عندما ألقتْ نَظرةً خاطفةً من البطانيةِ الثقيلة، رأت ضوءَ الفجر المُزرق يَسطعُ بشكلٍ ضعيف من خلالِ فجوةٍ في الستائر. حدقت راشيل في النافذةِ، ثم خَرجتْ ببطءٍ من البطانية.
‘اعتقدتُ أنني لن أتمكنَ من النومِ، ولكن يَبدو أنني أخذتُ قَيلولةً سَريعةً.’
معتقدةً أنها الأمر كانت محظوظةً، مددت ذراعيها إلى الأعلى.
“اااغغغ.”
بدلا من إِمتدادِ جسمها بشكلٍ مريح، خرج فقط تأوهٌ مثل أنينِ رجلٍ عجوز.
عبست راشيل ودلكت الجزءَ الخلفي من رقبتها.
“يا إلهي…”
كانَ جَسدي كُلَهُ يؤلمني هنا وهناك. رُبَما حَصَلَ ذلك لأنني كنتُ مُستلقيةً طوالَ الليلِ بوضعيةٍ خاطئة. لم يكن الأمرُ جديداً لأنهُ حدثَ كثيرًا.
راجعتُ ساعَتي وكانتِ الساعَةُ 5:30 لِذا فالقَصْرُ بأكمَلِهِ لم يَستيقظْ بعد. ومعَ ذلك، لم يَعُدْ هناكَ طَرقٌ على البابِ.
‘متى أختفى الطرقُ…؟ لستُ متأكدةً من أن خلفَ الباب آمن.’
كانت الرغبةُ في فتحِ البابِ والتحقق تعصفُ في ذهني. ومع ذلك، ثابرتُ وبدأتُ في الإستعدادِ لِوجبة الإفطارِ.
بحلولِ الوقتِ الذي انتهيتُ فيه من تغيير ملابسي وتصفيف شعري، كان عقربُ الساعةِ يُشِيرُ بالفعل إلى 6:10. سأذهبُ لإيقاظِ التوأم في السابعة، لذلك كان لا يزالُ هناكَ متسعٌ من الوقتِ قبل بدء العمل.
“… … “
نَظرتْ راشيل من النافذةِ ولعبت بالشراباتِ الموجودةِ على أشرطةِ الستارَةِ. لفت الشرابةَ حَولَ إصبعها، ثم قامت بفكها مرةً أخرى و لفتها مرةً أخرى، ثم قامت بفكها.
وبَعدَ تكرارِ ذلك حوالي عشرَ مَراتٍ، اتخذت قرارها أخيرًا. نفخت راشيل صدرها بحركةٍ مبالغٍ فيها وسَارت نحوَ البابِ.
لقد كانتْ ليلةً مُحبِطةً من نواحٍ عديدة، لذا فإن الإستمتاعَ بالمشيِّ صباحًا لأولِ مَرةٍ منذُ فَترَةٍ سيُنعِشُ مزاج ولن يكونَ أمرًا سيئًا.
و في الوقتِ نفسه، سأتعلمُ أيضًا عن هيكلِ الحديقةِ.
***
لم أزرْ كُلَ حدائقِ برتراند، ولكن أينما نظرتُ، وجدتُ دائمًا ورودًا حمراءَ زاهية.
تجولت راشيل حولَ القصرِ ونَظَرتْ عَن كَثَبٍ إلى وردةٍ كان حجمها نِصفَ حجمِ وجهها. لقد كانت مجموعةً مُتَنَوعةً ذاتَ رائحةٍ ولونٍ قويينِ بشكلٍ خاصٍ، وكانتْ أيضًا كَبيرةَ الحجمِ. مع الأخذِ في الاعتبارِ أنني لم أرها مِن قبل في دفيئةِ الورود في مدرسةِ هارييت الداخلية، والتي يُقالُ إنها تحتوي على جميعِ الأصنافِ الموجودةِ في العالم، فمن المحتملٍ كونها مجموعةً مُتنوعةً مُحسنةً حديثًا من برتراند.
‘الآن بعد التفكيرِ في الأمر، كل الورودِ في هذا القصر الكبيرِ هي من نَفسِ النوعِ.’
راشيل، التي كانت تَميلُ رأسها، توقفت فجأةً. ظَهَرَ أمامَها مشهدٌ مألوف. لم تكُنْ هُناكَ حاجةٌ للتفكيرِ بعمقٍ في سببِ كونِ الأمر مألوفًا. لأنهُ كانَ المَكانَ المحددَ الذي اعتادت النظر إليهِ مِن نافذةِ غرفتها كُلَ يومٍ.
قامت راشيل بتدليكِ يديها ثم سارت بهدوءٍ حاملةً مصباحَ الغازِ.
في الليلةِ الماضية، تَحَركَ ظلانِ هنا.
“أضافةً إلى ذلك لم تَبّدُو تِلكَ الظِلالُ لأنسانٍ .. …”
“ماذا؟”
“آآه!”
أمسكت يدٌ كَبيرةٌ وقَويةٌ بجَسدِ راشيل الساقطِ إلى الوراء. رَمشتْ راشيل بعينيها بينما كان جَسُدها بين ذراعينِ قويتينِ، حينها تعَرفتْ أخيرًا على الشَخصِ الآخَرِ.
“أوه سيد روجر؟”
“لم أقصدْ فِعَلَ هذا لكن فاجأتكِ في النهايةِ دون قصدٍ مني. هل أنتِ بخيرٍ؟”
قام روجر والتر بتقويمِ جسد راشيل من خلالِ وضعي القوة على اليد التي تدعمُ ظهرها. وبفضلِ هذا، ظهرت ملامحُ الرجلِ الرائعةِ أمامَ أنفِها مباشرةً. لقد كانتْ قاتلةً للغايةِ.
“آه شكراً لكَ.”
إحمَّرتْ راشيل خَجَلاً وسُرعَانَ ما وَسَعتِ المسافةَ بينَهُما.
‘حقًا، إنهُ ذو مظهرٍ وسيمٍ ومذهل في كل مرة أواجهه.’
تنهدَ الرجلُ الذي كان يَنظرُ إلى راشيل بتعبيرٍ حزينٍ إلى حدٍ ما. لأنًّ عينيهِ الجميلتينِ المفتوحتينِ على مصرعيهما كانتا مليئتينِ بالحزنِ العميق.
“مازلتِ لا تناديني بـ”روجر” فقط. متى سأتمكنُ من التَقربِ قليلاً من الآنسة هوارد؟ أنا حقاً حزينٌ و مستاءٌ جداً … “
“معذرةً…؟نعم نعم! لا يزالُ الأمرُ مُحرجًا بَعضَ الشيءِ بالنسبةِ لي!”
“هاهاها! لقد كانت مزحةً يا آنسة هوارد. لا بأس.يُمكنني الإنتظارُ بقدرِ ما تُريدينَ.”
تغيرَ تعبيرُ روجر الكَئيبِ على الفَورِ إلى إبتِسامَةٍ مُبهجةٍ. كما كانت عينهُ اليُسرى تُحدقُ فيها بشكلٍ هزلي كما لو كانت تثبتُ أنَّ كلامهُ مزحة. كانت عيونهُ جميلةٌ جداً جدًا لدرجة أنَّ راشيل لم تستطعْ رَفعَ عينيها عنها.
تَحولَ وجهُ راشيل إلى اللونِ الأحمرِ مرةً أخرى.
من نواحٍ عديدةٍ، بفضلِ هذا الرجلِ تَمَكنتْ راشيل من التكيفِ إلى حدٍ ما مع برتراند خلال الشهرِ الماضي.
لقد كانَ مُراعيًا ومنتبهًا للغايةِ، وقَبَلَ كُلِ شيءٍ، بدا وكأنَّهُ الأنسانُ “الحقيقي” الوحيدُ في هذا القصرِ المليءِ بالناسِ غريبي الأطوارِ.
كان يظهرُ فجأةً من اللامكان، ويُقدمُ معروفًا، ويبتسمُ بلطفٍ، ويروي نكتةً من شأنها أن تَجعلَ قلبها يُرفرف، ثم يختفي مرةً أخرى. كانتْ تلك التصرفاتُ التي تبدو عديمةَ الأهمية بمثابةِ راحةٍ كبيرةٍ لراشيل، التي سقطتْ في مكانٍ غيرِ مألوفٍ.
‘ولكن احياناً….’
“ولكن ما الذي يَجعلكِ تَقولينَ أنهم لا يَبدونَ كبشرٍ؟”
لقد كانتْ لحظةً ضَاعتْ فيها في أفكارُ راشيل.
شدّتْ راشيل فمها عندما طَرحَ روجر موضوعًا غيرَ لطيفٍ.
“آوه، لم يحصلْ شيءٌ يستحقْ الذِكر”
[ممنوعٌ منعاً باتاً الحديثُ عما يحدثُ داخلَ القصرِ. وأؤكدُ مرةً أخرى أن هذا فِعلٌ متهورٌ للغايةِ.]
ما كان مكتوبًا في قَواعدِ برتراند تبادرَ إلى ذِهنِ راشيل بوضوحٍ. كانَ تحذيراً من التَحدثٍ عمَّا يَحدثُ في القصرِ.
إنها ليستْ مُشكلةً كبيرة، ولكن لا يَزالُ من الأفضلِ توخي الحذرِ في أيِّ وقتٍ.
أنحنتْ راشيل إلى الخلفِ وفَركتْ يديها وتَحدثتْ وكأنَّ شيئًا لم يَحدثْ.
“أعتقدتُ أنني رأيتُ شيئاً هنا. في البدايةِ أعتقدتُ أنهُ كلبٌ أو قطة، ولكن الآن أعتقدُ أنهُ ظلٌ من مصباحِ غاز.”
“هممم ربما يكونُ صحيحاً؟”
لِحُسنِ الحظ، قَبِلَ روجر عُذرَ ريشيل دَون أدنى شكٍ. أومأَ برأسهِ و أنحنى لِيَنظُرَ عن كثبٍ إلى ظلِ مصباحِ الغاز.
“أليست ليالي برتراند صاخبةً تمامًا؟”
جاءتني هذه الكلماتُ بشكلٍ طَبيعيٍ جدًا، مثل النَسيمِ الذي يَمرُ على خدي.
نظرتْ راشيل، التي بالكاد ابتلعتْ التأكيد الذي كانَ سوفَ يخرجُ عن غيرِ قصدٍ، إلى روجر من مسافةٍ بعيدةٍ.
نعم، كان روجر والتر لطيفًا و ذو شخصيةٍ مُريحة لِدًرجةِ أنها أرادتْ إبقائهُ إلى جانبها، ولكن كانتْ هُناكَ أوقاتٌ شَعرتْ فيها بعدمِ الإرتياحِ بشكلٍ غَريبٍ. مثل الآن.
كيفَ تَجرأَ على طَرحِ مَوضوعِ “الليل” بهذه البساطةِ؟ ألا يَعلمُ روجر والتر بقواعدِ برتراند؟
لم تعرفْ ماهي نيتهُ فهي لا تستطيعُ معرفةَ ما في داخلهِ. لم تكن نظرةُ روجر موجهةً إلى راشيل، لذلك كان من المستحيل التحقق من تعبيره. أبتلعت راشيل لعاباً جافاً.
“حقاً…….؟أنا دائما أنام قبل منتصف الليل.”
لِحُسنِ الحظ، بدا الصوت الذي أخرجته من حنجرتي المتيبسة سلميًا تمامًا.
كان وجه روجر أيضًا مسالمًا للغاية حيثُ قامَ بتقويمِ ظهره وواجه راشيل.
“لديكِ عاداتُ أسلوبِ حياةٍ جيدة. سيكون من الجيد لسيدنا آلان أن يحذو حذوكِ أيضًا.”
عندما ظهرت قصة آلان أوتيس. وخزت راشيل أذنيها دون وعي.
“هل يواجه السيد آلان مشكلةً في النوم؟”
“لديهِ بعضُ الأرقِ.”
تذكرت راشيل وجهَ الشاب الذي رأتهُ عن كثبٍ بالأمس.
كانت بشرتهُ شاحبةً جدًا لدرجةِ أنَّهُ يمكنُ الخلطُ بينها وبين جثة.
شعرتُ بالقلق مرة أخرى. لم أشعر أنَّهُ في حالةٍ جيدة.
تراجعت أكتاف راشيل.
“يجب أن يكون الأمر صعبًا للغاية.”
“هذا لأنهُ عنيدٌ بشكلٍ خاص.”
و مزعجٌ جدًا.
لم تصدق راشيل أذنيها عند الإضافة الصغيرة هذه.
لكن تعبيرُ روجر كان لطيفًا للغاية. وكأن كُل ما سمعتهُ كان مجرد وهم.
شعاع من الرياح تهب من حولهم.
و عند أنتشار رائحة الورود الزاهية، مد روجر يدهُ نحو ريشيل.
“إنَّهُ صباحٌ برائحة الوردِ الرائعة. هل ترغبينَ في المشي معي للحظةٍ؟
سأكون سعيدًا جدًا إذا تمكنتُ من بدأ يومي بالمشي مع الآنسةِ هوارد.”
تحت السماء الغائمة، فقط ذلك الرجل الجميل والورود الحمراء كانا يتألقانِ بوضوح.
الشعر الأسود الأغمق من الحبر، كانَ يُرفرف في الريح الباردة.
في عينيه الحمراوين لم تنعكس إلا راشيل هوارد.
كان منظرًا جميلاً جدًا لا يُمكِن نسيانهُ أبدًا، محفورٌ بعمق في عينيها.
كان لديَّ رغبةٌ في أمساك تلك اليد عن طيب خاطر.
إذا فعلت ذلك، يبدو أن كل همومي وأفكاري المشتتة ستختفي.
ومع ذلك، أبتسمت راشيل بأدبٍ وطوت يديها معًا.
“أنا ممتنةٌ لهذا العرضِ، ولكن يجبُ أن أعودَ الآن.
لا بد لي من مساعدةِ الآنسة بيني والسيد نيرو في الإعداد لِوجبةِ الإفطارِ.”
كان روجر لطيفًا جدًا معها.
ربما سيكون من المبالغة اعتبار ذلك مجرد خدمة بسيطة لزميل.
هذا هو السبب الثاني الذي جعله روجر والتر يُشِعرُها بعدمِ الإرتياح في بعض الأحيان.
لا يوجد أحد في العالم لطيف بدون سبب.
عرفت راشيل هذه الحقيقة أفضلَ من أيِّ شخصٍ آخرَ في العالم.
إقبل الخدمات على أنها خدمات، لكن إياك أن تتخلى عن حذرك.
لا تبتعد كثيرًا ولا تقترب كثيرًا، بل احرص على الحفاظ على مسافة مناسبة في كل الأوقات.
كانت هذه قاعدة راشيل لحماية نفسها.
“حسنا أرى ذلك.”
بدا روجر نادمًا حقًا. حتى أنه ذهب إلى أبعد من ذلك وقدم عرضًا جديدًا لراشيل.
“ثم، ماذا عن أن آخذكِ إلى غرفتكِ؟”
“إنها ليست بعيدة.”
“من فضلكِ لا ترفضي.أنا على وشك العودة الآن.”
صحيح أنا وروجر لدينا نفس الوجهة، لذا يبدو من الغريب أن أستمر بالرفض هنا.
بعد الانتهاء من أفكارها، قررت راشيل المشي مع روجرر.
حتى وجدت، على الجانب الآخر، حاشية مموجة بشكل خافت من القماش الأبيض.
التعليقات لهذا الفصل " 16"