنافذة، حيث تسلل منها بصيص ضوء خافت، وأخرجت الرسالة.
كانت تذكرة القطار والشيك مصحوبين معاً في ظرف من أجود أنواع الظروف برائحة الورد. قرأت راشيل الرسالة بعناية مرةً أخرى، وأخذت تذكرة القطار في يدها، وأخذت نفساً عميقاً.
“سأذهب….”
سأذهب إلى برتراند. و بمجرد سداد ديونها بالدفعة الأولى من أوتيس، لن يكون هناك ما يقيدها. من ثم ستكون حرة في ترك جانب والدتها والتحليق أينما تريد.
‘…….التحليق؟’
أنا، حقاً؟
“آنستي!”
كان انعدام الثقة بالنفس والقلق غير القابل للشفاء على وشك الاستيلاء عليّ حتى أيقظني صوتٌ باكٍ.
استدارت راشيل. وقفت أمامها آنا، خادمةٌ من قصرِ هوارد لقد نشأت معها مثل الأخوات منذُ أن كانت صغيرة جداً.
عندما التقت أعينهم، احمرت عيون آنا. ابتسمت راشيل بلطف.
“طفلتنا الباكية. لماذا تبكين الآن؟”
“حسناً، سمعتكِ تتجادلين مع السيدة……هل ستذهبين بعيداً؟”
نظرت آنا إلى الحقيبة عند قدمي راشيل. وتذكرة القطار في يدها.
عبثت راشيل بشكلٍ غريب بتذكرة القطار.
“حسناً، أنهُ ليس مكاناً بعيداً جداً.”
“لكنكِ لن تعودي، أليس كذلك؟”
“……على الاغلب لا.”
“آنستي…….”
استنشقت آنا بصوت عالٍ واقتربت. عانقتها راشيل بكل سرور.
“أنا آسفة لأن الأمر أنتهى بهذا الشكل.”
“ما الذي تأسفين عليهِ؟ لطالما أردتُ أن تكونِ سعيدةً بعيداً عن السيدة.”
“شكراً لكِ…حقاً.”
تمالكت آنا نفسها، وضحكت. مسحت راشيل الدموع من عينيها.
“سأرسل لكِ نفقات المعيشة كل شهر. وراتبكِ أيضاً. أحتفظِ بهِ لنفسكِ، ولا تعطيهِ لأمي، أو المربية.”
“لا تقلقي بشأن ذلك. سأعتني بالآمر جيداً، ألا يمكنكِ أن ترسلي ليّ رسالةً بين الحين والآخر؟”
“بالطبع. سأرسل بقدر ما أستطيع.”
“هذا وعد.”
أومأت راشيل. أشرق وجهُ آنا الملطخ بالدموع.
“هيهي. هذا يكفي بالنسبةً ليّ. الآن دعيني أساعدكِ في حزم أمتعتكِ.”
قدمت لها المُساعدة، لكن الشيء الوحيد الذي كان لدى راشيل هو بعض الملابس وبعض الكتب. لقد تم الانتهاء من التعبئة بسرعة.
حملت راشيل حقيبتها إلى أسفل الدرج. كانت تعلم أن والدتها ستنتظرها في غرفتها لتسمعَ اعتذاراً منها، لكنها لم تتوقف.
ارتديتُ قبعة كما لو كنتُ خارجة كالمعتاد، وألقيتُ التحية على آنا التي كانت تودعني، وفتحت الباب الأمامي. أندفع نسيم بارد وضرب وجهي.
يجب تشحيم المفاصل الموجودة على البوابة.
تركتُ الفكرة التي جاءت إليّ تتدفق في مهب الريح. و بدأت تتسابق قائمة المهام الجديدة لتحل محلها.
أولاً، أحتاج إلى القيام بجولات بين المتاجر لسداد ديوني، ثم أحتاج إلى زيارة السيد ترولوب وإلقاء المال في وجههِ. ورؤية السيدة كورتيس للمرة الأخيرة، ثم استقلال القطار إلى سيلفستر.
لم تعرف ما إذا كانت ستكون هناك حريةٌ وسعادةٌ حقاً في نهاية هذا الطريق. مع ذلك، لم يكن أمام راشيل خيار سوى المشي بحماقة وصمت. إنها الطريقة الوحيدة التي تعرفها.
“لا بأس.”
أستطيع أن أفعل ذلك. الصمود والتحمل هو تخصصي الوحيد.
أخذتُ نفساً عميقاً وقمتُ بتقويم ظهري. لم يكن يوماً جيداً، لكنهُ لم يكن سيئاً أيضاً.
التعليقات لهذا الفصل " 3"