الفصل 36
أمسكتُ بمعصم ريڤان بقوّةٍ.
“أخي، ما الذي تفعله الآن؟”
“أنا أثقُ بالأخ رايان!”
“هاهاها! يا لَها من روابطَ أخويّةٍ رائعةٍ!”
“لا، لحظة! أيّها السيّد!”
نفض المديرُ يدي التي كانت تمسكُ به ببرودٍ ومضى بعيدًا.
وضعتُ يدي على رأسي من شدّة الذهول.
“ما الذي فعلتَه للتوّ؟ هل العشر قطعٍ ذهبية مبلغٌ تافهٌ بالنسبةِ لكَ؟!”
لو كنتُ لا أزالُ أميرة فاسنبيرغ، لربما كان مبلغًا زهيدًا، لكن ليس الآن. أنا الآن ابنةُ أبٍ أعزبٍ فقيرٍ و يتمّ الأحتيال عليه بسهولةٍ، وكلُّ قرشٍ له قيمتُه!
“فاني، اهدأي. دعينا نثق به! أخي سينتصرُ حتمًا!”
“لكن، يا أخي…”
كنتُ مشوّشةً؛ لم أستطع أن أثقَ بريڤان، ولم أستطع ألّا أثق به.
ريڤان الذكيُّ لا يمكن أن يرتكبَ حماقةً كهذه….
في تلك اللحظة، ظهر البطل بانتيرا.
طويلُ القامةِ، مفتولُ العضلاتِ بمرونةٍ، ونظراتُه تنضحُ بالثقةِ.
كان يملكُ جسدًا لا يقلُّ ضخامةً عن رايان، مع أفضليّةٍ واضحةٍ في المهاراتِ القتاليّةِ والتقنيّةِ.
“ألن نسحب الرهان حتّى الآن؟”
“فاني.”
ضحك ريڤان بـخفّةٍ ووقف خلفي ممسكًا بكتفيَّ.
ثمّ أحنى رأسَه وهمس في أذني بصوتٍ خافتٍ جدًّا:
“بعد أن قابلتِه، هل بدا لكِ والدُكِ أحمقَ وساذجًا؟ هل يبدو لكِ كشخصٍ يندفعُ معتمدًا فقط على قدرتِهِ الخارقةِ؟”
“… ماذا؟”
“السجنُ التي كنّا نعيش فيه…. لم يكن سجنًا عاديًّا. لقد كان أبيسوس يا فاني، مكانٌ لا يمكنُ للبشر العاديين الصمودُ فيه بعقولٍ سليمةٍ أبدًا.”
كان صوتُ ريڤان الهامس يبعثُ القشعريرةَ في جسدي.
“حقيقةُ أنّه صمدَ وخرجَ حيًّا من وسط تلك الوحوش، تعني أنّ قوّتَه الذهنيّةَ ليست بشريّةً.”
ثمّ رفع إصبعَه وأشار إلى رايان.
“ذلك الرجل، رايان، كان يُلقّبُ بالملك في حظيرةِ الوحوشِ المجنونةِ تلك.”
“…….”
نظرتُ إلى رايان بصمتٍ.
كان يُحرّكُ كتفيَّه ويُحمّي جسدَه، ثمّ صرخَ في وجه المدير:
“وولف! لم تنسَ وعدَنا، أليس كذلك؟ قلتَ إنّكَ ستجدُ لي عمالَ مناجمَ إذا فزتُ بالبطولةِ!”
“بالطبع يا رايان! هل يُعقَلُ ألّا أفعلَ ذلك لبطلِ عرضِنا القتاليِّ الجديدِ!”
“واااااااو!”
“سحقًا، سيفوزُ رايان!”
أدركتُ أنّ هذا الحوارَ كان مقصودًا؛ أرادَ رايان أن يحصلَ على تأكيدٍ علنيٍّ أمام الجمهور حتّى لا يغدرَ به ذلك المحتالُ.
“أخي كان يتفوّقُ ذكاءً على ذلك المحتالِ منذ البدايةِ.”
“…….”
“لقد فعلَ كلَّ شيءٍ للنجاةِ. حتّى لو كان ذلك يعني التخلّي عن كبريائه لطلبِ التعلّمِ من الوحوشِ.”
واصل ريڤان الهمسَ بصوتٍ مليءٍ بالسخريةِ:
“لقد تعلّمَ الفراسةَ وفنونَ التعاملِ من أكبرِ نصّابٍ في الإمبراطوريّةِ، شخصٌ لا يجرؤ هذا المديرُ حتّى على ذكرِ اسمهِ.”
“ستبدأُ المباراةُ النهائيّةُ!”
صرخ المديرُ.
“… وتلقّى كلَّ فنونِ القتلِ من أعظمِ سفّاحٍ في القارّةِ.”
في اللحظةِ التي أنهى فيها ريڤان كلامَه،
اندفعَ بانتيرا نحو رايان.
* * *
معتقلُ المجرمين من الفئةِ الخاصّةِ، “أبيسوس”.
حظيرةُ الوحوشِ التي ترتدي جلودَ البشرِ.
لا يدخلُ أبيسوس مَن ارتكبَ جُنحةً عابرةً؛ فكلُّ السجناءِ هناك وحوشٌ ارتكبوا جرائمَ يَعجزُ اللسانُ عن وصفِها.
حثالةٌ لا أملَ في إصلاحهم.
حتّى داخل السجن، لم يكن من الممكن السيطرةُ عليهم. كان الجحيمَ بعينهِ.
وكان العنفُ هو الفوضى الأكثرَ حدوثًا بلا منازعٍ.
وحقيقةُ أنّ ريڤان لم يكن سوى صبيٍّ نحيلٍ في الحادية عشرةِ لم تكن تشفعُ له؛ فلو كان لديهم ذرّةٌ من الإنسانيّةِ لَـمَا انتهى بهم المطافُ في أبيسوس.
“ما هذا الصبيُّ الشاحبُ؟”
“إنّه لطيفٌ. هل يمكنهُ قتلُ نملةٍ حتّى؟”
رجالٌ طوالُ القامةِ، ضخامُ الجثّةِ، وجوهُهم مليئةٌ بالندوبِ، وكلامُهم فاحشٌ….
عندما قرّر ريڤان أنّ المقاومةَ لا جدوى منها.
“هيه، انصرفوا جميعًا.”
ظهر رايان.
“مَن هذا اللعين؟”
“مهلًا، مهلًا. إنّه هو، أليس كذلك؟”
تهامسَ الرجالُ ثمّ اختفوا بسرعةٍ.
كان رايان هو المفترسَ حتّى في حظيرةِ الوحوشِ هذه؛ لأنّه كان “صاحبَ قدرةٍ” دخل السجنَ بعد أن ذبحَ حشودًا من البشرِ.
“أجل، انصرف أنتَ أيضًا. أيّها الشيطانُ اللعين. لستُ ممتنًّا لكَ على الإطلاقِ.”
“…….”
كان رايان يتبعهُ ويساعده في كلِّ مرّةٍ، لكنّ ريڤان لم يكن يتقبّلُ تلك الأفعالَ التي يراها نابعةً من شعورٍ رخيصٍ بالذنبِ.
وفي يومٍ من الأيّام–
“سحقًا! هل سنفعلُ شيئًا سوى الموتِ على أيّ حالٍ!”
“اسحقوهُ فقط!”
لم يستطع الرجالُ تحمّلَ رايان الذي كان يقفُ في طريقهم دائمًا بغطرسةٍ، فانفجرت إحدى الجماعات أخيرًا.
‘يا إلهي، أيهاجمون صاحبَ قدرةٍ؟ هل يريدون الموتَ؟’
لكنّ الذي أُهينَ كان رايان.
دُهش الجميعُ وهم يرون رايان يتلقّى ضربًا مبرحًا حتّى بصقَ الدمَ.
وحتّى أولئك الذين ضربوه غادروا وهم في حالةِ ارتباكٍ.
توجّه ريڤان للمرّةِ الأولى بحديثهِ إلى رايان الملقى على الأرضِ وهو يسعلُ دمًا:
“… ما الذي تفعلهُ؟ لماذا لم تُحرِق رؤوسَهم جميعًا بقدُرتِكَ؟”
“…….”
لسببٍ ما، لزمَ رايان الصمتَ.
بعد ذلك اليوم، انتشرت الإشاعاتُ.
لماذا سيأتي سليلُ عائلةِ فاسنبيرغ العظيمةِ إلى هنا أصلًا؟ لا بدّ أنّه أثار غضبَ والده الدوق.
بما أنّه أثار الفوضى باستخدام قدرتِهِ، فقد أمره الدوقُ بالعيشِ بهدوءٍ في السجنِ حتّى يخرجَ.
قيل إنّ العائلةَ هدّدته بالطردِ إذا لوّث اسمَها مرّةً أخرى، وإنّ هذا الوغدَ خائفٌ الآن من خسارةِ مكانتِهِ.
وبعد ذلك، حاول رايان القتالَ بقبضتيهِ عدّة مرّاتٍ وتلقّى ضربًا شديدًا، ممّا جعل الإشاعاتِ تستقرُّ على حقيقةٍ واحدةٍ.
رايان فاسنبيرغ لن يستخدمَ قدرتَه أبدًا.
في ذلك اليوم أيضًا، كان رايان ملقًى على الأرضِ بعد أن تلقّى ضربًا مبرحًا بدلًا من ريڤان.
“هيه، لستُ ممتنًّا لكَ بتاتًا، لذا توقّف. يبدو أنّ والدكَ هدّدكَ بالعقابِ إن استخدمتَ قوّتكَ….”
سفّاحٌ؟ لا، كان صاحبُ القدرةِ الذي لا يستخدمُ قدرتَه مجرّدَ فتىً في الثانية عشرةِ.
“لا تهتمَّ بي وارحل أرجوك. عش حياتَكَ وحدكَ.”
“هاهاها…”
ضحكَ رايان، وكأنّ كلماتِ ريڤان التي تبدو كقلقٍ عليه قد أضحكتهُ.
“هيه. إذا قلتُ لكَ إنّني لستُ مَن قتلَ أولئك الناس في ذلك اليوم، هل ستصدّقني؟”
“ما هذا الهراء…”
“أنا لا أمتنعُ عن استخدامِ قدرتِي، بل لا أستطيعُ استخدامها. أنا لا أملكُ قدرةً أصلًا.”
… ومنذ ذلك اليوم، أصبحا يسيران معًا.
يأكلان معًا، يضحكان معًا، ويُضربان معًا.
“يا سموَّ الأمير، لماذا تتجوّلُ بهذا الشكلِ؟”
في أحد الأيّام أثناء الطعام، اقترب رجلٌ تبدو على عينِهِ ندبةٌ مخيفةٌ وتظاهرَ بمعرفةِ رايان.
كان هذا الرجلُ مشهورًا بالفعل في أبيسوس.
أعظمُ سفّاحٍ في القارّةِ.
كلبُ فاسنبيرغ.
الرجلُ الذي ارتكبَ أكبرَ عددٍ من الاغتيالاتِ في تاريخ الإمبراطوريّةِ، نوكس سيراخ.
حتّى في حظيرةِ الوحوشِ، هناك مفترسون، وكان نوكس هو الوحشَ الأعلى رُتبةً.
كان نوكس وحيدًا دائمًا وسط الجماعاتِ التي تتجوّلُ هنا، لكن لم يجرؤ أحدٌ على لمسِهِ.
لأنّهم يعلمون أنّ لمسَه يعني الهلاك.
“ارحل. أنا لا أتحدّثُ مع الحثالةِ.”
لكنّ رايان كان شجاعًا كالعادةِ، حتّى أمام نوكس المخيفِ.
قيل إنّ هذا الوغدَ شيطانٌ.
رجلٌ تولّى كلَّ الأعمالِ القذرةِ لعائلة فاسنبيرغ منذُ شبابِهِ.
وعندما تقدّمَ في السنِّ، تمامًا ككلبِ صيدٍ انتهت مهمّتُه فيُلقى به في القِدرِ، انتهى به المطافُ في أبيسوس بعد أن تحمّلَ جرائمَ العائلةِ الكبرى.
قيل إنّه الرجلُ الذي يستحقُّ الموتَ هنا أكثر من أيِّ شخصٍ آخ
رَ.
“أوه، يا سموَّ الأمير. لقد أخبرتُكَ ألّا تفعلَ ذلك. حركاتُ الذراعِ الواسعةِ تجعلُ الخصمَ يكتشفُكَ فورًا.”
“فهمتُ، أيّها الوغدُ القذرُ.”
بعد مرورِ بضعةِ أيّامٍ، عقدَ نوكس ورايان تحالفًا مؤقّتًا.
لا أحد يعلمُ ما هي الصفقةُ التي تـمّت بينهما، لكنّ نوكس أصبح درعًا للصبيين داخل أبيسوس.
وبدأ في تعليمِ رايان.
طرقَ زيادة القوّةِ البدنيّةِ، بناء الجسدِ، فنون القتالِ، كيفيّة مواجهةِ الخصومِ المتعدّدين، وحتّى تقنيّة القتلِ السريعةِ والمؤكّدةِ التي يُطلقُ عليها سلاحُه السريُّ.
نما رايان وترعرعَ علي يده.
نما لدرجةٍ أصبح فيها طولُه وضخامةُ جسدِهِ كافيين لإرهابِ الخصمِ قبل أن يبدأَ القتالُ.
وعندما بلغَ السادسة عشرةَ تمامًا…في يومِ وصولِهِ لسنِّ الرُّشدِ.
صاحبُ القدرةِ الذي لم يستخدم قدرتَه مرّةً واحدةً، جعلَ كلَّ وحوشِ أبيسوس تجثو على رُكبِها بقوّتِهِ المجرّدةِ فقط.
كان ذلك هو اليومَ الذي وُلد فيه ملكُ الوحوشِ.
“خخخ. أباركُ لكَ يا سموَّ الأمير. الآن حتّى أنا لن أتمكّنَ من هزيمتِكَ.”
في اليوم التالي لإعلانِ نوكس أنّه لم يعد لديهِ ما يُعلّمُه لرايان.
انتحرَ نوكس.
صُعق ريڤان حينها.
رغم أنّه كان شيطانًا ارتكبَ جرائمَ لا تُغفرُ، إلّا أنّه كان أيضًا الرجلَ الذي حمى صبيين مظلومين لينموا بسلامٍ في حظيرةِ الوحوشِ.
لكنّ رايان، وهو ينظرُ إلى جثّةِ معلمهِ الذي رحلَ دون حتّى كلمةِ وداعٍ، قال ببرودٍ: “هذه نهايةٌ تليقُ بالشيطان.”
ثمّ ربتَ على كتفِ ريڤان المصدومِ،
“لا تذرفِ الدموعَ على موتِ مَن يستحقُّ الموتَ.”
كان أوّلُ شيءٍ فعله رايان عندما قرّر الانتقامَ هو استئصالُ المشاعرِ غيرِ الضروريّةِ.
لقد عاهدَ نفسَه على قتلِ أفرادِ عائلتِهِ بيديهِ مستقبلاً، وصقلَ نفسَه مرارًا وتكرارًا حتّى لا يتردّدَ عندما يحينُ ذلك اليومُ.
نظر ريڤان إلى رايان الذي كان يغطُّ في نومٍ عميقٍ ويشخرُ في يومِ وفاةِ معلّمِهِ، وفكّر.
‘إنّه مجنونٌ يملكُ قوّةً ذهنيّةً مرعبةً. هكذا فقط يمكن للمرءِ النجاةُ هنا….’
* * *
اندفعَ بانتيرا،
ولم يتحرّك رايان قيدَ أنملةٍ.
تلاقى الجسدان للحظةٍ،
ثلاثُ ثوانٍ… لا، ثانيتان؟
-بوووم!
سقطَ بانتيرا على الأرضِ.
أطلقَ صرخةً مكتومةً وهو يقلبُ عينيهِ وجسدُه يرتجفُ بعنفٍ.
لقد فقدَ القُدرةَ على القتالِ.
ساد الصمتُ الأرجاءَ الصاخبةَ وكأنّما سُكبَ عليها ماءٌ باردٌ.
لم يستطع أحدٌ أن يرى بوضوحٍ ما الذي حدث في تلك اللحظةِ الخاطفةِ، لكنّ المباراةَ انتهت ووُجد الفائزُ.
وسط ذهولِ الجمهورِ، التفتَ رايان إليّ وابتسمَ بـخُبثٍ.
أما أنا، وبينما كنتُ أنظرُ إليه… شعرتُ بالخوفِ.
التعليقات لهذا الفصل " 36"