الفصل 105
لم يستطع رايان أن يصدق نايكي الذي أهدى سروالًا لطفلة في الثالثة عشرة من عمرها.
كان يظنّ أنّهما افترقا بسببه، فشعر بالأسف وأراد لمّ شملهما مجددًا، لكنّه اعتبر نفسه قد أخطأ التقدير….
وتوعّد بأنّه لو قررت فانيسا الزواج من نايكي مستقبلاً، فسيشطب اسمها من سجل العائلة.
“قلتُ لكَ ليس الأمر كذلك، حقًّا!”
“إذن قدّمي لي عذرًا يمكنني الاقتناع به!”
“آه…”
لم يصدق حتى حين أخبرته أنّ الملابس لم تكن هدية، بل هي من اشتراها، وأنّها وصلت إلى يد نايكي بالخطأ فاستردّتها منه.
“تتجرئين على الكذب بكلّ وقاحة؟! لقد كنتُ ملتصقًا بكِ طوال الأربع وعشرين ساعة، فمتى قابلتِ الأمير الثالث!”
“رأيتُه صدفةً بشكلٍ ما!”
“يا للهول، وحتى لو قابلتِه، لماذا تعطينه سروالًا! كيف يمكن أن يحدث خطأ يؤدي لإعطاء شيءٍ كهذا!”
آه، هل أعترفُ بالحقيقة وأرتاح؟
…فكرتُ في ذلك، لكنّني قطعتُ وعدًا.
وعدتُ بألّا أخبر رايان عمّا حدث في ذلك اليوم.
خشيتُ أن يعرف نايكي بطريقةٍ ما أنني أفشيتُ السرّ لرايان فيصاب بخيبة أمل.
الثقة أمرٌ مهم، أجل.
“فقط اعتبرني منحرفةً وانتهى الأمر.”
سأقبل بلقب منحرفة لمرة واحدة، لا بأس.
في تلك اللحظة.
“آنستي! هل أنتِ ذاهبة للنوم؟”
قابلتُ ماكس في ردهة الطابق الثاني من النزل.
يبدو أنّه استحمّ للتوّ، فشعره البني الكثيف كشعر الجراء كان مبللاً.
“أجل، إلى أين تذهب أنت يا ماكس؟”
“عليّ الخروج للحراسة الليلية. إذا كانت هناك قوى شريرة تستهدف القديسة، ألا يجب أن أتولى أمرهم جميعًا؟ با بانغ!”
تظاهر ماكس بإطلاق النار وهو يتبختر بزهو.
“ماكس، رجل الشغف المشتعل الذي قرر التضحية بجسده من أجل القديسة!”
“ياه، هذا موقفٌ جيد. بما أنني أغدقُ عليكَ بالمال، فعليكَ العمل بجدٍّ لتستحق ثمن طعامك بدلاً من النوم.”
“هذا صحيح، ها ها. إذن، أتمنى لكما ليلةً سعيدة!”
غمز ماكس وغادر إلى الخارج.
وبينما كنتُ أنظر إلى ظهره، شعرتُ بقليل من الشفقة تجاهه.
“هل من الصواب جعله يحرس خارج النزل دون نوم؟ هناك الكثير من فرسان الإمبراطورية هنا، لا داعي لأن يتعب نفسه هكذا…”
“الحذر واجب، ولن يضرّنا في شيء.”
هزّ رايان كتفيه.
بالفعل، في هذا النزل ينام أفراد عائلتي، بمن فيهم الأمير الوحش و الفتى الذي يتحكم في الموت، غارقين في نومٍ عميق….
وكما قال رايان، الحذر لن يضرّ أبدًا.
“هذا الفتى، هل قلتِ إنّه كان جنديًّا في منزلنا سابقًا؟”
“ماكس؟ أجل.”
أقصد قبل العودة بالزمن. ماكس، ذو الملامح الأليفة كالجراء، تبع كارلي إلى فاسنبيرغ بصفته جنديًّا….
‘…كان مندسًّا هناك.’
مسحتُ على ذراعي التي اقشعرّ جلدها.
‘ماكس، مخيف…’
بما أنني أملك ذكريات ما قبل العودة، لم يكن بوسعي إلّا أن أشعر بالخوف من مرتزقة كيربيروس، بما فيهم كارلي.
لحسن الحظ أنهم في صفي الآن….
الرابطة القوية بينهم. الثقة.
كتمان الأسرار أثقل من أرواحهم.
أولئك البشر القساة الذين ظلوا مندسّين لمدة ثماني سنوات، يخفون نواياهم الحقيقية في تمزيق فاسنبيرغ….
* * *
في وقتٍ متأخرٍ من الليل.
ربما كانت الساعة الثالثة فجرًا.
في ظلامٍ دامسٍ لا تكاد العين تتبين فيه الأشياء إلّا بضوء القمر الباهت.
فوجئ ماكس، الذي كان يقف للحراسة خلف مبنى النزل.
‘أوه، هل ستبدأ المتعة الآن؟’
ثلاثة مغتالين ملثمين يرتدون ملابس سوداء يقتربون بسرعة.
من نظرةٍ واحدة يتضح أنهم قتلة مأجورون.
ويبدو أنّ هدفهم هو هذا النزل.
‘دعنا نرى، سيّد الإقطاعية الصغير لا يزال شبلاً، لذا لا يستحق إرسال مغتالين لأجله بعد.’
يقيم في النزل أحد أفراد العائلة الإمبراطورية أيضًا، أليس كذلك؟
‘…على الأرجح الهدف هو الأمير الثالث.’
بتقديرٍ سريع، أخرج ماكس خنجرين من جيبه وأمسك بهما، وتصدى للمغتالين اللذين هاجماه.
كانا يتمتعان بمهارةٍ جيدة.
لكن كيف لهما أن يقارعا مرتزقًا من الفئة S قضى حياته يعيش على حدّ السيف.
بعد بضع جولات من الاشتباك، سقط المغتالان على ركبتيهما بعد أن ثُقبت أفخاذهما ببراعة.
ورغم ذلك، لم يصدرا أيّ صوت.
‘لقد تلقّيا تدريبًا جيدًا.’
بما أنني أحتاج لمعرفة من أرسلهم، سأبقي على حياتهم….
“تعال أنت أيضًا.”
أشار ماكس بإصبعه نحو المغتال الثالث الذي كان يراقب الموقف.
في تلك اللحظة.
“واو، مهاراتك جيدة حقًّا؟ تغلبتَ على رجالي في ثلاث دقائق فقط؟”
من أعماق الظلام، ظهر شخصٌ آخر.
‘ما هذا؟’
توتر ماكس على الفور.
رغم أنّه لم يشعر بأيّ أثر، ظهرت هذه المرأة وكأنّها انبثقت من الظلام كالسحر.
“يا إلهي، وجهك لطيف كالجرو وهو ذوقي المفضل… لكنّك مخيفٌ للغاية، أليس كذلك؟ حتى أنّك تملك الرفاهية لتركهم أحياء. ماذا، هل تنوي استجوابهم؟”
قالت المرأة التي ترتدي الأسود بالكامل وهي تمضغ العلكة بتعبيرٍ متمرد.
شعرها الأسود قصير ومشعث.
مكياج عيون أسود، وشفاه مطلية باللون الأسود.
“أن يكون شخصٌ بمهارتك مجرد حارس لرايان فاسنبيرغ، فهذا يثير الشكوك بالتأكيد.”
اقتربت المرأة وهي تبتسم بسخرية.
كانت تحمل مشعلاً في يدها، وانبعثت رائحة الزيت من القماش الملفوف في نهايته….
-فوش!
أشعل المغتال المتبقي النار للمرأة، فارتفعت لهبة المشعل عاليًا.
انقشع جزءٌ من الظلام الدامس.
وحين وجهت المرأة المشعل أمام ماكس، ظهر… ‘الظل’.
<خطوات الظلام>
وفي اللحظة ذاتها، اختفت المرأة.
* * *
قبل خمسة عشر يومًا.
في العاصمة، قصر الدوق فاسنبيرغ.
استدعى الدوق إدغار فاسنبيرغ ابنته الثامنة.
“مارينا، اذهبي واعرفي نوع الصفقة التي تمت بين ولي العهد و رايان.”
ولي العهد، فاين فالنسييه.
لطالما كان إدغار يراه كشوكةٍ مزعجةٍ تحت أظافره.
ذلك الصغير المليء بالغرور الذي لا يعرف الخوف….
ولأنّه لا يريد الخضوع ببساطة، كان يتعمد استفزاز إدغار من حين لآخر.
والتقرّب من رايان ومنحه اللقب لم يكن إلّا جزءًا من تلك الاستفزازات.
‘فتىً مزعج.’
منحت العائلة الإمبراطورية لقبًا لرايان رغم كونه مجرمًا.
هذه الخطوة ستجعل الجميع يتشككون في حقيقة جرائمه.
وقد يؤدي ذلك إلى ظهور حقيقة ‘مجزرة كونراد’ التي دُفنت قبل ثلاثة عشر عامًا على السطح.
مجزرة كونراد، الحادثة التي تورط فيها العلماء الذين حاولوا ‘زراعة القدرات الخارقة’ مع رايان ‘عديم القدرة’….
بالطبع، مهما حاولت الحشرات المقاومة، لن يخدش ذلك فاسنبيرغ في شيء.
لكنّ تسليط الضوء على أحداث ذلك اليوم مرة أخرى هو وضعٌ مزعجٌ ومثيرٌ للضيق.
كان من الضروري فهم الأوضاع وتوجيه تحذير.
“اعرفي ما إذا كان ولي العهد ينوي استخدام رايان، أم أنّ هناك اتفاقًا جرى بينهما.”
“حاضر.”
أجابت مارينا ببرود وهي تجلس بوضعيةٍ متمردة على الأريكة وتمضغ العلكة.
“وأيضًا، وجهي لرايان تحذيرًا مناسبًا كي لا يتورط مع العائلة الإمبراطورية. هو ليس غبيًّا وسيفهم الأمر.”
“آه!”
حينها فقط أشرق وجه مارينا.
ابتسم إدغار بسخرية لرؤية رد فعل ابنته اللطيف.
‘تحذير’.
هذا يعني السماح بالقتل.
إذن، سُمح لها بترك تحذير صامت عبر قتل من يحيطون برايان.
* * *
“سأحرر فمك. لا تصرخ، مفهوم؟”
قالت مارينا وهي تضع السكين على عنق ماكس.
كان ماكس قد سُحب إلى مكانٍ ما، مكمم الفم ومقيد اليدين.
ولم يكن أمامه خيارٌ آخر.
ففي اللحظة التي اختفت فيها مارينا من أمام عينيه، وجد ماكس نفسه عاجزًا عن الحركة لسببٍ ما.
حينها أدرك.
أنّ مارينا صاحبة قدرة خارقة.
‘هل هي قدرة الاختباء في الظلال؟’
مارينا التي أشعلت النار في الظلام لتصنع ظلاً واختفت فورًا.
وهو الذي تمّ تقييد حركته بالكامل لدرجة أنّه لم يستطع حتى تحريك شفتيه.
‘يبدو أنّه إذا تمّ الاستيلاء على الظل، يتمّ التحكم في الحركة أيضًا….’
ماكس، الذي يمتلك حدسًا جيدًا، استطاع تخمين قدرتها على الفور.
‘هاهاها. قدرةٌ مجنونة.’
أطلق ضحكةً خافتةً من فرط الذهول.
لهذا السبب يحكم أصحاب القدرات هذا العالم.
نزعت مارينا الغطاء عن فمه وربتت على وجنة ماكس.
“ستسمع الكلام، صحيح؟”
“عن عدم الصراخ؟ ها ها، سيُذبح عنقي فورًا، هل أنا مجنون لأفعل ذلك؟ رغم مظهري هذا، فقد قضيتُ وقتًا طويلاً في هذا العمل.”
“أوه، لقد أعجبتني.”
“ما هو هدفكِ من المجيء إلى هنا؟”
“لديّ بعض الأسئلة. سأسألكَ عن سيّدكَ، رايان. قبل أن أسأل، إذا كان لديكَ سرٌّ تعرفه، يمكنك الاعتراف به. إذا أخبرتني بكلّ شيء، سأتركك تعيش.”
“حسنًا، اقتليني.”
“……”
تجمد وجه مارينا لسماع الإجابة التي خرجت فورًا.
تُرجـمَ مِـن قِبَـلِ ليـنو
رابط قناة التلي للفصول المتقدمة: https://t.me/+hWEe_I1cmx82MTMy
التعليقات لهذا الفصل " 105"
اتمنى يخرج من هيي المصيبة حي