الفصل 22
“ماذا؟ ما الذي لا يمكن فجأة؟”
“الارتباط! الارتباط لا يمكن.”
“؟”
لا بدّ أنّ رايان يخطّط للعيش متخفيًّا كما فعل في الحياة الأولى، ثمّ الهجوم فجأة لقتل الجميع، لكنّني كنتُ مختلفة.
إذا سارت الأمور وفق خطّتي… وبخلاف الحياة الأولى التي لم يكن يُعرف فيها إن كان رايان حيًّا أم ميتًا، سيكون من المستحيل تجنّب إدراك عائلة فاسنبيرغ لوجودنا.
‘ربما لا يبالون بنا الآن، لكن بمجرد أن نكبر بما يكفي لنشكّل تهديدًا، سيتحرّك والدي بالتأكيد.’
والدي، الدوق فاسبيرغ، رجلٌ مخيف.
تصفية شخص ما بالنسبة له ليست أمرًا يُذكر، وإذا وقف أحدهم في طريقه، فإنه يتحرك دون وازع من ضمير أو وسيلة.
‘علاوة على أنّه دقيق وخسيس…’
هو الإنسان الذي شجّع أبناءه على الحبّ فقط ليخلق لهم نقاط ضعف.
‘سيكون علينا مواجهة والد كهذا في المستقبل، فهل نصنع لأنفسنا نقاط ضعف بأيدينا؟’
أنا على الأقل صاحبة قدرة خارقة يمكنها حماية نفسها، لكن ماذا عن الفتيات العاديّات اللواتي قد يرتبطن برايان؟
ماذا لو تعرّضن لمكروه؟
اختطاف، تهديد، حبس، اغتيال…
كان والدي إنسانًا يمكنه الإقدام على أسوأ الاحتمالات التي قد تخطر ببالك دون أدنى شعور بالذنب.
أنا آسفة، لكن الارتباط… بعد أن ينتهي كلّ شيء!
يجب أن يحدث حينها!
“أيّ شيء غير الارتباط! اطلب أيّ شيء آخر تودّ القيام به!”
“…عذرًا. من أنتِ لتأمريني بالارتباط من عدمه؟”
بالطبع، استغرب رايان الأمر بشدّة.
“هل تنوي الارتباط ببرود وأنت تخطّط للانتقام؟”
“هووو…؟”
ممم. قبل قليل كنتُ أفكّر في نفسي بأنّني لا أريده أن يعيش غارقًا في الانتقام وحده، وأشعر بالأسف قليلًا الآن ولكن…
“لم أكن أفكّر في الأمر بجدية، لكن فجأةً تولّدت لديّ الرغبة في عنادكِ الآن!”
“لا يمكن! افعل ذلك بعد انتهاء الانتقام!”
“من تظنين نفسكِ؟ هل أنتِ والدتي؟!”
في تلك اللحظة، خيّم ظلٌّ بجانبنا.
“هل… تتكاسلان عن العمل الآن؟”
كان ريڤان ممسكًا بالمكنسة.
“يا هذا، انظر إليها، إنّها مضحكة. فجأةً تطلب منّي ألّا أرتبط. وكأنّها والدتي…”
“كفّ عن الكلام الفارغ ونظّف!”
بدأ رايان على الفور بمسح إطار النافذة مجدّدًا وهو يتعمّد مضايقتي.
“أوه~ انتظري فقط~ سيُحضر لكِ هذا الأب زوجة أبٍ جديدة~”
“إييييك!”
يا للهول. قد يبدو كلامي الآن غير منطقيّ بالنسبة له، ولا يمكنني شرح خططي المستقبلية بالتفصيل…
لكن إذا عاند رايان حقًّا وخرج ليُحضر امرأة ما…
“أبي، الارتباط ليس شيئًا كبيرًا. أنتَ تشعر بالفضول لأنّك لم تجرّبه، لكن عندما تفعل، لن تجد فيه شيئًا مميّزًا.”
“تتحدّثين وكأنّكِ جرّبتِ الأمر؟”
“بالطبع جرّبتُه. عمري بالفعل… أوه، اثنا عشر عامًا!”
“……”
“……”
ساد الصمت.
تبادل رايان وريڤان النظرات وهما يرمشان بذهول.
“أهاهاهاهاك!”
“فوهاهاهاهاها!”
انفجرا بالضحك حتّى اهتزّ القصر.
“آه~ حسنًا، حسنًا. ابنتنا الصغيرة خاضت تجربة الحبّ أيضًا؟”
“يا إلهي سأفقد عقلي حقًّا~”
“ماذا، هل كان صبيًّا من الخدم في القصر؟ كم كان عمر حبيبكِ الصغير~؟”
“آه، أخي الكبير! كفّ عن مضايقة الطفلة~”
بدا الاثنان مستمتعين للغاية.
حسنًا، فليسيئا الفهم كما يشاءان…
المهمّ هو أنّني نجحتُ في تحويل الموضوع عن ارتباط رايان.
“لن تريه مجدّدًا الآن، ماذا ستفعلين؟”
“لا بأس.”
“متى التقيتما~؟”
“أجل. منذ متى وأنتما تتواعدان~؟”
“……”
يبدو أنّ قصة حبّ في الثانية عشرة كانت مثيرة للاهتمام لرجلين قضيا نصف عمرهما في السجن.
“ممم.”
متى التقينا؟
بدأتُ أحسب الوقت في رأسي.
التقينا لأوّل مرّة حين كنتُ في السادسة عشرة، وافترقنا حين عدتُ بالزمن في سنّ العشرين.
عرفته لمدّة 4 سنوات.
إضافة إلى مرور عامين منذ عودتي بالزمن…
“إذًا، أوّل مرّة التقيتُ فيها بحبيبي كانت قبل 6 سنوات.”
“ففف! التقيتِ به في السادسة؟”
“أجل، السادسة هي سنّ ذروة الحبّ والارتباط!”
“……”
***
كان نايكي فالنسييه رجلًا قليل الكلام.
نادرًا ما كانت إجاباته تتجاوز الجملة الواحدة. لدرجة أنّ أكثر كلمة سمعتها فانيسا بعد معرفتها به كانت “نعم”.
“الطقس جميل جدًّا، أليس كذلك؟”
“نعم.”
“ضحكات الأطفال تسرّ القلب أيضًا~”
“نعم. هذا صحيح.”
‘هل يستمع لكلامي حقًّا؟ ألا أقوم بمضايقة شخص لا يحبّني؟’
رغم تلك المخاوف، لم تستسلم فانيسا. لو لم تكن لديه مشاعر، لما استمرّ في الخروج لملاقاتها بانتظام.
“هل نتناول العشاء معًا؟”
“نعم.”
“هل تحبّ المأكولات البحرية؟”
“نعم.”
“هل تقبل أن تصبح حبيبي؟”
“……”
تمّ رفضي.
‘على الأقل كان يستمع لكلامي!’
حتى في تلك اللحظة، فكّرتُ بإيجابية.
فانيسا، في السادسة عشرة.
نايكي، في العشرين.
فشل الاعتراف الأوّل في ذلك اليوم فشلًا ذريعًا، لكنّ العلاقة بينهما لم تتغيّر كثيرًا.
لأنّ فانيسا لم تعرف اليأس واستمرّت في المحاولة…
بالطبع، كانت محاولة مبنيّة على رؤية بصيص من الأمل.
كان نايكي يردّ على رسائل فانيسا بانتظام، ويخرج معها لمشاهدة الزهور، وفي بعض الأيام كان يهديها هدايا، وإذا حلّ الظلام كان يرافقها في طريق عودتها.
لكن رغم ذلك، كانت كلّ الاعترافات التي قامت بها بشجاعة تُقابل بالرفض.
لماذا؟
عرفت السبب بعد وقت ليس ببعيد.
عائلة فانيسا، فاسنبيرغ، لم تكن مجرّد عائلة ذات نفوذ.
بل كانت العائلة التي تنخر في عظام الدولة وتستخدم القوّة للسيطرة عليها.
بمعنى آخر… عائلة الدوق فاسنبيرغ هي السبب في فساد عائلة فالنسييه الإمبراطورية.
عائلتان مثل الزيت والماء، لا يمكن أن يختلطا أبدًا.
بالنسبة لنايكي، فرد العائلة الإمبراطورية، كانت فانيسا، ابنة العائلة الفاسدة، هي الشخص الوحيد الذي لا يمكنه قبوله حتّى لو قَبِلَ كلّ ناس العالم.
الآن فانيسا، في الثامنة عشرة.
كان هذا العام الثاني من حبّها لـ نايكي من طرف واحد.
خلال ذلك الوقت، حاولت الوقوف في وجه والدها، ونصحت إخوتها وأخواتها بالتوقّف عن أفعالهم السيّئة، وحاولت إفساد خططهم.
ثمّ استسلمت.
لم تكن تستطيع فعل شيء بمفردها.
“هل وصلت؟”
كما هو حاله دائمًا، خرج نايكي لملاقاتها عندما طلبت ذلك.
كانت فانيسا تنوي اليوم الاعتذار و توديعه.
“سموّ الأمير، أنا حقًّا آسفة. لا بدّ أنّني كنتُ مصدر إزعاج لك طوال هذا الوقت؟”
“عن ماذا تتحدّثين؟”
لقاءات بسيطة استمرّت لعامين.
كان نايكي رقيقًا دائمًا معها رغم بروده.
رغم علم فانيسا أنّ كلّ تصرّفاته كانت نابعة من شعوره بأنّه “لا مفرّ من فعل هذا”، إلّا أنّها تمسّكت بهذه العلاقة حتّى الآن.
“أعني، ذلك هو…”
الموقف كان واضحًا لكليهما، لكن كان من الصعب التصريح به علنًا.
ماذا أقول؟
أنّ عائلتي هي المجرم الرئيسيّ الذي يدمّر بلدك، وأنّهم وحوش ولصوص؟
وأنّني أعلم أنّ هذا هو السبب في عدم قدرتك على قبولي؟
بدلًا من تلك الكلمات المخزية، اعترفت فانيسا بالأمر بشكل غير مباشر.
“لقد كنتُ غبيّة ولم أكن أعرف الكثير عن أمور العائلة حتّى الآن. في الحقيقة، كنتُ نائبة لربّ الأسرة بالاسم فقط.”
“……”
“أنا آسفة. أعلم أنّ السبب في قبولك لمقابلتي حتّى الآن هو حاجتك لقدرتي الخارقة على الشفاء في كلّ حملة تطهير… في الحقيقة كنتُ أعلم ذلك.”
كانت تعرف السبب الذي جعل نايكي مضطرًا لتحمّل ملاحقتها المزعجة له.
تهديد الوحوش السحرية.
المحاربون الذين يبذلون أرواحهم طوعًا لحماية الأرض.
نايكي الذي يرغب في إنقاذ أكبر عدد ممكن منهم…
كانت فانيسا تستغلّ حاجة نايكي لقدرتها الخارقة الضئيلة.
رغم علمها بأنّ هذا لا يجوز لكنّها استمرت في ذاك.
لأنّه لولا فائدتها، لما وافق نايكي على رؤيتها.
‘ومع ذلك… كنتُ أظنّ أنّ كلّ شيء سيصبح على ما يرام يومًا ما عندما تتغيّر عائلتي…’
كانت عائلة فاسنبيرغ قد ارتكبت الكثير بالفعل. لقد فسدت من الجذور لدرجة يصعب معها الإصلاح.
بعد اعترافها بأنّ الأمر ميؤوس منه، قرّرت أنّه لا ينبغي لها إثقال كاهل نايكي أكثر من ذلك.
تلك الأفعال الخسيسة المتمثّلة في استمرار اللقاءات، عليها التوقّف الآن…
“لن أزعج سموّ الأمير أبدًا بعد الآن. لن أتّصل بك، ولن أطلب مقابلتك. حتّى لو تواجَدنا في نفس المكان، سأتظاهر… سأتظاهر بأنّني لا أعرفك.”
“آنستي.”
“إذا كنتَ قلقًا من أنّني قد لا أحضر عندما تكون هناك حملة تطهير، فلا داعي للقلق بشأن ذلك أبدًا.”
لم تكن فانيسا تريد لـ نايكي أن يفكّر بـ’لا بدّ أنّها ابنة تلك العائلة في النهاية’.
“سأحضر في أيّ وقت. نادِني إذا احتجتَ لمساعدتي. صحيحٌ أنّني كنتُ ألاحقك لأنّني أحبّك… لكن عدم نجاح الأمور بيننا لا يعني…”
هيا فانيسا لا تبكي. مثل الحمقاء.
“لـ-لا يعني أنّني سأتوقّف عن مساعدة الأشخاص الذين يُصابون وهم يقاتلون بجدّ…”
تحمّلي. لا تبكي أبدًا.
عضّت فانيسا شفتيها بقوّة وقالت: “أنا-أنا لستُ هكذا…. لستُ ذلك النوع من الأشخاص…”
التعليقات لهذا الفصل " 22"