1 - أُخْتُ تلكَ الشِّرّيرة
بِلا شَكٍّ، كان آخِرُ ما أَتَذَكرُه هو لَيلةُ مُشاهَدَتي للحلقةِ الأَخيرة من “وَلِيُّ العَهْدِ واللَّيْلُ المُعْتِمُ”.
لم أستطع أنا نفسي أن أشرح لماذا تابعتُ تلك الرواية، التي كان الجميعُ صغارًا وكِبارًا يشيرون إليها بالأصابع، حتّى نهايتها… لكنّني، وأنا أدفع ثمن الحلقة الأخيرة، ظننتُ أنّ ذلك لا بدّ أن يكون بسبب قوّة السَّرْد.
في ذلك الوقت، كانت شارلوت التي سُجِنَت بتهمة محاولة إيذاء البطلة، قد هربت للتوّ من السِّجْن وظهرت أمام الأبطال.
تساءلتُ عمّا الذي تخطّطُ له لتظهر في الحلقة الأخيرة، لكنّ الأمر لم يَخِبْ ظنّي.
رفعت شارلوت كرةً بلّوريّة سوداء تشبه اللؤلؤ الأسود، وصرخت:
“آمُرُكم، أيّها الكائناتُ البدائيّةُ في الجحيم. أُقَدِّمُ حياتي قربانًا، فدمِّروا هذه المملكة!”
“ماذا؟!”
“أيعقل هذا؟!”
أيّ “أيعقل” هذه؟ أوقِفوها فورًا!
لكنّ الأبطالَ والرّفاقَ لم يتمكّنوا من إحباط مكائد شارلوت، فبذلت حياتها لتحرير السِّحر الأسود، ودمّرت المملكةَ التي كانوا يعيشون فيها في لحظةٍ واحدة.
ونتيجةً لذلك، لقي معظمُ الشخصيّات الثانويّة، التي كانت بمثابة بهاراتٍ للرواية، وكذلك عددٌ كبيرٌ من شعب المملكة، حتفهم، وتحولت المملكة إلى أرضٍ خراب.
نعم، هكذا كانت نهاية “وَلِيُّ العَهْدِ واللَّيْلُ المُعْتِمُ”.
نهايةٌ سعيدةٌ للأبطال فقط، ونهايةٌ سيّئةٌ للآخرين جميعًا.
وبفضل تلك الحلقة الأخيرة، أصبحت الروايةُ الأكثرَ تلقّيًا للشتائم في تاريخها.
“ومن الطبيعيّ ذلك، فالجميع ماتوا، من الداعمين إلى أبطال الصفّ الثاني.”
إنّها تستحقّ كلّ شتيمة، حقًّا تستحقّ.
وربّما كان هذا هو السَّبب في تَجَسُّدي بجسد سيريا هنا.
شاهَدتُ حلقةً كارثيّةً، فارتفع ضغطي إلى أقصاه، ومُتُّ، ثمّ تَجَسَّدتُ داخل الرواية التي كنت أقرأُها.
“لكن، لو حسبناها هكذا، لوجب على كلّ من شاهد الحلقة الأخيرة أن يتجسّد أيضًا.”
لم أكن أعرف لماذا أنا بالذات، ولماذا تَجَسَّدتُ تحديدًا في دور أختِ الشرّيرة شارلوت.
إن كان لي ذنب، فهو فقط أنّني تابعتُ روايةً بطيئةً خانقةً حتّى آخر سطر.
وفوق ذلك، كان لشارلوت الشرّيرة إعدادٌ خفيٌّ آخر.
وهو أنّ جميعَ أفرادِ بيتِ الكونت يكرهون شارلوت.
“آنسة سيريا، لقد وصلَت رسالة.”
“أعطيني إيّاها.”
كان ذلك في ظهيرةٍ صيفيّةٍ مُشرقة، مع اقتراب فصل الصيف.
كانت سيريا تستمتعُ بوقتِ الشاي في غرفتها حين تلقّت الرسالة من الخادمة.
كان الظرفُ الأصفر، الخاصّ بطلاب الأكاديميّة الملكيّة، يحمل اسم المرسِل: شارلوت ميهاتيل، أختها الصغرى التي أتمّت الرابعة عشرة هذا العام.
وكان محتوى الرسالة كالتالي:
“أختي، أنا شارلوت. هل أنتِ بخير؟ لقد قرّرتُ العودة إلى البيت خلال هذه العُطلة. قلبي يخفق من الحماس، فقرّرتُ أن أكتب لكِ رسالة.
كما أنّني حصلتُ على المركز الأوّل في الاختبار هذه المرّة أيضًا. كلّ ذلك بفضل تشجيعكِ الدائم والهدايا التي أرسلتِها لي!”
“يا إلهي، المركز الأوّل ثلاث سنواتٍ متتالية. أليس هذا مذهلًا؟”
تمتمت سيريا، لكن لم تُجِبْها أيٌّ من الخادمات.
وكأنّها توقّعت ذلك، واصلت قراءة الرسالة.
“أشتاقُ لرؤيتكِ سريعًا واللعب معًا. أريد أن نذهب في نُزهةٍ عند البحيرة، وأن نأكل أشياء لذيذة، وأن نسهر طوال الليل نتحدّث ثمّ ننام معًا… أختي، أنتِ تشعرين بالمثل، أليس كذلك؟ هيهي.”
بالطبع.
كانت سيريا تنتظر العطلة أكثر من صاحبة الشأن نفسها.
“في المرّة القادمة، لنتحدّث وجهًا لوجه بدل الرسائل. سأعدّ الأيّام انتظارًا للعطلة.
من أختكِ الوحيدة، شارلوت.”
وبينما كانت سيريا تقرأ الرسالة بصمت، أمسكت فجأةً بصدرها وتأوّهت قائلةً: “كِخْ…”
“إنّها ألطفُ مخلوقٍ في العالم. شارلوت خاصتي، أريد أن أبتلعها!”
وضعت سيريا رسالة شارلوت على وجهها واستلقت على الأريكة.
لو كان الأمر بيدها، لأمسكت بالوقت وقدّمت الزمن إلى الأمام، إلى يوم حفل عطلة شارلوت.
“أن يمرّ الفصل الدراسيّ كلّ عام دون فعل أيّ شيء، هذا عملٌ بحدّ ذاته.”
هل هذا هو شعورُ الوالدين الذين ينتظرون عطلة ابنتهم المبتعثة؟
أخرجت سيريا البطاقة البريديّة التي أرسلتها شارلوت مع الرسالة.
كانت صورةَ زهرةِ دوّار الشمس، غارقةً في ضوء الشمس.
“كانت في الماضي لا تستطيع حتى تنسيق نظراتها جيّدًا.”
مرّت أربعُ سنواتٍ منذ أن تَجَسَّدتُ في هذا العالم.
ولم يكن تحسّن مهارة شارلوت في الرسم هو الشيء الوحيد الذي تغيّر خلال تلك السنوات.
“هل أصبح الوقت متأخّرًا إلى هذا الحدّ؟”
رفعت سيريا عينيها الزرقاوين السماويّتين من فوق الرسالة، وجالت بنظرها في السقف.
كان السقفُ العاجيّ مشبعًا بخضرة الخارج وضوء الشمس الأصفر.
وبينما كانت تشاهد ظلالَ الأشجار تتمايل تحت شمس الظهيرة، أغمضت سيريا عينيها مجدّدًا.
كان صيفُها الرابع في هذا العالم يقترب بخطىً سريعة.
* * *
الصيفُ هو بلا منازع موسمُ الذروة في عالم الصالونات الاجتماعيّة.
إنّه فصلٌ جميل، تظهر فيه السيّدات الشابّات كالأزهار الغضّة في حفلات الظهور الأوّل، ويقضين لياليَ صيفيّةً مع الشبّان النبلاء.
لكنّ سيريا، رغم بلوغها العشرين، لم تُقِم حفلَ ظهورها الأوّل بعد.
بل لعلّ الأدقّ أن نقول إنّها لم تُرِدْ إقامته أصلًا.
“هل هذا وقتُ الانشغال بحفلِ ظهور؟ لم يتبقَّ سوى ثلاثِ سنواتٍ تقريبًا على دمار المملكة.”
لكن، وكأنّ الخادمات لم يكنّ على علمٍ بما يدور في خاطرها، بدأنَ يتحدّثن بحماسٍ وكأنّهنّ مأخوذات بأجواء الصيف.
“بالمناسبة، آنسة سيريا، ألا تنوين إقامة حفل الظهور هذا العام أيضًا؟ هناك الكثير من الفساتين الجميلة…”
سألتها إحدى الخادمات وهي تمشّط شعرها.
كانت تصمتُ تمامًا عند ذكر شارلوت، لكن عند ذكر حفل الظهور، حتّى بالنسبة لخادمة، أمرٌ يُثير الغيرة.
أومأت سيريا برأسها بكسل.
“المسافة من مقاطعة الكونت إلى العاصمة تستغرق أيّامًا. لماذا أتكبّد عناء الذهاب؟ ثمّ إنّني أكره الأماكن الصاخبة.”
عادةً، عندما تبلغ النبيلة السابعة عشرة، تُعدّ راشدةً بحسب قانون المملكة، وتُنفِق العائلة كلّ ما لديها لإقامة حفل الظهور.
فذلك هو السبيل لدخول سوق الزواج وصيدِ شابٍّ وسيم.
بمعنى آخر، كانت الأنشطة الاجتماعيّة تجارةَ زواجٍ بحتة.
لكن، ويا للأسف، لم يكن لدى سيريا أدنى رغبة في الزواج من رجال هذا العالم.
“وما الذي سأجنيه من الزواج برجالٍ مصنوعين من حبرٍ وورق؟”
كان بيتُ ميهاتيل يملك المال والجاه والأعمال دون نقص، ولهذا كانت العائلاتُ النبيلةُ الأخرى تتربّصُ طمعًا بالمصاهرة.
لكنّ قلبَ سيريا كان معلّقًا في الهواء.
ولهذا، كلّما جاء موسمُ الصالونات، اشتعلت حربُ أعصابٍ شرسة بينها وبين والدها، الكونت ميهاتيل.
“لكن، ألن يكون من الجميل أن تري وليَّ العهد بعينيكِ مرّةً واحدة؟ يقولون إنّه وسيمٌ جدًّا!”
“أغه.”
عبست سيريا عند ذكر وليّ العهد.
“طبعًا هو وسيم، فهو البطلُ الذكَر.”
وبينما كانت تنظر إلى المرآة بوجهٍ غير مبالٍ، تدخّلت خادمةٌ أخرى.
“صحيح، ويُقال إنّ ذلك السيّد سيعود أيضًا. قرأتُ ذلك في صحيفة النميمة. تقصدين الشابّ الذي ذهب إلى بينياس، أليس كذلك؟”
“آه، ذاك؟ من شمال ريندرهارت؟”
كانت سيريا تعرف جيّدًا مَن تقصد الخادمات.
إنّه النبيلُ الشماليّ الذي غادر إلى مملكة بينياس المجاورة قبل ثلاثة عشر عامًا.
الابنُ الوحيد لأسرةِ ريندرهارت الدوقيّة في الشمال.
سيّدٌ غامض لم يُعلَن عن أيّ شيءٍ عنه سوى اسمه وعمره.
عودةُ ابنِ أحد مؤسّسي المملكة إلى وطنه كفيلةٌ بإثارة ضجّةٍ في الأوساط الاجتماعيّة، لكنّ الأمر لم يكن يثير في نفس سيريا سوى السخرية.
“في عالمٍ يجتمع فيه سيّدُ برج السِّحر، والأدميرال، ورئيسُ التُّجّار، والفارسُ الحارس… هل يُعقَل ألا يكون هناك دوقٌ شماليّ أصلًا؟”
أكثرُ ما أدهشها عند تَجَسُّدها في هذا العالم هو وجودُ دوقٍ شماليّ فعلًا.
صحيح أنّ ربَّ الأسرة آنذاك، أنطون ريندرهارت، كان قد توفّي قبل أشهر، وكان رجلًا متزوّجًا تجاوز الأربعين، لذا تقبّلت الأمر.
لكن وجودَ ابنٍ له كان مفاجئًا آخر.
“إن لم يظهر دوقٌ شابّ من أسرةٍ مؤسِّسة في العمل الأصلي، فالأمر لا يخرج عن احتمالين.”
إمّا أنّ شخصيّته فاسدة، أو أنّه قبيحٌ إلى درجةٍ لا تؤهّله ليكون حتّى شخصيّةً ثانويّة.
وسيريا،
بطبيعة الحال، لم يكن لديها أيّ اهتمامٍ برجلٍ قبيحٍ مصنوعٍ من الورق.
في تلك اللحظة، سُمِعَ طَرْقٌ خفيفٌ على الباب.
وحين أذنت سيريا بالدخول، دخلت خادمةٌ صغيرة.
“آنسة، الكونت يطلب حضوركِ.”
Chapters
Comments
- 2 منذ 5 ساعات
- 1 - أُخْتُ تلكَ الشِّرّيرة منذ 5 ساعات
- 0 - المقدمة منذ 10 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"