الفصل 23
“يبدو أنّكِ أسأتِ الفهم.”
رفعت فانيسا رأسها الذي كان مطأطأً لأنّها لم تجرؤ على النظر في عينيه.
“بالطبع، حقيقة أنّني كنتُ أتلقّى مساعدة الآنسة صحيحة، وأنا ممتنٌّ لذلك دائمًا. لكن أن يكون هذا هو السبب في أنّني… كلّا.”
“…….”
“لقد تصرّفتُ فقط بناءً على ما يمليه عليّ قلبي. انتظاري للرسائل التي ترسلينها كلّ يوم، ومبادرتي بمراسلتكِ عندما تخطرين ببالي كان كلّه بأرادتي.”
تحدّث نايكي ببطء وبنبرته الهادئة المعتادة.
“عندما طلبتِ الذهاب لمشاهدة الزهور، أردتُ أن أريكِ أجمل مكانّ أعرفه. وعندما رأيتُ بروشًا جميلًا… اشتريتُه دون تفكير لأنّني شعرتُ أنّه سيليق بكِ.”
“…….”
“كلّ تلك التصرّفات التي قمتُ بها تجاهكِ حتّى الآن… فعلتُها لأنّ قلبي أراد ذلك، ولم أتصنّعها يومًا.”
تأثّرت فانيسا بكلمات نايكي.
‘لقد تحدّث كثيرًا…’
حتّى لو لم يكن تبريره صادقًا، لم يكن ذلك يهمّ. فقد كان وقعه جميلًا على أذنيها.
“شكرًا لأنّك قلتَ لي ذلك.”
استجمعت فانيسا قوّتها ونهضت وهي تحاول ألّا تبكي.
“أنا آسفةٌ حقًّا على كلّ شيء.”
وبمجرّد أن استدارت، انهمرت الدموع التي كانت تحبسها.
لقد أحببتُه حقًّا.
كان هو الرجل الذي وقعتُ في حبّه من النظرة الأولى.
وكلّما التقيتُ به، كانت جاذبيته الأخرى تُنسيني وسامة وجهه وتجعلني أقعُ في حبِّه لأسبابٍ أخرى.
بدأ إعجابًا من نظرة، ومع اللقاءات صار شعورًا أصدق.
كان قليل الكلام لكنّه حنون، ووجهه المبتسم الذي يظهره أحيانًا كان رائعًا.
أفعاله الطيّبة والمهذّبة، خطّ يده المستقيم تمامًا كشخصيته، وصوته المنخفض والهادئ، كلّ شيء فيه…
كان يجعلني أقعُ في حبِّه مجددًا و مجددًا.
“آنسة فانيسا.”
شعرتُ بيده تمسك معصمي، ثمّ أدار جسدي نحوه.
ذُهل نايكي برؤية وجه فانيسا الذي غرق في الدموع فجأة.
ظلّ صامتًا لفترة طويلة.
عضّ شفتيه، واستجمع أنفاسه الضحلة.
وبعد أن ظلّ متردّدًا ومشوشًا يفكّر لوقت طويل، غمر فانيسا فجأة بين ذراعيه.
“….!”
-دبّ، دبّ، دبّ.
كانت تسمع صوت نبضات قلبه وكأنّه سيقفز من صدره.
ذُهلت فانيسا.
لأنّ صوت نبضات القلب هذا… كان صدقًا لا يمكن التشكيك فيه.
“فانيسا.”
توالت المفاجآت.
لقد مرّ عامان كاملان على معرفتهما لبعضهما، و هذه المرة الأولى التي ناداها باسمها بدلًا من “آنسة” أو “أميرة فاسنبيرغ”.
“… لا ترحلي.”
“…….”
“أنا أيضًا… أنا أيضًا أحبّكِ.”
“هاااااا!؟”
هكذا حصلت فانيسا على أول اعترافٍ. ثمّ أوّل عناق.
“إذًا، بدأنا المواعدة بعد عامين من لقائنا…”
كان من الجميل استعادة تلك الأيام النقية بعد وقت طويل.
“لقد كنّا رائعين حقًّا…”
“…….”
“…….”
فجأة عندما نظرتُ أمامي، كان رايان وريڤان يعضّان شفاههما بقوّة.
يبدو أنّ الأمر مضحك بالنسبة لهما…
تمتم رايان الذي كان يحاول حبس ضحكته والدموع تترقرق في عينيه:
“يا لكِ من فتاة، يبدو أنّكِ عشتِ قصة حبٍّ مذهلة…”
* * *
انتهى التنظيف!
نهض رايان وهو يسند ظهره المتعب.
“أخي، احمل الصغيرة وانقلها.”
عندما التفت رايان بناءً على كلام ريڤان، وجد فانيسا قد غطّت في النوم.
كانت جالسة على كرسي المطبخ بوضعية غير مريحة، وخدّها ملتصق تمامًا بالطاولة.
“إنّها لا تستيقظ مهما ناديتُها. يبدو أنّها كانت متعبة. ضعها في الغرفة التي في الداخل تمامًا. لقد وضعتُ هناك وسادة وبطانية.”
“حاضر.”
رفع رايان جسد فانيسا وحملها. كانت نائمة بعمق ولم تستيقظ.
لا بدّ أنّها متعبة…
فقد ولدت وعاشت كأميرة، أليس هذا أوّل عمل شاقّ تقوم به في حياتها؟
ومع ذلك، كان من المثير للإعجاب كيف كانت تكنس وتمسح هنا وهناك دون تذمّر.
وضع رايان فانيسا على السرير وتفحّص الغرفة.
غرفة بها طاولة زينة بمرآة وطاولة شاي واسعة. ربما كانت هذه غرفة سيدة المنزل السابقة.
بينما كان يهمّ بالخروج وهو يفكّر أنّ الغرفة ليست سيّئة.
“عزيزي، هل تواعدني لأجل هذا فقط؟”
“….؟”
ماذا…
التفت رايان بسرعة.
كانت فانيسا لا تزال نائمة.
…هل تتكلم أثناء النوم؟
“لننفصل…”
غطّى رايان فمه على الفور.
لا، لا تضحك!
هذا حبٌّ نقيّ لطفلة في الثانية عشرة تبكي حتّى وهي تحلم…
لا يجوز السخرية منه أبدًا!
* * *
“عزيزي، هل تواعدني لأجل هذا فقط؟”
كانت الشجارات تحدث بيننا أحيانًا.
ومعظمها كان يبدأ من تذمّري الطفوليّ.
“لا.”
“ما هو الـ ‘لا’؟ لا أستطيع تصديقك. لطالما قلتَ إنّك مشغول، والآن فقط تقابلني. فقط لأنّني سرّبتُ لك معلومات مزاد أخي الثاني.”
“…….”
“هل تعرف كم غضب والدي بسبب ذلك؟ لقد شعرتُ وكأنّني سأتمزّق من الخوف…”
عندما أفكر الآن، كنتُ حقًّا أسوأ حبيبة.
منصبه كقائد للفرسان الإمبراطوريين وحده لا يترك له وقتًا للراحة.
أضف إلى ذلك أنّه كان شخصًا لا يكفيه 24 ساعة في اليوم وهو يحاول منع وتدارك ما يرتكبه إخوتي في كلّ لحظة.
لكن بينما كان يتقصّى خلف أوباش عائلتي، لم يستخدمّني أو يطلب منّي شيئًا أبدًا.
كلّ ما فعلتُه كان بمتطوّعة منّي.
سواء كان سرقة السجلّات السرّية لأخي الثاني، أو تحطيم تحطيم شبكة الفساد الطبية لأختي الثالثة…
كلّ ذلك.
“أنا آسف.”
كان يعتذر دائمًا.
“إذا كنت آسفًا لننفصل إذًا.”
وكنتُ أفعل أسوأ شيء يمكن فعله في علاقة بين حبيبين بصفة مستمرّة.
لم يكن هذا رغبةً في الانفصال، بل لأتأكّد من مشاعره تجاهي.
هل يحبّني حقًّا؟
بما أنّني أبدو كامرأة مستعدّة لتقديم كلّ شيء من أجل الحبّ، ألا يستخدمّني في خفية؟
في ذلك الوقت، كنتُ أشكّ في مشاعره بلا نهاية.
“فانيسا.”
لكنّه كان يتمسك بي دائمًا.
“هل كرهتِني؟”
وكان يهدّئني.
لم يغضب يومًا، ولم يدخل معي في صراع كبرياء. ولا مرّة واحدة.
“… لا.”
“إذا لم يكن الأمر كذلك، فأنا لا أريد الانفصال.”
“هل تحبّني حقًّا؟”
“…….”
“… لماذا لا تجيب؟”
“لأنّكِ لن تصدّقي على أيّ حال.”
كان ذلك صحيحًا.
رغم شخصيته الهادئة، كان يقول إنّه يحبّني كثيرًا، لكن لم يكن لديّ يقين إن كان قلبه صادقًا أم لا…
“لديّ شيء أخبركِ به.”
في ذلك اليوم الذي فتح فيه فمه أخيرًا، لأسمع سرًّا لا ينبغي سماعه، سرًّا تتوقّف عليه حياته.
حينها أدركتُ أنّني إنسانة فظيعة حقًّا.
امرأةٌ فشلت تمامًا كحبيبة.
كان ذلك هو اليوم الذي فكرتُ فيه هكذا.
“… ماذا قلت؟”
عرفتُ حينها حقيقة مجزرة كونراد.
وتجربة زرع القدرات الخارقة.
قال إنّه صاحب قدرةٍ مُصنعة. قصيدة التراجع.
نُقلت إليه قدرة الدوق فاسنبيرغ السابق…
“هل تطلب منّي تصديق هذا؟”
في الحقيقة، لم يكن بإمكاني ألّا أصدّقه.
كلّ الظروف التي تحدّث عنها.
إدراكه التامّ لطرق استخدام القدرات التي لا يعرفها إلّا أفراد عائلة فاسنبيرغ.
و…
“يمكنكِ التأكّد.”
اليد التي مدّها نحوي.
بمجرّد أن ألمسها، سنتراجع بالزمن معًا.
إذا تراجعنا بالزمن ونحن نحمل الذكريات معًا ولو للحظة قصيرة، سيكون ذلك إثباتًا قاطعًا.
“أيها الأحمق؟ لماذا… لماذا تخبرني بسرّ كهذا… لي أنا؟”
لقد كان تصرّفًا وضع فيه حبل مشنقتِه بيدي.
ماذا سيحدث لو انفصلنا؟
ماذا لو خنتُه؟
ماذا لو أخبرتُ عائلتي بسرّه؟
“أريد منكِ أن تصدّقيني.”
استمرّ في الابتسام وهو يطلب منّي الإمساك بيده.
“أنا أحبّكِ. بصدقٍ.”
“…….”
في ذلك اليوم، لم أمسك بيده.
قلتُ إنّني سأصدّقه دون أن أتأكّد هكذا.
واعتذرتُ لأنّني شككتُ فيه.
أتذكرُ أنني أنتحبتُ بشدّة.
أنا آسفة.
كنتُ سيّئة.
لن أفعل هذا مجدّدًا.
لن أتذمّر أبدًا.
آسفةٌ لأنّني شككتُ في قلبك…
أنا حقًّا، حقًّا آسفة…
-رمشة. رمشة.
تسلّل ضوء الشمس.
“آه، حلم…”
حلمتُ باليوم الذي أندم عليه أكثر من غيره.
ذلك اليوم الطفوليّ الذي جعلتُه فيه يُفشي سره بسبب شكي في حبّه.
وفي ذلك اليوم.
“آآآآه!”
لماذا لم أمسك بيده!
أنا نادمةٌ على تصرّفي الأحمق ذاك!
-بانج! بانج!
مهما ضربتُ الوسادة بقوّة، لا يمكنني إعادة ما مضى.
لو أمسكتُ بيده في ذلك اليوم، لكنتُ قد حصلتُ على قدرة التراجع.
حينها، في يوم عودتي بالزمن، كان بإمكاني أنا أن أعيد الزمن وليس هو.
بخلاف نايكي، صاحب القدرة المُصنعة الذي كان عليه بيع ذكرياته ليعود بالزمن، لو كنتُ أنا من سبب التراجع، لربما كنّا الآن نتذكّر بعضنا البعض.
“حمقاء.”
حمقاء حقًّا.
“أنا حمقاء!!”
“ما الأمر يا حمقاء!”
يا للهول. سمعتُ صوت رايان من الخارج.
“إذا استيقظتِ، اخرجي لتناول الإفطار!”
آه أجل، لننسَ ما مضى ولنبدأ من جديد.
أستطيع فعل ذلك.
لا يمكنني الفشل.
وإذا فشلتُ؟
سأحاول عشرات، بل مئات المرّات.
حتّى أنجح.
“حاضر! أنا قادمة~!”
قدرة التراجع.
أنا أمتلكها الآن.
التعليقات لهذا الفصل " 23"