“أنت شجاعٌ حقًّا، رغم أنّ هذا المكان قد يقتلك في لمح البصر… هل أنت بحاجة ماسّة للمال إلى هذا الحدّ؟”
سأل ريڤان بوجهٍ يبدو وكأنّه ذاهبٌ إلى حتفه، بينما كان ينقل الأمتعة إلى العربة.
“نعم. لديّ شخصٌ مريضٌ في المنزل.”
“يا لك من فتىً رائع رغم صغر سنّك.”
رفع رايان الأمتعة الثقيلة بكلّ سهولة ووضعها دفعةً واحدة.
كانت هذه الأمتعة عبارة عن طعام ومستلزمات يوميّة اشتراها قبل قليل، تكفي للصمود لمدّة أسبوعين تقريبًا.
طعام؟ مستلزمات؟ لماذا؟ ظلّ جان يراقب الأمتعة بعينين غير مصدّقتين وهو يساعد في نقلها، حتّى سأل في النهاية.
“ربّما لستُ محقًّا، وأسأل فقط من باب الاحتياط… أنتم لا تنوون العيش في بيلزر، أليس كذلك؟”
“بلى؟، هذا صحيح.”
صُدم جان من إجابة رايان. فأخرج رايان وثيقة ملكيّة الأرض التي طواها ووضعها في جيب قميصه الأماميّ وأراها له.
“لقد اشتريتُ تلك الأرض. أنا مالكها الآن. إنّها كلّ ثروتي.”
“ماذا تقول؟!”
وكأنّه توقّع ردّ الفعل المذعور هذا، لم يزد رايان كلمة واحدة وتابع نقل الأمتعة.
بينما ظلّ ريڤان يتمتم بكلمات قد يُساء فهمها مثل: “نحن ذاهبون للموت، ذاهبون للموت… ربما سأُذكر كعبقريّ مات قبل أوانه…”
نظر جان بوجهٍ شاحب إلى كليهما بالتناوب، ثمّ سحب ذراعي فجأة وقادني بهدوء إلى الزاوية.
قال بنبرة حازمة: “اسمعي جيّدًا. أقول لكِ هذا لأنّني أعتبركِ مثل أختي الصغرى. من الأفضل ألّا تذهبي معهما. على ما يبدو، هؤلاء الأشخاص الآن… يخطّطون لأمرٍ سيّئ ويحاولون الذهاب إلى بيلزر.”
ممم، يا له من سوء فهمٍ هائل.
“لقد فكّرتُ في تلك الأفكار السيّئة من قبل لذا أعرفها. عندما تضيق الدنيا، يفكّر المرء أحيانًا: ‘هل يجب أن نموت جميعًا فحسب؟’.”
“يا للأسف. لكن لا بأس، فنحن لسنا ذاهبين لننتحر.”
“كلا! أنتِ صغيرة ولا تدركين ذلك، لكنّهما بالتأكيد يحاولان التخلّي عن الحياة. شراء بيلزر بكلّ ما يملك؟ هذا وحده يكفي كدليل. لقد وجدا مكانًا للموت بهدوء!”
حككتُ خدّي فقط. لم تكن هناك طريقة لتبديد سوء فهمه.
“شكرًا لقلقك، لكن لا شأن لنا بالوحوش. بما أنّ حملة الإبادة انتهت، فلن تظهر لمدّة نصف عام.”
“ماذا لو كان هناك وحشٌ لم يُقتل ومختبئ هناك! وهل الوحوش هي المشكلة الوحيدة؟ ذلك المكان مهجور منذ زمن، لذا فهو يعجّ بالوحوش الكاسرة والحيوانات البرّيّة!”
‘يا جان، رايان ذاهبٌ ليصطاد تلك الوحوش والحيوانات البرّيّة…’
“الشخص العاديّ يموت إذا قابل دبًّا!”
‘رايان بالتأكيد ليس شخصًا عاديًّا…’
…لكنّني لم أستطع قول ذلك.
بدلًا منه، أشرتُ إلى رايان.
“شكرًا حقًّا على قلقك، لكن يجب أن أذهب مع أبي.”
“أ-أبوكِ؟ هل هو أبوكِ حقًا!؟”
نظر جان إلى رايان الذي بدا أصغر بكثير من أن يكون له ابنة في الثانية عشرة، ثمّ أظلم وجهه مجدّدًا.
بدا واضحًا أنّه يغرق في سوء فهمٍ جديد مثل؛ ‘أنجب ابنة في سنٍّ مبكرة، سُدّت في وجهه سبل العيش، وما إلى ذلك…’
“هيا، لننطلق الآن!”
صرخ رايان في الوقت المناسب تمامًا.
* * *
خلال الطريق، ركّزنا على حفظ معالم الطريق المؤدّي إلى بيلزر.
لأنّنا عندما نخرج، سنضطرّ للمشي.
وكما سمعنا، كلّما اقتربنا من بيلزر، كانت المناظر الطبيعيّة تصبح أكثر قفرًا.
وتلاشت آثار البشر تدريجيًّا، وحتّى ضواحي كونيج الملاصقة لبيلزر كانت مهجورةً تمامًا رغم كونها مدينة كبرى.
و وصلنا في النهاية بعد رحلة استغرقت حوالي ساعتين ونصف بالعربة.
“لقد وصلنا.”
صرخ رايان عندما لمح بضعة خيام بعيدة.
“توقّف هنا!”
أوقف جان العربة بصوتٍ حازم ثمّ اقترب بذهول.
“هل ستتوقّفون هنا فقط؟”
“نعم.”
“لكنّ الطريق إلى بيلزر لا يزال يحتاج للمزيد…”
“لقد وصلنا. ذلك هو المدخل. يمكنك العودة الآن، سنكمل مشيًا من هنا.”
قال رايان ذلك وبدأ مع ريڤان في إنزال الأمتعة واحدة تلو الأخرى.
شعر جان بالأسف لأنّ رايان أمره بالعودة من هنا مراعاةً لخوفه، فسحبني جانبًا مرّة أخرى.
“إذا طلب منكِ والدكِ الموت معه أو أيّ شيء من هذا القبيل، قولي لا. ثمّ اهربي.”
ثمّ أعاد إلى يدي البروش الذي حصل عليه كأجرة للعربة.
“يا إلهي، لماذا تعيده؟”
“لا أحتاجه. سيكون من سوء الحظّ أن أحتفظ بما قد يكون ‘ثمن الحياة الأخير’ لأشخاصٍ ذاهبين للموت.”
“……”
“اتبعي الطريق الذي جئنا منه لتعودي. مع المشي، ستصلين لمكانٍ تجدين فيه عربة. اطلبي منه الذهاب إلى مرسى كونيج وابحثي عنّي، اتّفقنا؟”
لقد قال إنّني مثل أخته الصغرى، وبدا أنّه قلقٌ عليّ بشدّة.
‘هناك الكثير من الأخيار في هذا العالم.’
رغم أنّ حالته المادية التي تحمّل فيها مسؤولية العيش بسنٍّ صغيرة قد لا تكون جيّدة.
“نعم، سأفعل ذلك. شكرًا لك. لكن خذ البروش ثانيةً…”
“لا بأس. نلتقي في المرّة القادمة.”
ودّع جان رايان و ريڤان وهو لا يزال يشعر بالقلق.
“أراكم ‘مرّة أخرى’!” قال جان هذا تلميحًا ليتمنّى لهم ألّا يموتوا.
وهكذا غادرت عربة جان…
وبقينا نحن الثلاثة وحيدين.
“لننطلق!”
تقدّم رايان بكلّ حماس.
“توقّف!”
لكن تمّ إيقافه على الفور.
عند مدخل الطريق المؤدّي إلى بيلزر.
كان هناك حوالي عشرين فارسًا إمبراطوريًّا بالزيّ الرسميّ، وخمس خيام يقيمون فيها.
من الطبيعيّ أن يتواجد فرسانٌ مرسلون من القصر الإمبراطوريّ بشكل دائم في المناطق الخطرة.
لذا لم نتفاجأ نحن.
بل الطرف الآخر هو من صُدم بالتأكيد.
“…من أنتم؟ صرّحوا بهويّاتكم.”
سأل الفارس بملامح يملؤها الذهول.
رجلان شابّان، وطفلة صغيرة.
ويحملون كميّة كبيرة من الأمتعة وبكلّ وضوح يحاولون الدخول إلى المقاطعة، فمن الطبيعيّ أن يُذهل.
“أنا صاحب هذه الأرض.”
“ماذا؟”
“أنا في طريقي لمنزلي. هل يجب أن أصرّح بهويّتي لأذهب إلى بيتي؟”
قال رايان ذلك ببرود، فبقي الفارس مذهولًا للحظة قبل أن يهمس لزميله.
“بيلزر هي ملكيّة خاصّة تابعة لعائلة فاسنبيرغ. لا يمكن للغرباء الدخول إليها.”
“يا للهول. لماذا أخباركم بطيئة هكذا؟”
تحدّث رايان بنبرة منزعجة وأخرج وثيقة الأرض من جيب قميصه ووضعها أمام وجه الفارس.
“لقد تغيّر مالك الأرض. هل يمكنني الذهاب الآن؟”
“؟”
الوثيقة كانت تحمل ختم عائلة فاسنبيرغ بوضوح لنقل ملكية بيلزر.
التعليقات لهذا الفصل " 20"