سقطَ التوأمان، اللذان دُفِعا، على الأرضِ وانفجرا في البكاء. ومن الغريبِ أن راشيل لم تستطعْ رفعَ إصبع.
هل كانَ البكاءُ هو الذي أصابَ عقلي بالشللِ، أم أن عيونَ السيدةِ أوتيس الزرقاءَ الغائمة هي التي حولت جسدي كلهُ إلى حجرٍ؟
لا أعرف.
بالكادِ خرجَ صوتُ تنفسٍ خشنٍ من حلقي الضيق. وبحلول هذا كانَ وجهٌ لامعُ بالفعل أمام أنفها.
“آنسة هوارد.”
كان الصوتُ الذي ينطقُ اسمها لطيفًا، وكأنَّ شيئًا لم يحصل. حاولت راشيل مواجهةَ السيدة أوتيس، مخبئةً يديها المرتعشتين خلفَ ظهرها.
“… …نعم، سيدة أوتيس.”
“هؤلاء الأطفال…”
لمست يدٌ ترتدي قفازًا من الدانتيل كتف راشيل و كانت نهايةُ المظلة تخدشُ ساقَ راشيل.
كانت نبرة صوت السيدة أوتيس، ذات العيون الملتوية قليلاً، لطيفة للغاية.
“اعتقدُ أنني أخبرتكِ أن تبقيهم بعيدينَ عني.”
“… … “
“لقد كان هناكَ شيءٌ واحدٌ فقط طلبته منكِ صحيح؟”
“… … نعم.”
“إذاً لماذا هم أمامي؟هل كانَ طلبي شيئًا يتجاوزُ قدراتكِ؟”
أصبحَ الضغطُ على كتفي أقوى. كان قلبي ينبضُ وشعرتُ أنه سينفجر.
ولكن كما هو الحالُ دائمًا، هناك إجابةُ واحدة فقط يمكنني تقديمها.
“سأكون أكثرَ حذراً في المستقبل… أنا أعتذر.”
دغدغَ صوتُ الضحكِ الخفيف أذني. ربت يدٌ ناعمةٌ على كتفي.
“دعينا نشربُ الشاي معًا لاحقًا.حفلاتُ الشاي التي لا تحتوي على ضيوفرتُشعرني بالوحدةِ.”
تلاشى صوتُ الأحذية في النهاية.
بالكاد تمكنت راشيل من المشي على ساقيها المتذبذبتينِ إلى التوأم اللذين كانا يجلسانِ على الأرضِ.
كان الأطفالُ قد توقفوا بالفعل عن البكاء وكانوا ينظرون إلى راشيل.
“بيني هل أنتِ بخير…؟”
آه راشيل هوارد كم أنتِ خرقاء.
هل تسألينَ مثل هذا السؤال الغبي لطفلةٍ ضربتها أمها بمظلة.
لقد ابتلعتُ مشاعرَ كراهيةِ الذات والعجز المتزايدة ونظرت إلى ذراع بيني.
على الرغم من أن الأمر كان مؤلمًا، إلا أن الطفلة لم تصدر أيَّ تأوهٍ.
الشيء الوحيد الذي فعلته هو أنها همست لراشيل بوجهٍ مبللٍ بالدموع.
“معلمتي، ألا تحتاجُ أمي لبيني ونيرو؟”
“… … هاه؟”
رفعت راشيل نظرتها عن ذراع بيني. كان الطفلان يحدقان بها.
“ألا تحبُ أمي بيني ونيرو؟”
“في الماضي، كانت أمي تبتسمُ لبيني ونيرو.”
“أعتقد أنها تكرهُ بيني ونيرو الآن.”
“معلمتي، كيف يمكن أن تحبنا أمي؟”
“هل يجبُ علينا المحاولة بجهدٍ أكبر؟”
ارتعدت شفاه راشيل. هل يسألونني أنا عن حلٍ؟
أعلم أن هذا ليس شيئًا يجب أن أقوله كمعلمةٍ. ولكن أنا ايضاً في وضعٍ صعبٍ و لا أعرفُ ما يجبُ عليَّ فعلهُ.
“أنا لا أعرف……”
مددتُ يدي وعانقت الطفلين بقوةٍ. حتى عندما تبللت ذراعاي مو دموعهم، لم أتركهم أبدًا.
كان هذا كل ما يمكنها فعلهُ لهؤلاء الأطفالِ المساكينِ الآن.
مرَ بهم العديدُ من الخدمِ لكن لم يعطهم أحدٌ نظرةً واحدةً.
***
حلَ الظلامُ خارجَ النافذةٍ وخيمَ الصمتُ على القصرِ.
أغلقت راشيل الكتابَ الذي كانت على حجرها ونظرت من النافذة. لقد كان الوقتُ بالفعلِ بعد منتصفِ الليل.
رفرفَ زوجانِ من الظلالِ البشرية في الحديقة، حيث لا ينيرُ الظلامَ سوى ضوءِ القمرِ الخافت. الظلالُ التي تراقصت بشكلٍ غيرِ مستقرٍ، نمت و أصبحت أطول فأطول.
تابعتُ حركتهم بعيني كأنني ممسوسة.
لا أستطيعُ الخروج في منتصف الليل، فمن هؤلاء؟
“آه.”
فقط عندما شعرت ببرودةِ مزلاجِ النافذة على أطراف أصابعها، عادت راشيل إلى رشدها.
أنزلقَ البردُ أسفل عمودي الفقري.
‘سأذهب إلى النومِ الآن…’
لقد تحققتُ مرةً أخرى مما إذا كان مزلاجُ النافذةِ مغلقاً بشكلٍ صحيحٍ أم لا.
بعدَ إغلاقِ الستائر، كنتُ على وشكِ وضعِ كتابٍ على رفِ الكتبِ، عندما لفتت انتباهي فجأةً زهرةٌ مصنوعةٌ من الورقِ على المكتب.
لقد أعطاها لي التوأم بعد العشاءِ اليوم.
التقطت راشيل الزهرة، رغمَ أنها كانت فوضويةً بعضَ الشيءِ، إلا أنها صُنِعت بعنايةٍ فائقة.
“… … “
المالك الأصلي لهذه الزهرة لم يكن راشيل.
ومع ذلك، لم يتمكن الأطفالُ من تقديم الزهرة لذلك الشخص في النهايةِ.
لأنهم كانوا يعلمونَ أنه في اللحظةِ التي يسلمونَ فيها الزهرة، سيتم دهسها بلا رحمة وسحقها إلى أشلاء.
كانت كلمةُ “نحبكِ يا أمي” مكتوبةً على البتلات الكبيرة.
أظلمت عيون راشيل الخضراء عندما أمسكت بساقٍ الزهرة الورقية بإصبعيها السبابة والإبهام وقامت بتدويرها.
قبل ساعاتٍ قليلة كنت أتناولُ العشاءَ في غرفةِ الأطفال مع الصغار.
سألت راشيل التوأمَ بعنايةٍ عن عائلتهما لكن الأطفالَ أجابوا بلا مبالاةٍ.
– أبي؟ لا نعرف. لا نستطيع حتى تذكُرَ وجهه.
– أمي لا تأتي لرؤيتنا أيضاً.
– آلان يتجاهلنا.
– نعم الأمرُ هكذا.
بعد قولِ ذلك، انفجرَ التوأمُ في الضحك كأنَّ حُزنهما من كراهيةِ والدتهما لهما كانت محض كذبةٍ.
‘هل اعتادا على ذلك؟’
لم أستطع إخفاء مشاعري المختلطة. وبطبيعةِ الحال، من الشائعِ أن تهمل أسرُ الطبقةِ العليا أطفالهم دون تربيتهم بشكلٍ مباشر و تركهم للخدم و المربيات.
ولكن بغض النظر عن ذلك فألامرُ غريبٌ.
‘ليس من المنطقي ألا يهتمَ أحدٌ في هذا القصرِ الضخم بالأطفال’
أنا متأكدةٌ من أنه كان لديهم مربيةٌ عندما كانوا أصغرَ سناً. نظرًا لأنها كانت عائلة “أوتيس”، فلا بد أن يكون هناكَ أكثرُ من مربيةٍ واحدةٍ.
هل رحلوا جميعاً؟ إن الأمرَ غيرُ منطقي و عند التفكير في الأمرِ، سمعتُ من الأطفالِ أنه كان هناك وقتٌ أحبتهم فيه أمهم جداً فكيف أصبحت السيدة أوتيس تكره الأطفال إلى هذا الحد؟
بالإضافةِ إلى…
‘آلان أوتيس…’
كدمةٌ واضحةٌ على الخدِ. ندوبٌ عميقة تغطي جسده. رائحةُ مطهرِ الجروح محفورةٌ على الجلدِ.
لقد التقيتُ بآلان أوتيس من حينٍ لآخر أثناءَ التجولِ خلالَ الشهر الماضي لكن اليوم كان المرةَ الأولى التي أجرينا فيها محادثةٌ شبه مناسبة، ولكن من تعبيره المظلم، خمنتُ أن هناك شيئًا أعمقَ يحدث.
لذلك اقتنعت بعد حادثة اليوم. آلان أوتيس تعرضَ و ما يزالُ يتعرضُ للإساءة.
والشخصُ الوحيدُ الذي يجرؤ على لمسِ الأبنِ البكرِ لأوتيس و وريثها هو أحدُ الوالدينِ بالطبع و بألاحرى لابد أنها السيدة أوتيس.
جلست رتشيل على الكرسي ونقرت على المكتب بأصابعها.
التوائم وآلان أوتيس. ثلاثةُ أطفالٍ يتعرضونَ للعنفِ و الأهمالِ من قبل والديهم.
لقد صدمتني تلك الفكرةُ بشدةٍ، لا يمكنُ ترك الأمرِ هكذا لكن…..
‘ماذا يمكنني أن أفعل؟…’
لقد هربتُ، وهربتُ طولَ حياتي، بل و هجرتُ والدتي حتى.
ماذا يمكنني الفعلُ ضدَ شخصٍ أخدمه..؟
و في اللحظةِ التي تنهدتُ فيها…
-خدش، خدش.
دخل فجأةً إلى أذني صوتٌ خافتٌ، مثل أظافرٍ تخدشُ البابَ.
في هذا الوقتِ، بعد منتصفِ الليل، كان الخروجُ محظورًا.
“كيف….”
-بانغ بانغ بانغ!
“… … !”
ترددَ صوتُ طرقٍ، أقوى من ذي قبل، في جميعِ أنحاءِ الغرفة.
بالكاد حركت راشيل لسانها المتصلب لتبلل داخل فمها. شعرت بالبردِ في يديها وقدميهل، كما لو كانت مغموسةٌ في ماء متجمدٍ.
من يطرقُ البابَ في ساعةٍ كهذه؟
كان اتخاذُ خطوةٍ نحوَ البابِ عملاً غريزيًا. كان قلبي ينبضُ بشدةٍ مع كُلِ خطوةٍ أخطوها نحو الباب.
حبستُ أنفاسي قدر استطاعتي واستمعت بهدوءٍ إلى الخارج. انتظرتُ لفترةٍ من الوقتِ،
ولكن لم يكن هناكَ المزيدُ من الطرقِ. لا توجد علامةٌ على حركةٍ خارجَ الباب.
لا أعرف من هو، لكن هل ذهب؟
راشيل، التي كانت تنظرُ إلى البابِ المغلق، وضعت يدها عليه.
بابٌ بني ذو حجمٍ جيد، ليس كبيرًا جدًا ولا صغيرًا جدًا.
عرفت راشيل، صاحبةُ الغرفة، جيدًا أن هذا الباب ثقيلٌ و متينٌ جدًا.
وعلاوةً على ذلك، كان البابُ مقفلاً بعناية.
ما لم تفتح البابَ بنفسها، فلن يتمكنَ أيُّ شخصٍ من الدخولِ حسب رغبته.
“أنا بخير…أنا بخير…”
نعم هذا صحيح،لابدَ أنها أصبحت حساسةً للغايةِ بسبب ما حدثَ اليوم.
من الأفضلِ الذهابُ إلى السريرِ بسرعةٍ.
قامت راشيل بتدليكِ كتفيها واستدارت نحو السرير. نعم! لأخذ نفسًا عميقًا و أفكرَ في طرقٍ لمساعدةِ طفليَّ الصغيرين و أخاهما ايضاً على الحصولِ على ذهنٍ أكثر صفاءً.
دفنتُ نفسي في البطانيةِ واستمتعت بالدفءِ المريح. لم يكن لدى راشيل أدنى شكٌ في أن اليومَ قد انتهى بسلامٍ.
حتى ذلك الوقت.
-بوم!
“ماذا!”
الضجيجُ العالي الذي شعرتُ أنه سيكسرُ البابَ جعلني أقفزُ منتصبةً و قد تمكنتُ من سماعِ طرقٍ لا يعدُ و لا يحصى خلفَ البابِ.
كان صوتُ الطرقِ على البابِ بقبضةِ اليد ثم ضربَ الجسمَ بإكمله بالباب و كان هناك صوتُ خدشِ الباب بقوةٍ لدرجةِ الشعورِ بأن اظافري ستسقط. كان الأمرُ كما لو كان هناكَ عدةُ أشخاصٍ ملتصقينَ ببعضهم البعض، بالتناوب أو في وقتٍ واحدٍ.
أصبحت الأصوات أصغرَ فأكبر، وشعرت أنه قريبٌ كما لو كان يخدش طبلةَ أذني، ثم ابتعد كما لو كان يطلب مني أن أقتربَ منه على الفور، كما لو كان يناديني، استمرَ الأمرُ على هذا النحوِ إلى ما لا نهايةٍ.
كانت يدي ترتجفُ حتى أن الضجيجَ شمل أنينَ حيوانٍ غريب مما جعلني أشعرُ بالاشمئزازِ.
من فضلكم، من فضلكم توقفوا. توقفوا عن ذلك.
ارتفعَ الشعورُ بالرغبةِ في التسولِ إلى طرفِ ذقني. ولكن لا ينبغي أن يكون الأمرُ هكذا. لا يجبُ عليَّ للتفاعلُ مع هذا الصوتِ. غطت راشيل فمها بيدٍ مبللةٍ بالعرق.
[بعد غروبِ الشمس، قُم بإنهاءِ جميع أعمالك بحلول منتصف الليل ثم عُد إلى غرفة نومك. تأكد من قفل الباب. ولا تخرج حتى شروقِ الشمس.
في بعض الأحيانِ، قد تسمعُ أصواتاً غريبةً خارج الباب، لكن لا تفتح الباب أبداً أو تجيب عليهُ. من منتصف الليل حتى شروقِ الشمس هو وقته الخاص. أرجوك تذكر إنك المسؤول عن أي شيءٍ يحدث إذا أنتهكت هذا الشرطِ.]
نعم! تذكري القواعدَ و تمسكي بها كحبلِ النجاةِ. أفعلي أفضلَ ما تتميزينَ بهِ! أنتِ لا تستطيعنَ رؤيته و لا تستطيعينَ السمعَ.
قد يكونُ الهربُ أمرًا جبانًا و من شيمِ الخاسرينَ، لكنه الأكثر أمانًا.
غطت راشيل رأسها بالبطانيةِ و جمعت جسدها بشكلِ كرةٍ واختبأت في الظلامِ المريحِ الذي خلقتهُ لنفسها.
طويلةٌ، صاخبةٌ، وحيدةٌ. الليلةُ التي بدت وكأنها لن تنتهي أبدًا أصبحت أعمق.
التعليقات لهذا الفصل " 15"