2
في تلك اللحظة، ابتلعت الخادماتُ ريقَهُنّ بوجوهٍ تقول: “ها قد جاء ما كنّا نخشاه”.
ففي مثل هذا الوقت من كلّ عام، كانت تدور بين سيريا والكونت معركةُ أعصابٍ خانقة.
اتّجهت أنظارُ الخادمات تلقائيًّا نحو سيريا الجالسة أمام طاولة الزينة.
لكنّ وجهَ سيريا لم يبدُ عليه أيّ اضطراب.
بل في الحقيقة، خلف ذلك الوجه الهادئ، كانت عاصفةٌ عاتية تعصف.
نهضت سيريا بتمهّلٍ واتّزان من مكانها.
“حقًّا؟ في الواقع، كان لديّ ما أودّ قوله أيضًا……”
تمتمت بنبرةٍ باردة، ثمّ ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ لطيفة.
غير أنّ تلك الابتسامة كانت كريحٍ جليديّةٍ تهبّ بقوّة، فارتعشت الخادمات دون وعي.
“قولي له إنّني سآتي حالًا.”
في الحقيقة ؟ عرفت سيريا أنّ شارلوت هي مشكلةُ قصرِ الكونت منذ اليوم الأوّل لتجسّدها.
حينذاك، لم تكن تعرف بعد حتّى من تكون صاحبةُ هذا الجسد.
واجهت سيريا لأوّل مرّة طفلةً بملابس رثّة تقف أمامها.
كانت الطفلة، الملطّخة بمياهٍ قذرة، تحدّق في الفراغ بعينين فاقدتَي التركيز.
ومن خلفها دوّى صوت “طَشّ!”، ثمّ شوهدت الخادمات يضحكن بصخبٍ وهنّ يتركن الدلو وينسحبن.
مَن كان ليتخيّل أنّ شرّيرةَ روايةٍ رديئةٍ خانقةٍ كهذه، قد نشأت وهي تُعامَل بكلّ هذا الاحتقار؟
كان سببُ التمييز ضدّ شارلوت، على عكس إخوتها، بسيطًا للغاية.
ذلك أنّها لم تُشبه الكونت ولا الكونتيسة.
بين كونتٍ يملك شعرًا فضّيًّا لامعًا وعينين زرقاوين، وكونتيسةٍ بشعرٍ أشقر وعينين بلون الكستنّاء، وُلِدت شارلوت بشَعرٍ بنفسجيّ وعينين بلون الياقوت الداكن.
ولسوء الحظّ، لفظت الكونتيسة أنفاسها الأخيرة أثناء ولادتها لشارلوت.
لم يحتمل الكونت ميهاتيل الشابّ يأسه بعد فقدان زوجته، فبدأ يعتبر شارلوت طفلةَ خيانةٍ وُلِدت من علاقةٍ محرّمة.
هل كان يؤمن بذلك حقًّا، أم أنّه كان يحاول فقط التخفيف من ألم فقدان زوجته بأيّ ذريعة؟
لم يكن أحد ليعرف ما في قلبه……
على أيّ حال، ومنذ لحظة ولادة شارلوت، بدأ جميع من في القصر بإهمالها.
ولم يكن الكونت الذي يكنّ لها الكراهية وحده، بل الإخوة الآخرون كذلك.
لكن قبل أربع سنوات، تغيّر كلّ شيء.
وذلك لأنّ شخصًا آخر دخل جسد سيريا.
ومنذ تغيّرت سيريا، بدأت العلاقة بينها وبين الكونت تنقلب إلى عداوةٍ حادّة.
وقفت سيريا بملامح باردةٍ متعالية أمام باب مكتب الكونت.
وبعد قليل، فُتح الباب ليظهر الكونت جالسًا خلف مكتبه.
وكما توقّعت، استقبلها الكونت بوجهٍ متجهّمٍ ومزاجٍ معكّر.
“جئتِ.”
“نعم، يا أبي.”
“أنتِ تعلمين جيّدًا سبب استدعائي لكِ.”
قال ذلك وهو يطفئ السجارة التي كانت بين شفتيه.
وبالطبع، كانت تعلم.
فكلّما اقترب موسمُ الصالونات، كان الأب وابنته يتشاجران يوميًّا حول الموضوع نفسه.
“لماذا تمكثين في القصر دون أن تُقيمي حتّى حفلَ ظهور؟ إلى متى ستواصلين إنهاكَ أعصاب أبيكِ؟!”
دوّى صوتُ الكونت الغاضب في أرجاء الغرفة.
لكنّ سيريا لم ترمش حتّى، وكأنّها كانت تتوقّع ذلك.
“لا أفهم حقًّا لماذا تغيّرتِ إلى هذا الحدّ، سيريا.”
منذ أربع سنوات، تغيّرت سيريا وكأنّها شخصٌ آخر.
لم تعد تتجاهل شارلوت أو تتركها لمصيرها.
بل على العكس، كانت تعاقب الخادمات اللواتي يضايقن شارلوت بلا رحمة، وتشتري لها ملابس جيّدة، بل وأدخلتها الأكاديميّة الملكيّة رغم معارضة أبيها.
كلّ ذلك أثار استياءَ أهل القصر.
ومع ذلك، ظلّت سيريا متمسّكةً بموقفها الصلب.
وبعد صمتٍ قصير، سألت سيريا بابتسامةٍ هادئة:
“أبي، هل تعلم أنّ شارلوت حصلت على المرتبة الأولى في الأكاديميّة هذه المرّة أيضًا؟”
تفاجأ الكونت بالكلام، فانتفض قليلًا، ثمّ عبس وجهه بشدّة.
فقد كانت أخبار “تلك الطفلة” آخر ما يرغب بسماعه.
“لا أريد أن أسمع شيئًا عن ذلك الشيء.”
حينها فقط، عقدت سيريا حاجبيها ونظرت إلى أبيها.
كان يتصرّف وكأنّ الحديث لا يتعلّق بابنته، بل بطفلةٍ غريبة.
“لماذا تدافعين عنها إلى هذا الحدّ؟ أهو مخطّط آخر لإغاظة أبيكِ؟”
“مخطّط؟ أنا فقط أُذكّرك بأنّ لكَ ابنةً أخرى، يا أبي.”
ابتسمت سيريا ابتسامةً لطيفة، ثمّ غيّرت تعابيرها وأضافت بنبرةٍ قاتمة:
“……شارلوت قادرة على استخدام السحر مثلك. مهما أنكرتَ، فهي ابنتك، يا أبي—”
“قلتُ كفى!”
شقّ صوتُ الكونت الحادّ الهواء.
وفي الجوّ الثقيل، تبادل الكونت وسيريا نظراتٍ حادّة.
“ما إذا كانت ابنةَ رجلٍ آخر أم لا، ليس لكِ الحقُ أن تحكمي فيه، سيريا ميهاتيل.”
“إذًا، على الأقلّ، أرسل لها مصروفًا. إنّها تدرس وحدها في العاصمة.”
“أنا أدفع رسومَ الدراسة.”
“وهل يكفي دفعُ الرسوم فقط؟ مهما كرهَ الوالدُ ابنه، فعليه أن يؤدّي واجبه.”
قالت سيريا ذلك بحدّة.
في الحقيقة، كان سببُ مجيء سيريا إلى المكتب هو هذا تحديدًا.
إرسالُ مصروفٍ لشارلوت.
فباستثناء رسوم الأكاديميّة، لم يسبق للكونت أن أرسل لشارلوت رسالةً أو مالًا.
إذ إنّه، من الأساس، لم يأذن لها بالذهاب، وبما أنّها التحقت بالأكاديميّة من تلقاء نفسها، فقد قرّر ألّا يهتمّ بها على الإطلاق.
“ومتى كنتَ تُبدي اهتمامًا أصلًا وكأنّك تهتمّ؟”
لكنّ شارلوت، منذ التحاقها بالأكاديميّة بكونها الطالبةَ الأولى، واصلت الحصول على المنح الدراسيّة، بل وكانت تعيد كاملَ المبلغ إلى قصرِ الكونت.
وعندما رأت سيريا المنحةَ التي عادت مع الرسول في المرّة الماضية، سألتها:
“شارلوت، لماذا لا تستخدمين هذا المال؟ إنّه ثمرةُ جهدكِ، ويجب أن يكون لكِ.”
قالت سيريا ذلك، لكنّ شارلوت هزّت رأسها نافية.
ثمّ، بابتسامةٍ مُرّة لا تُصدَّق من فتاةٍ في مثل سنّها، قالت:
“هذا المال ليس لي، يا أختي.”
كانت تلك الكلماتُ تحمل معانيَ كثيرة.
فالطفلةُ التي راقبتها سيريا عن قربٍ طوال أربع سنوات كانت هكذا تمامًا.
طفلةٌ تدرس حتّى ينزف أنفُها من الإرهاق، ومع ذلك لا تُظهر أيّ شكوى.
ولأنّها نشأت دائمًا وهي تتفحّص وجوه الآخرين، لم تكن شارلوت ترى أيّ شيءٍ تناله على أنّه حقّها.
كان ذلك قاسيًا للغاية على طفلةٍ لم تُكمِل بعد الرابعة عشرة.
لقد كبرت أسرع ممّا ينبغي.
ولهذا، حدّقت سيريا في الكونت بعينين متّقدتين.
“أن تتلقّى شارلوت مصروفها من أبيها، أفضل لها بكثير من أن أُجزّئ لها مصروفي بدافع الشفقة. شارلوت تستحقّ أن تتلقّى مصروفًا.”
خلال العامين الماضيين، كانت سيريا تُقسّم مصروفها الخاصّ وتُرسله لشارلوت، لكنّها هذه المرّة عقدت العزم على أن يصل المال باسم الأب لا باسمها.
وسواء أكان الكونت مدركًا لمشاعرها أم لا، فقد قال وهو يكبح غضبه:
“كلّما تحدّثتُ معكِ، ينتهي الحديث دائمًا عند تلك الطفلة.”
قالها بوجهٍ متجهّم وهو يحبس غضبه، فردّت عليه سيريا بملامح باردة لا تقلّ حدّة.
“إن كنتَ تكره سماع أخبار شارلوت، فسيكون من الصعب عليكَ الحديث معي.”
“……”
“ومن الآن فصاعدًا أيضًا.”
حدّقت سيريا في الكونت بنظرةٍ جليديّة.
في حين أقبل الليل، أشعلت سيريا شمعةً وبدأت تكتب ردّها إلى شارلوت.
لم يبقَ سوى بضعة أسابيع حتّى تنتهي شارلوت من فصلها الدراسيّ وتعود إلى إقليم الكونت.
“وعندها سيبدأ التنمّر والجفاء من جديد.”
كان خدمُ بيت الكونت يستمتعون بإيذاء شارلوت،
وكانت عائلة الكونت تُعاملها ببرودٍ يخنق الأنفاس.
صحيح أنّ سيريا لم تعد كذلك، لكنّ الحقيقة أنّ إقليم الكونت لم يكن ملجأً مريحًا لشارلوت.
“كنتُ أتمنّى، على الأقلّ خلال العطلة، أن ترتاح قليلًا دون قلق.”
وبعد تفكيرٍ طويل، توقّفت سيريا عن كتابة الردّ، وفتحت الخزنةَ الصغيرة تحت المكتب.
ثمّ بدأت تُحصي المال الذي ادّخرته سرًّا بعيدًا عن علم الكونت.
“كما توقّعت، الادّخار القليل لا يجدي نفعًا. إنّه بالكاد يكفي لرحلةٍ أو اثنتين.”
بعد ثلاث سنوات، تبلغ البطلة وشارلوت، الشرّيرة، السابعة عشرة، وتقيمان حفلَ الظهور، وهنا تبدأ أحداث الرواية الأصليّة.
وبعد المرور بجميع المراحل المحدّدة، كانت شارلوت ستُحرّر السِّحر الأسود وتُدمّر المملكة.
كانت سيريا تُخطّط لمغادرة المملكة خلال ثلاث سنوات، قبل أن تنجرّ إلى أحداث الرواية.
ومعها شارلوت.
“لا يمكنني أن أترك طفلةً كافحت طوال حياتها وأهرب وحدي. إن أمكن، أودّ أن أعيش مع شارلوت حياةً هانئة ونحن نجوب العالم.”
لكنّ اللجوءَ إلى دولةٍ أخرى يتطلّب مالًا طائلًا.
يجب شراء منزل، وحتى إن لم تستعينا بخدم، فإنّ العيش لشخصين يحتاج إلى احتياطيّ ماليّ كبير.
لهذا، كانت سيريا تدّخر القليلَ فالقليل من المال المخصّص للفساتين والكماليّات، لكنّ المبلغ ظلّ غير كافٍ.
فالادّخار سرًّا عن الكونت له حدوده.
“آه… يا له من تعبٍ حقًّا.”
وهي تُغلق باب الخزنة، تذكّرت سيريا الأيّامَ الماضية، أي تلك الفترة الدافئة قبل التحاق شارلوت بالأكاديميّة.
حتّى دخول الأكاديميّة، كانت سيريا وشارلوت تمضيان كلّ وقتٍ فراغٍ لديهما عند بحيرة الإقليم.
كان وقتًا قصيرًا، لكنّهما كانتا وحدهما، فلم يستطع أحدٌ إيذاء شارلوت، ولم تضطرّ سيريا إلى القلق المستمرّ لمنع التنمّر.
كان سلامًا حقيقيًّا.
سلامٌ لا يؤذي فيه أحدٌ شارلوت، ولا يحتاجُ فيهِ أحدٌ إلى الحذر من الآخرين.
ذلك هو السلام الذي كانت سيريا بحاجةٍ إليه.
وهو بالضبط ما كانت تريده من أعماق قلبها.
“هل سأتمكّن حقًّا من جمع ما يكفي من المال خلال السنوات الثلاث المقبلة؟”
لم تكن سيريا تعمل عملًا مأجورًا، كما أنّ امتلاك النبيلة لوظيفة ليس أمرًا سهلًا،
لذا، ربّما كان من الأفضل أن تبحث، ولو من الآن، عن فرصةِ استثمارٍ مناسبة.
“آه، صحيح، شارلوت طلبت منّي أن أرسل لها كتابًا.”
تذكّرت أنّ الرسالة تضمّنت أيضًا طلبًا بإرسال روايةٍ كانت تقرؤها عادةً.
يبدو أنّ كتب السكن الداخليّ قد نفدت لديها.
وبما أنّ الليل كان قد تأخّر، كانت الخادمات قد عدن إلى مساكنهنّ.
فبدل أن تنادي إحداهنّ، حملت سيريا المصباح وخرجت إلى الممرّ.
كان الممرّ مظلمًا وهادئًا، لا يضيئه أيّ نور.
وكانت رياحُ الليل الباردة تهبّ أحيانًا وتضرب النوافذ، فمع أنّ الصيف كان على الأبواب، ظلّ الهواء الليليّ باردًا.
وبينما كانت تسير قليلًا في الممرّ الخالي من أيّ حركة…
“هم؟ ما هذا؟”
رأت سيريا، وهي تعتمد على ضوء المصباح، شكلًا أسودَ عند نهاية الممرّ.
في البداية، ظنّت أنّه تمثالٌ موضوع في الممرّ.
لكنّ ذلك الشكل تحرّك.
كان كائنًا حيًّا.
Chapters
Comments
- 2 منذ 5 ساعات
- 1 - أُخْتُ تلكَ الشِّرّيرة منذ 5 ساعات
- 0 - المقدمة منذ 10 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 2"