منذ لحظة تبنيها في صغرها، لم تشعر بأنها تنفست الصعداء ولو لمرة واحدة.
كانت تدرس بجنون، تحشو عقلها بالثقافة، ومع ذلك لم تسلم من سخرية أخيها الذي كان يتهمها بـ “الرخص”، ولا من قسوة والدتها التي كانت تأمر بضربها كلما ساء مزاجها. أما والدها، فكان يسأل في كل مرة: “ماذا كان اسمكِ؟”، لم يتذكر حتى اسمها.
في ذاكرتها، كانت “يون مي-را” تريد فقط أن تكون ابنة نافعة. درست حتى نزفت عيناها، رغبةً في الحصول على الاعتراف.
لكنها لم تدرك إلا بعد فوات الأوان، وبعد تمييز جارح، أنها لم تكن بالنسبة لهم شيئاً على الإطلاق.
قطعت دعم عائلتها عنها. درست في كلية الطب الشرقي (الأعشاب) بفضل المنح الدراسية، والتحقت ببرنامج الماجستير في الصيدلة بمساعدة أساتذتها. شعرت أن دراسة الأدوية تجعلها شخصاً ذا قيمة. كانت تستخدم المال الذي تجمعه كمساعدة بحثية في المختبر لتغطية تكاليف معيشتها، وعندما كانت تشعر بالضيق، كانت تلجأ لقراءة الروايات.
من بين تلك الروايات، كانت رواية الرومانسية الخيالية <هلاك نينا> هي الأكثر رسوخاً في ذهنها.
رواية مأساوية تحكي عن “نينا” التي تحاول الهرب من عائلتها مع من تحب، لكن يتم جرها وإعادتها لتتعرض للانتهاك على يد رجال العائلة.
كانت “مي-را” تقرأ هذا النوع من الروايات المأساوية لأن رؤية بطلة تعاني أكثر منها كانت تجعلها تشعر بتحسن؛ كان شعوراً دنيئاً، لكنها كانت تعزي نفسها بأنها مجرد رواية.
وعندما دخلت شركة أدوية وبدأت تثبت أقدامها كباحثة عبقرية… ظهرت والدتها الحقيقية.
تلك المرأة التي لم ترها منذ لحظة تبنيها وحتى بلوغها سن الرشد.
“هل يمكنني زيارتكِ بين الحين والآخر؟”
رقت عيناها المحمرتان قلب “مي-را”، فوافقت. رغم أنها كانت تُعرف بـ “الصلبة الباردة”، إلا أنها في النهاية لم تكن قاسية القلب. وهكذا، استمرت تلك العلاقة المتقطعة.
قالت لها والدتها إنها تربي شقيقها الأصغر بنفسها.
‘وماذا عني إذاً؟’
شعر قلبها بوخز مؤلم، لكنها لم تظهر ذلك.
الليلة الماضية، عندما نامت والدتها في شقتها وفتحت موضوع مصاريف دراسة شقيقها في الخارج، ظنت “مي-را” أن الأمر لن يتعدى الكلام.
لكن عندما سرقت والدتها دفتر حساباتها البنكية بحجة نقص أموال سفر أخيها، أصبح عقلها أبيض تماماً. ركضت خلف والدتها التي كانت تعبر الطريق مسرعة، وأمسكت بمعصمها.
“لقد كان تخليكِ عني كافياً. لماذا لا تشبعين؟ لماذا تسرقين ما أملك!”
“مي، مي-را، ما بكِ يا ابنتي!”
ألم تكن طفلتها التي أنجبتها؟ ألم يكن بإمكانها النظر إليها ولو لمرة واحدة؟
حتى لو كانت هناك أصابع تؤلم أكثر من غيرها عند عضها، فلا يمكن أن تفعل هذا لو كانت تشعر ولو بذرة ألم تجاهها.
دفعت الأم المذعورة ابنتها وهربت. وفي تلك اللحظة، صدمت شاحنة ضخمة تلك المرأة.
طااااخ!
جسد يطير في الهواء. وعقل يغيب في الظلام، فكرت:
‘يا لهذا الهراء الذي يُسمى عائلة.’
كان يجدر بي ألا أنقاد خلفهم، وأن أعيش وفقاً لجشعي وموهبتي فقط.
كانت تلك نهاية “يون مي-را”.
♡♡♡
“شهيق!”
بمجرد أن فتحت عينيها، غمرها الارتباك. كانت كاميلا مستلقية على السرير مع جبيرة على كاحلها، تحدق بشرود في يديها الصغيرتين.
مشهد موت المرأة في الحلم لا يزال حياً في ذاكرتها، لكنها كانت هنا.
‘…… ما هذا الذي رأيته؟’
ومضت كلمة “حياة سابقة” في ذهنها. حاولت إنكار ذلك في البداية، لكنها سرعان ما استسلمت للحقيقة.
ما رأته في الحلم كان حياتها السابقة. أما الآن…
‘أنا كاميلا…… الابنة غير الشرعية لعائلة موين.’
موين، آريس، نينا……؟
استرجعت كاميلا الكلمات المألوفة وصُدمت. أليست عائلة موين هي نفسها العائلة الموجودة في رواية <هلاك نينا>؟
رواية الرومانسية المأساوية للكبار <هلاك نينا>.
‘لا يعقل، هل أنا داخل ذلك الكتاب؟’
في الرواية، كانت عائلة موين عائلة مروعة تعمل في الظلال.
الاسم الحقيقي والمخفي للعائلة، المنظمة المظلمة “غلاميس”، كانت تتحكم في العالم السفلي.
أما عائلة “إيفرت”، فبجانب كونها العدو اللدود، كانت عائلة الفرسان الوحيدة التي عرفت حقيقة عائلة موين وحاولت إبادتها.
البطلة “نينا”، التي لم تكن تعرف شيئاً عن ظلام عائلتها، تحاول الهرب مع حبيبها “دريك إيفرت”، لكن يتم اختطافه وقتله، بينما تُسجن هي في القصر وتتعرض لانتهاك الرجال.
أما “كاميلا”، فكانت الابنة غير الشرعية والشريرة التي تصنع السموم لتعذيب نينا.
‘لم تكن تصنع سموماً قاتلة، بل أدوية تسبب الألم لنينا أو……’
كانت تصنع أدوية “خاصة” تحتاجها الروايات المخصصة للكبار.
وبعد أن عذبت نينا دون وعي بحدودها، لاقت حتفها على يد الرجال الذين أرادوا نينا.
‘هذا فظيع!’
المرأة في حياتها السابقة عاشت وماتت كالحمقاء رغم موهبتها.
والآن، هي مجرد شخصية ثانوية تموت بعد تعذيب نينا؟
‘لا أريد العيش هكذا.’
استيقظ وعي “يون مي-را” داخل كاميلا، تلك التي تاقت لحب أمها وماتت دون أن تناله.
في الرواية، بقيت كاميلا مجرد قريبة من الدرجة الثانية ولم يُسمح لها بحمل لقب “موين” حتى النهاية.
للبقاء على قيد الحياة في هذا القصر المرعب، لا يمكنها الاستمرار كما كانت.
علاوة على ذلك…
‘لقد كانت البارونة تفكر في التخلص منكِ لأنكِ بلا فائدة تذكر.’
‘إذا كان كلام المربية صحيحاً، فهذه مصيبة.’
في الرواية، لم يخرج أحد من هذه العائلة سليماً على قدميه أو يُطرد ببساطة.
‘لإخفاء أسرار العائلة، كان الجميع يخرجون كجثث.’
هذا يعني أن الهرب كان مستحيلاً بهيئتها السابقة الساذجة.
‘يجب أن أثبت قيمتي الحقيقية أولاً، ثم أنتظر الفرصة للهرب.’
في تلك اللحظة، انفتح الباب ودخلت نينا وهي تحمل منشفة مبللة وزجاجة ماء.
اتسعت عينا نينا بذهول لرؤية كاميلا مستيقظة، ثم ركضت نحوها بوجه يوشك على البكاء.
“أختي، هل أنتِ بخير؟ سمعتُ أنكِ تضررتِ. هئ، أنا آسفة بشأن الأمس، أرجوكِ لا تمرضي……”
نظرت كاميلا بشرود إلى نينا الباكية.
‘إنها صغيرة.’
صغيرة جداً ورقيقة لتكون بطلة رواية مأساوية.
شعرت بشعور غريب، لكنها شددت قبضتها. حالتها كانت حرجة بما يكفي، فما الفائدة من الإشفاق على نينا؟ هزت “يون مي-را” رأسها ببرود في داخلها.
“ما الذي حدث لي؟”
“قال أخي آريس إنكِ فقدتِ توازنكِ وسقطتِ من على الدرج.”
آريس، ذلك الحثالة، يبدو أنه دفعها وتظاهر بالجهل بكل وقاحة.
“بالنسبة لسقوط من على الدرج……”
بمجرد أن وضعت كاميلا قدمها خارج السرير، أنّت من ألم كاحلها وسقطت.
“أختي!”
‘يا إلهي، هذا سيء.’
يبدو أن تلك العائلة اللعينة لم تعالجها بشكل صحيح. أسندت نينا كاميلا لتجلس على السرير، وقدمت لها زجاجة الماء التي أحضرتها.
“اشربي هذا بسرعة! إنه عصير أعشاب أحضرته لكِ! إذا شربتِ هذا فلن تتألمي مجدداً!”
تناولت كاميلا الزجاجة بعفوية، وعندما اشتمت رائحتها، سدت أنفها فوراً.
‘جنون، هذا……’
“نينا، أبعدي هذا الشيء.”
رائحة تجعل العقل يغيب. لقد كان الخشخاش (الأفيون). له مفعول مخدر، لكنه ليس سوى مخدر إدماني!
‘ولم يضيفوا حتى أي أعشاب لتحييد سميته.’
“هاه؟ ولـ، ولكن…… الطبيب قال إن هذا سيفيد! حتى أمي استخدمته عندما كانت تتألم!”
عند سماع ذكر “البارونة” من فم نينا، اتسعت عينا كاميلا.
هل يعقل؟
كانت تعلم أن الطب في هذا العالم ليس متطوراً، لكن هل يصل الأمر لهذا الحد؟
علاوة على ذلك، فإن فاعلية الأعشاب الطبيعية في هذا العالم كانت أقوى بكثير مقارنة بحياتها السابقة.
‘مع ما تعلمته من والدتي في هذا العالم وما أعرفه من قبل… هذا هو طريقي.’
طريقتها لكي لا يتم التخلص منها، ولتنتظر اللحظة المناسبة للهرب.
“نينا، اسمعيني. أنا أعرف الكثير عن الأعشاب منذ زمن طويل. لذا، يمكنني صنع الأدوية بشكل جيد.”
“حقاً؟”
“أعتقد أنه سيكون من الأفضل إضافة أشياء أخرى هنا…… لكنني أحتاج لمكونات. هل يمكنكِ مساعدتي؟”
برقت عينا نينا وأومأت برأسها بقوة، ثم توجهت إلى الدفيئة (المشتل) لإحضار كل الأعشاب التي ذكرتها كاميلا.
رفعت كاميلا زوايا فمها بابتسامة خفيفة.
على عكس كاميلا السابقة التي كانت تكتفي بأكل السموم، كانت “يون مي-را” تعرف كيف تمزج الأعشاب وتصنع أدوية نافعة. ومع المعرفة التي ورثتها عن والدتها التي تخلت عنها في هذا العالم…
‘إذا استخدمت ذلك……’
في تلك اللحظة، انفتح الباب بعنف.
ظنت كاميلا أنها نينا قد عادت، لكنها وجدت “يولي” تسير نحوها بغضب، وهي تحمل دلواً من الماء.
تشواااك!
سكبت يولي الماء على كاميلا.
“ما الذي فعلتِه بالآنسة بالأمس!”
كانت يولي التي سكبت الماء تصرخ وتؤشر بإصبعها بغضب.
“بسبب ما حدث بالأمس، تعرضتُ أنا أيضاً للتوبيخ! اذهبي فوراً واطلبي العفو من المربية. هاه، تفتقرين للحذر وتسقطين من على الدرج!”
‘كيف كنتُ أتصرف في مواقف كهذه عندما كنتُ يون مي-را؟’
نظرت كاميلا بهدوء إلى يولي التي كانت ترغي وتزبد، ثم أشارت بإصبعها.
“هل يمكنكِ الاقتراب قليلاً؟”
جفلت يولي من وجه كاميلا البارد غير المعتاد، لكنها اقتربت بخطوات واسعة وصرخت بكلمات تهدف لإذلالها:
“حقاً، مجرد ابنة غير شرعية—!”
رغم أن جسدها كان لا يزال يؤلمها، إلا أن أول شيء كان عليها فعله هو هذا.
طااااخ! (صوت صفعة)
ارتد وجه يولي بقوة من شدة الصفعة. واتجهت عيناها اللتان اتسعتا كحبتي كرز نحو كاميلا بذهول.
“مـ، ما هذا!”
“سأعيد لكِ كلماتكِ كما هي.”
طااااخ!
ارتد وجه يولي للجهة الأخرى بصفعة ثانية. وقفت يولي لا تستطيع النطق بكلمة وهي لا تصدق عينيها.
“مجرد خادمة.”
طااااخ!
“لـ، لحظة.”
“تتجرأ على من تخدمه.”
طااااخ!
“ماذا فعلتِ لتوكِ؟”
بقيت يولي مذهولة، تمسك بوجنتيها وتنظر بضياع إلى كاميلا. “يون مي-را” لم تخسر قط في معركة إرادات مع أي شخص خارج عائلتها.
“هاه؟”
كان منظر كاميلا وهي تكتف ذراعيها وتحدق فيها يفيض بقوة وهيبة لم تكن موجودة من قبل.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"