“أُوه… انتَظِر لحظة.”
غَطَّت ريتشل فَمَها بِيَدِها من الدَّهشةِ. وأمالَ روجرز رأسَهُ إلى الجانبِ.
“ما الأمر؟”
“أليس أولائك الآنسةَ بيني والسيّدَ نيرو؟”
و كما قالت راشيل كانَ التوامُ أمامها.
لا أحد يعلم متى تَسلَّلوا خارجًا، كان التوأمان يرتديان ملابس النوم ويقفزان بسعادة بين الأشجار.
حينها شَعرت راشيل بأنَّه سيُغشى عليها.
“رو… روجر! يجبُ عليَّ الذهابُ الآن! أدخل أنتَ أولًا!”
“انتَظِري، الآنسة هوارد…”
قبل أن يتمكَّن من إنهاء كلامِه، ركضت راشيل خلفَ التوأمينِ المُغطَّيين بالطين.
رغم أنَّها كانت تبدو كسيدةٍ راقيةٍ وهي تمسك تنورتها،
إلّا أنَّ سُرعتها كانت كالأطفال الذين يتسلَّقونَ الأشجار.
“يا إلهي.”
ظلَّ روجر يُراقبُ ظهرَ راشيل طويلًا.
كانت حَذِرةٌ، مُرتابةٌ، وذكيةٌ إلى حدٍّ ما-
عضوٌ جديدٌ في عائلة بيرتراند.
“هذا ليس بالأمرِ السهل.”
لَمَس روجرز وَجهه الأملَس ونَظَر إلى السّماء.
بدا أنَّ الرياح القوية تُشير إلى احتمال هطول المطر قريبًا.
لقد تَمَنّى بصدق أن تَتمَكن راشيل من تَفادي المطر.
و أن تعيش بصحّةٍ وعافيةٍ في هذا القصر لفترةٍ طويلة.
***
أثناءَ مُحاولةِ إقناعِ التوأمَينِ بالعودةِ إلى الداخلِ، بَدَأتِ الأمطارُ المُفاجِئةُ تَهطُل.
حاولوا الإسراعَ إلى الداخلِ، لكنَّ التوأمَينِ صَرَخا بسعادةٍ ورَكَضا إلى المطرِ. كانا كالجَروِ عندما يرى الثلجَ لأوَّلِ مرةٍ.
كَبَتت راشيل رغبتَها في البكاءِ ورَكَضت خلفَ التوأمَين.
مع الأطفالِ المُبتلّين تمامًا بجانبِها، بَذلَت قُوةً خارقةً للوصولِ إلى القصرِ.
لم يَتفاجأ خَدَمُ القصرِ برؤيةِ الثلاثةِ وهم يَبدون كأنّهم خَرجوا من الماءِ. بل رَحَّبوا براشيل بترحيبٍ حارٍ وبدأوا بمَسحِ المياهِ المُتساقطةِ على الأرضِ. لم يَكن الأمرُ جديدًا بالنسبةِ لهم.
هَرَعت راشيل إلى الغرفةِ ووضعت التوأمَينِ أوَّلًا في ماءٍ دافئٍ ثُمَّ سَخَّنت الغرفةَ.
على الرغم من أنَّهم فاتهم وقتُ الإفطارِ، إلّا أنَّ الأطفالَ غَطُّوا في نومٍ عَميقٍ بعد الاستحمامِ. يُمكنُها أن تَتركهم ليَأخذوا قيلولةً، وتُقدّمُ لهم وَجبةَ غداءٍ دافئةً عندما يَستَيقظون.
بعد إغلاقِ بابِ غُرفةِ التوأمَينِ بِحَذَرٍ، بَدأت تُفكّر في نَفسِها.
لَمَسَت جَبِينَها وعنقَها واستَنتَجت بسرعةٍ.
“قد أُصابُ بالبَردِ…”
وكما توقّعت.
بعد تَناول الغداءِ، بَدَأت الحُمَّى تَرتفع تدريجيًّا حتى شَعَرت أخيرًا بالدُّوارِ. غَطّت فَمَها بمنديلٍ وهي تَسعلُ وخَرَجت من غُرفةِ الأطفالِ.
“لحسنِ الحظِّ، يَبدو أنَّ الأطفالَ بخيرٍ…”
لكنَّها لا تزالُ تَظنُّ أنَّ عليهم زيارةَ الطبيبِ. إذا كانت مَحظوظةً، قد تَرتفعُ الحُمَّى في الساعاتِ الأولى من الصباحِ.
هل هناك طبيبٌ مُقيمٌ في القصرِ؟
توقَّفت راشيل قليلًا عند الدرجِ ثم استجمعت شجاعتَها وتحرّكت. قرَّرت أن تسألَ الخادمَ بدلًا من السيدة أوتيس، لأنَّها لن تَتلقى ردًا جيدًا منها.
عندما وَصَلت إلى المطبخِ، رَحَّب بها فريدريك غرانت، كبيرُ الخدمِ لقصرِ بيرتراند، بترحيبٍ حارٍ.
“طاب يومُكِ يا آنسةُ هوارد. هل تَحتاجينَ شيئًا؟”
ابتَسَم بابتِسامةٍ دافئةٍ تمامًا كما في اليومِ الذي التقَيا فيه لأوَّلِ مرةٍ.
شَعَرت راشيل براحةٍ في كَتِفَيها.
“جئتُ لأستفسرَ عما إذا كان هناك طبيبٌ مُقيمٌ في القصرِ.
لقد تَعرّضت الآنسةُ بَيني والسيّدُ نيرو للمطرِ وأظنُّ أنَّهما بحاجةٍ لفحصٍ.”
“طبيبٌ؟”
قاطعها فريدريك. فجأةً اختفت الابتسامةُ من وجهِه.
رفَعت راشيل بصرَها نحوَه بارتباكٍ. بدَت عيناه الواسِعتان بلا تركيزٍ.
“لا يُوجدُ في بيرتراند من يقومُ بهذا الدورِ.”
كان يَتحدث وكأنَّه يُحدد أدوارَ الشخصياتِ في مَسرحيةٍ.
بدَت تعابيرُ وجهِه الخاليةُ من الحياةِ كأنَّها تمثالٌ شَمعيٌّ، مما جعَل الأمرَ أكثر غَرابةً.
قَبَضت راشيل على يَدِها المُجمَّدةِ. كان لديها شعورٌ غريزيٌّ بأن لا تُشير إلى سلوكِ فريدريك الغريبِ.
ابتسمي بأدبٍ كما لو أنَّ الأمرَ عاديٌّ. مثل حديثٍ عاديٍّ.
“إذاً، هل يُمكننا استدعاءُ طبيبٍ؟ ماذا يَحدثُ إذا مَرِض أحدٌ في بيرتراند؟”
“لا يُوجدُ مرضى في بيرتراند.”
“هل عائلةُ أوتيس لا تَستعينُ بأطباءِ مُقيمين؟ إذاً،
ماذا تَفعلُ السيدةُ أوتيس عندما تَمرضُ؟”
“لا يُوجدُ مرضى في بيرتراند.”
كرَّر فريدريك كلامَه. ولكن هل يُعقلُ أن لا يُوجد مرضى؟ الجميعُ يُصاب على الأقل بنزلةِ بردٍ.
شعرت أنَّ الأرضَ تَهتزُّ تحت قَدمَيها مع ارتفاع الحُمَّى.
انحنت لتلتقط أنفاسَها عندما سمعت صوتَ فريدريك القاسيَ مرةً أخرى.
“لا يُوجدُ مرضى في بيرتراند.”
قال الجملةَ للمرةِ الثالثةِ. عندها فقط فهمَت راشيل.
كانت نبرتُهُ وطريقتُهُ في تكرارِ الجملةِ مُتطابقتَين تمامًا.
تَسلّل عَرقٌ باردٌ على ظهرِها. هل أنا فِعلًا أتحدثُ إلى إنسانٍ؟
رفَعت رأسَها بسرعةٍ لتجد فريدريك واقفًا قريبًا جدًا منها.
كان يَميلُ برأسِه ليُحاذي مستوى نَظرِها، ناظرًا مُباشرةً في وجهِها.
بعينَيه السوداوَيتَين. كأنَّه دُميةٌ معطلةٌ.
برائحةِ الورودِ العَطرةِ بشكلٍ غير معقولٍ…
“أيها الخادم…”
لا. يجبُ أن أُغادرَ الآن.
قبَضت راشيل على يَدَيها المُشَدودَتَين وتراجعت بسرعةٍ خطوةً للخلفِ.
كان صوتُها يَرتَجف بشكلٍ خفيفٍ.
“فهمتُ. شُكرًا على التوضيحِ.”
“……”
تَحوّلت ملامحُ وجهِه المُتجمدةِ إلى ابتسامةٍ دافئةٍ بشكلٍ مُفاجئٍ، كأنَّما ارتدى قناعًا.
“إذا كنتِ تَحتاجين إلى أيِّ مساعدةٍ، فلا تَترددي في المجيءِ، الآنسة هوارد.”
تبَسّمت راشيل بصعوبةٍ ورَدَّت التَّحية، ثم تَراجعت بسرعة خارج المَطبخ.
بمجرد إغلاق الباب، انهَارت ساقاها.
ما الذي يَحدث في هذا القصر؟
“لا، لا تُفَكِّري في الأمر.”
الفُضولُ سُمّ. التكيُّفُ مع الواقِعِ هو أفضَلُ ما يُمكِنُ فِعلُه.
رَدَّدَت هذه الكلماتِ وهي تَصعَدُ الدرج. كانت رؤيتُها مُشَوَّشَةً كأنَّها في حُلمٍ.
تَمَنَّت أن يكونَ مُجرَّدَ بَردٍ خَفيفٍ، لكن يَبدو أنَّها ستُعاني بِشِدَّةٍ.
“يَجِبُ أن أتناوَلَ دَواءً…”
كان يَجِبُ أن أحمِلَ معي دَواءً كالمُعتاد. لا أحدَ سيَعتَني بِجسدي سِوايَ.
ولكن، هل الدَّواءُ يُعتَبَرُ مِن الطَّعام؟ هل يوجَدُ دَواءٌ في القَصر؟ هل أسألُ مُدَبِّرةَ المَنزِلِ؟
ولكن، ماذا لو ذَهَبتُ إلى مُدَبِّرةِ المَنزِلِ وحَدَثَ نفسُ المَوقِفِ مُجدَّدًا؟
هل سَأتمكَّنُ مِن الحفاظِ على هدوئي كما فَعَلتُ للتوِّ؟
“أشعرُ بالدوارِ.”
لا أُريدُ أن أُخطُوَ خُطوَةً أُخرى. لا أعلَمُ إلى أينَ يَجِبُ أن أذهَبَ أَصلًا.
“مَرحبًا؟”
رفعت راشيل رأسَها نَحوَ الصَوتِ المُفاجِئِ. كانت هناك خادمةٌ تَبتَسِمُ بِسَعادةٍ.
لَم تَكُن لديها الطاقةُ لتحريكِ شَفَتَيها، فاكتَفَت بهَزِّ رأسِها قَليلًا.
ولكن، المَرِيَلَةُ البيضاءُ الأنيقَةُ لم تَختَفِ من أمامِ عَينيها.
“مَرحبًا؟”
سَمِعَت التَحيَّةَ مرَّةً أُخرى بنفسِ النَبرَةِ.
بِصُعوبَةٍ، أستَجمَعَت راشيل صوتَها من حَلقِها الجافِّ.
“مَرحبًا.”
ثُمَّ حاوَلَت المرورَ. لكن في تلكَ اللحظَةِ، شَعَرَت بيَدٍ تَمسِكُ بِمِعصَمِها.
“مَرحبًا؟”
تحيةٌ أُخرى. نفسُ التَحيَّةِ.
ماذا تُريدينَ مِنِّي؟ هل هذا لأنَّني لم أَبتَسِم لكِ؟
نَعم، أعلَمُ. من الأفضَلِ أن أتبَعَ القَواعِدَ. لكنَّني أشعُرُ بِالدُوارِ.
الدُوارُ لِدرجةٍ أنَّني أشعُرُ أنَّني سأُجنُّ.
فهل يُمكِنُني الآن أن أَمضي؟
جَسَدي ساخِن. أنفاسي أصبحَت ثقيلة.
حاوَلتُ أن أُخلِصَ يدي مِن قَبضةِ الخادمةِ، لكنَّ قُوَّةَ الخادمةِ كانت شَديدةً.
“مَرحبًا؟”
“أرجوكِ، أترُكي يدي…”
“مَرحبًا؟ مَرحبًا؟ مَرحبًا؟ مَرحبًا؟ مَرحبًا؟ مَرحبًا؟ مَرحبًا؟ مَرحبًا؟ مَرحبًا؟
مَرحبًا؟ مَرحبًا؟ مَرحبًا؟ مَرحبًا؟ مَرحبًا؟”
قَبضَةُ الخادمةِ على مِعصمها كانت تَزدادُ قوَّةً.
وبدأ وعيُ راشيل يتلاشَى شيئًا فشيئًا.
وكلُّ ما كانت تَراه هو الفمُ الكبيرُ للخادمةِ يملَأُ مَشهدَها.
أواقعٌ هذا أم حلمٌ؟ وإذا كان حُلمًا، فمِن أين بدأ؟
وإذا كان بالفعل حُلمًا…
“أتَمَنَّى حينَ أستَيقِظ أن يكونَ والدي بجانبي…”
في تلك اللحظة…
“الليلُ لم يَحلَّ بعدُ، فما هذا الجنون؟”
تَسَلَّلَ صوتٌ حادٌّ إلى عقلِها المُشَوَّشِ.
وفي اللحظةِ نفسها، ابتَعَدَ الفَمُ الأسودُ الذي كان قريبًا مِن وَجهِها.
الخادمةُ التي كانت تُخفِي تَعابيرَها البيضاءَ بعنايَةٍ،
حدَّقَت في راشيل لِبَضعِ لحظاتٍ،
ثُمَّ فجأةً استَدارت وغادَرَت.
وسَقَطَ جَسدُ راشيل إلى الوراءِ دونَ أي فُرصَةٍ للتحكُّم.
“لماذا تبدينَ بهذا السوء؟”
كانت تَتوقَّعُ أن تَسقُطَ أرضًا، لكن شيئًا صلبًا دعمَ جسدها.
ملأت رائحةُ مُطَهِّرٍ حادَّةٌ أنفها.
رفعت راشيل عَينيها الساخنتينِ للأعلى. هناك كانت السَماءُ الزَرقاءُ.
لا، بل كانت عَينانِ صافيتانِ وجميلتانِ، لامِعتانِ أكثرَ من السماء الزرقاءِ.
حتى بِعقلها المُشَوَّشِ، استَطاعَت أن تَتعرَّف عليه.
كان أمامها آلان أوتيس، الابنُ الأكبرُ لِعائلةِ أوتيس.
التعليقات لهذا الفصل " 17"