مال هاينريش، الكاهن المتدرّب في المعبد الكبير الذي كان ينتظر بالخارج، برأسه وهو يرى مجموعة تخرج في منتصف المراسم.
“أجل، لقد رأينا من المعجزات ما يكفي.”
“……”
تجمّد هاينريش حين تكلّمت الفتاة ذات الشعر الورديّ وهي تبتسم بوضوح.
فبمجرّد سماعه لصوتها الغضّ، أدرك أنها الشخص ذاته الذي قدّمت له “اعترافًا” قبل ثلاثة أيام.
“أتمنى أن يجد الخلاصُ الحقيقيّ طريقَه إلى الكاهن اللطيف!”
“آه، شكرًا لكِ. ليحلَّ الخلاصُ على المؤمنة الصغيرة أيضًا.”
غادرت الفتاة وهي تبتسم.
بقي هاينريش يحدّق في ظهر الفتاة وهي تبتعد.
* * *
“… لقد رأيتُ حلمًا غير لائقٍ البارحة. قلبي مثقلٌ وأريد حقًّا البوح به.”
قلبٌ مضطربٌ بسبب حلم.
كان صوتُ الفتاة صغيرًا، فابتسم هاينريش لهذا الاعتراف البريء من طفلة.
“في الحلم، كان زعيمُ الطائفة يتحوّل كلّ مساء إلى وحشٍ مخيفٍ جدًّا. كان يضرب الناس ويؤلمهم.”
“آه، يا للهول.”
لكن بعد سماعه… وجد أنّه حقًّا حلمٌ غريبٌ ومنفر، لدرجة تجعل طفلةً تأتي وهي ترتجف لتقدّم اعترافها.
“لكن حين يأتي الصباح، كان يعود زعيمًا لطيفًا مجدّدًا. لذا لم يعرف أحدٌ أنّه وحش، واستمرّ الناس في الإيمان به وحبّه.”
“فهمتُ.”
“لكنَّ الكاهنَ علم بالأمر.”
“… الكاهن؟ أتقصدينني؟”
“أجل. الكاهن هاينريش ظهر في حلمي أيضًا.”
أدرك حينها لِمَ اختارته المؤمنة بالاسم رغم أنّه مجرّد متدرّب.
“جمع الكاهنُ أدلةً على أنّ الزعيمَ وحشٌ مخيفٌ وحاول إخبار الناس، لكن لم يصدّقه أحد. رجمه الجميعُ بالحجارة… ثمَّ غضب الزعيمُ ووضعه على منصّة الحرق.”
“آه…”
“لم يكن أمامي خيارٌ سوى المشاهدة في الحلم. وبينما كنتُ أبكي على رحيل الكاهن، نزل ملاكٌ من السماء. ملاكٌ حقيقيّ، مختلفٌ تمامًا عن ذلك الزعيم الوحش.”
“فهمتُ.”
“قال لي الملاكُ وهو يبكي إنّ الكاهن هاينريش كان لديه كلامٌ يجب أن يوصله قبل رحيله، لكنّه لم يستطع.”
“كلامٌ… يجب إيصالُه؟”
“أجل.”
فجأة، امتدّت يدٌ صغيرة تحمل ورقةً من تحت حاجز غرفة الاعتراف.
أخذها هاينريش في حالةٍ من الذهول.
“كان ذلك كلامَ الملاك. أنا آسفةٌ حقًّا لأنني رأيتُ حلمًا غير لائق. أطلبُ المغفرة.”
[انتظر اللحظة المناسبة.
الخلاصُ الحقيقيّ لا يمكن أن تحقّقه بمفردك،
فلا تُلقِ بحياتك الغالية هباءً.
في اليوم الذي يبحثُ فيه عنك المعاقبُ حاملُ الرمح،
أفصِح عمّا يرهق قلبك من هموم.
حينها، سيكون الخلاصُ الحقيقيّ.]
أعاد هاينريش قراءة الورقة التي احتفظ بها في صدره منذ ذلك اليوم، ثمَّ رفع رأسه.
كان ظهرُ الفتاة يبتعد حتّى صار كالنقطة.
* * *
طراخ-!
وضع رايان رزمةً ثقيلةً مليئةً بالأحجار.
توقف صاحبُ المتجر ذو الملامح الصارمة عن مسح نظّاراته وفتح طرف الرزمة قليلًا ليختلس النظر…
“لحظةً واحدة.”
بحث عن ورقةٍ ما وأحضرها.
ثمّ أخرج حجرًا ووضعه بجانب الورقة، وبدأ يقارن بينهما بتمعّن لتقييمهما.
نحن الآن في متجر خردوات بإحدى المدن التي مررنا بها في طريق العودة للمنزل.
المتاجر المتعاقدة مع نقابة فاسنبيرغ التجارية موجودة في كلّ مكان.
لذا، لبيع أحجار المانا، يكفي الدخول إلى أيّ مكانٍ يحمل شعار النقابة.
“المجموع 50 حجرًا. سأشتريها منك.”
من المؤكد أنّ صاحب المتجر تلقّى تعليماتٍ بشراء هذه الأحجار بأيّ ثمن إذا جاء مَن يبيعها.
“سأشتري الحجرَ الواحد بقطعةٍ ذهبية واحدة.”
… هذا جنون.
أغلق رايان الرزمة فورًا واستدار ليرحل.
“يـ- يا سيّد؟ انتظر!”
“ماذا.”
“ما الذي لم يعجبك؟ إنّه معدنٌ لا نفع منه، و قطعةٌ ذهبية واحدة للحجر هو سعرٌ سخيّ.”
“سواء كان نافعًا أم لا، البائعُ لا يقبل بهذا السعر، انتهى الأمر.”
عندما حاول رايان إمساك يدي والمغادرة، هرع صاحبُ المتجر من خلف الطاولة.
“… قطعةٌ ذهبية واحدة و50 قطعةً فضية للحجر.”
“ابتعد من طريقنا.”
“قطعتا ذهب…؟”
“آه، ابتعد!”
بما أنّه سيطالب نقابة فاسنبيرغ بالمال الذي اشترى به الأحجار، لا أعلم لِمَ يبخل هكذا…
تنهدتُ وتدخّلتُ في الحديث.
“أبي، كيف يمكننا الحصول على أكثر من 50 ألف قطعة ذهبية مقابل هذه الأحجار عديمة الفائدة؟ فلنذهب فحسب.”
“مـ- ماذا؟ 50 ألف قطعة ذهبية؟”
اندهش المالك، فقلتُ على الفور: “أجل. لقد اشترى أخي هذه الأحجار من محتالٍ مقابل ألف قطعة ذهبية للحجر الواحد، دفع 50 ألف قطعة ذهبية في المجموع. وتلقّى توبيخًا قاسيًا من أمّي. ولكي نهدّئ غضبَها، يجب عليّ أنا وأبي إعادتها بسعر لا يقل عن 50 ألفًا. إذن، إلى اللقاء.”
“انـ- انتظرا!”
أمسك بنا المالك وتظاهر بالأسف قائلًا: “يا لها من قصةٍ محزنة. أنا بطبعي لا أتحمّل رؤية مثل هذه المواقف الصعبة. ليكن، سأشتريها بألف قطعة ذهبية للحجر الواحد!”
“بالتوفيق.”
استدار رايان مجدّدًا، فصُعق المالك.
“لماذا الآن!”
“أيّ مغفّلٍ هذا الذي سيشتري أحجارًا كان ينوي شراءها بقطعةٍ ذهبية واحدة مقابل ألف قطعة فقط لأنّه شفق على حالنا؟”
“……”
“أنا أجيد قراءة وجوه البشر، وأنت لستَ من النوع الذي يُخدع، بل من النوع الذي يخدع الآخرين. لذا، قفزُ سعر هذا الحجر ألفَ ضعفٍ في لحظةٍ يعني أنّ له قيمةً لا يعرفها الشخصُ العاديّ.”
عجز المالك عن الردّ أمام استنتاجه المنطقيّ.
“أُريد 10 آلاف قطعةٍ للحجر الواحد.”
“… هل جُننت؟”
“20 ألفًا.”
“……”
صمت المالك. يبدو أنّه رأى مستقبلاً ينهار فيه متجرُه إن استمرَّ في الجدال.
“حسناً. تفضّلا من هنا…”
“كان عليك فعلُ ذلك منذ البداية.”
كتبنا إيصال بيع أحجار المانا التي قفز سعرُها من قطعة ذهبية واحدة إلى 20 ألفًا للحجر، ثمّ استلمنا الثمن سبائكَ ذهبية.
أثناء كتابة الإيصال، طرح المالك أسئلةً يبدو أنها من ضِمن التعليمات…
“قلتم إنّ ابنكم اشتراها من محتالٍ دون علم؟ أين قابل ذلك المحتال؟”
“آه، ذهب أخي إلى روماير لسماع “صلاة الخلاص” أو شيءٍ من هذا القبيل وهناك وقع في الفخ.”
“المحتالون هناك كثرٌ، أليس كذلك؟”
“بالفعل.”
“آه، ربما قد ذكر ذلك المحتالُ أنّه اشتراها من منقّبٍ ثريّ في الجنوب أخبره أنّها غالية الثمن.”
أومأ المالك برأسه ودوّن كلامنا.
بمجرد شراء أحجار المانا، ستبحث عائلة فاسنبيرغ عن مصدرها.
وقريبًا، حين يسمعون عن هذا المسار المجهول، سيبحثون بجهدٍ في الجنوب متسائلين: ‘هل يوجد منجم أحجار مانا هناك؟’
وسيضيع مجهودُهم سدًى.
“كخ كخ.”
“هاهاها.”
ضحكتُ أنا ورايان سِرًّا.
في المرة القادمة، سنجد أشخاصًا آخرين لبيع الأحجار في أماكن متفرّقة من البلاد.
أكاد أتخيّل وجه والدي وهو يضع يديه على رأسه متسائلًا لِمَ تظهر هذه الأحجار باستمرار رغم ظنّه أنّه تخلّص منها…
“هذا شعورٌ رائع!”
“وأنا أيضًا!”
أمسكتُ بيد رايان الذي كان يحمل رزمة الذهب على كتفه، ومشينا بسعادة.
“هل بعتموها؟ كم دفع لكم؟”
سأل ريڤان بمجرد ركوبنا العربة المنتظرة.
رفع رايان إصبعًا واحدًا وهو يضع الرزمة الثقيلة في العربة.
“يا للهول، كلّ تلك الأحجار بـ 10 آلاف فقط؟ هذا قليل…”
“مليون!”
“هااأا! حقًّا؟!”
جلس رايان واضعًا قدمًا فوق أخرى بغرور ولفَّ ذراعه حول كتفي.
بدا وكأنّه لوردٌ ثريّ…
عندما فتح الرزمة قليلًا لتظهر سبائك الذهب، اندهش ميرشين و ريڤان.
“أوه…”
“هيااا!”
أمسك رايان بسبيكةٍ وشمَّ رائحتها وهو يهتف:
“رائحةُ مالِ والدي مذهلةٌ حقًّااا!!!”
كان هذا وضعنا في طريق العودة للمنزل بعد خداع والدي ببراعة من كلّ جانب.
التعليقات لهذا الفصل " 54"