«…ومِن ناحيةٍ أخرى، فإنَّ الإمبراطورةَ باتريشيا، التي اعتادتْ أنْ تُمطِرَ الابنَ الثانيَ بالثَّناءِ على نباهَتِه كلَّ يومٍ، ها هي اليومَ تفتقدُه في صمتٍ غامضٍ فالأميرُ الثَّاني، الذي كان قريبًا من وليِّ العهدِ كينيث، يُعتقدُ أنَّه قد اختفى عن الأنظارِ طواعيةً؛ تجنُّبًا لنزاعاتِ الخلافةِ غيرِ الضروريَّة ومنذُ ذلك الحين، باتتِ الإمبراطورةُ تدفعُ بالابنِ الثَّالثِ إلى الواجهةِ لمواجهةِ وليِّ العهد غيرَ أنَّ السَّائدَ في الأوساطِ أنَّ الأميرَ الثَّالث، الذي لم يتجاوزِ الرَّابعةَ عشرةَ من عمرِه هذا العام، لا يزالُ غَضًّا، وأقلَّ بَصيرةً وحِكمةً من وليِّ العهدِ بكثير.»
إنَّها لأنباءٌ لا شكَّ أنها ستَلْوي أحشاءَ باتريشيا، تلك التي تَحلمُ بأنْ تُجلِسَ ولدَها على عرشِ الإمبراطوريَّة
على أية حال، كنتُ آملُ أنْ تمرَّ مسألةُ الخلافةِ بسلاسةٍ؛ حتَّى لا يعمَّ الفوضى ربوعَ الإمبراطوريَّة.
سيكونُ الأمرُ كارثيًّا حقًا لو اندلعتْ حربٌ أهليَّةٌ ونحنُ بالكادِ نستطيعُ التَّعاملَ مع الوحوشِ التي تخرجُ من بوَّاباتِ الأبعادِ الأخرى.
“على كلٍّ، هذا كلُّه لا يعنيني.”
أغلقتُ الصَّحيفةَ التي كانت قراءتُها الجادَّةُ لها قد سبَّبتْ لي الصُّداع.
قرَّرتُ أنْ أكفَّ عن التفكيرِ في شؤونِ البلاطِ الإمبراطوريِّ من الآن فصاعدًا.
هدفي الأسمى هو أنْ أغادرَ العاصمةَ، وأنْ أُحبَّ شخصًا ما في هدوءٍ، وأنْ أعيشَ كإنسانةٍ ثريَّة!
وفجأةً، دُفعَ بابُ المكتبِ بعنفٍ، واقتحمَهُ صارخًا:
“عزيزتي! هل أنتِ بخير؟”
لقد كان رئيسَ النِّقابةِ يزورُني في وضحِ النَّهارِ، وذلك أمرٌ غيرُ مألوفٍ.
“نعم؟”
“لا تبدينَ… مصابةً.”
تفحَّصني رئيسُ النِّقابةِ الذي أسرعَ بالدُّخولِ إليَّ، ثمَّ تنفَّسَ الصُّعداءَ.
“هل حدثَ شيءٌ؟ أفي الأمرِ طارئ؟”
“وصلتْنا تقاريرُ تفيدُ بأنَّ اللوردَ لامبرت كانَ يحومُ حولَ مبنى النِّقابةِ الليلةَ الماضية.”
“ماذااااا؟!”
مكتبي يقعُ بالقربِ من النِّقابةِ، تحتَ غطاءِ كونهِ مكاتبَ لتاجرِ بطاطسٍ بالجملة.
كان يمكنُ للامبرت أنْ يمسكَ بي وأنا غافلةٌ، ولرَدَّ ذلكَ ارتعشتْ فرائصي.
“ماذا… ماذا كانَ يريدُ اللوردُ لامبرت حتَّى يأتيَ إلى هنا؟”
“على الأقلِّ، لم يكنْ قد جاءَ لشراءِ البطاطسِ في جوفِ الليل!”
“لتعلمْ فقطْ، هو لا يأكلُ البطاطسَ أو ما شابه إنَّه يُحبُّ اللَّحمَ المشويَّ… لا، هذا ليسَ مهمًّا! ماذا سنفعل؟”
“لقد أتيتُ مسرعًا إلى هنا كي أتشاورَ معكِ في هذا الأمرِ تحديدًا.”
وجدنا الحلَّ بسرعةٍ.
في الحقيقة، كنتُ أفكِّرُ فيه حتَّى قبلَ وصولِ رئيسِ النِّقابة.
“أرجو منكَ أنْ تُنشئَ الفرعَ الأولَ للنِّقابةِ في جزرِ فيليا فورًا، يجبُ أنْ أنزلَ إلى هناك.”
“جزرِ… فيليا؟”
“أجل. تبدو لي المكانَ المثاليَّ للاختباء. كما أنَّ البوَّاباتِ لا تظهرُ هناك كثيرًا، لذا لن أضطرَّ للتحرُّكِ كثيرًا.”
بدا رئيسُ النِّقابةِ مُفكِّرًا للحظةٍ، ثمَّ أومأَ برأسِه في النِّهاية.
“بما أنَّ إخفاءَكِ هو أولويَّتُنا القصوى، سأبدأُ فورًا في البحثِ عن مبنىً مناسبٍ هناك. لكنْ، بهذا الصَّدد، هل يمكنكِ استدعاءُ أحدِ الـبتيروس لأجلي؟”
يبدو أنَّ رئيسَ النِّقابةِ يعتزمُ الذَّهابَ شخصيًّا إلى هناك لترتيبِ الأمور.
أومأتُ برأسي بجدِّيَّة.
“أجل. سأجهِّزُهُ للرَّحيل.”
وبينما كنتُ أتواصلُ مع البتيروس عبرَ ساعتي، تذكَّرَ رئيسُ النِّقابةِ شيئًا فجأةً.
“آه، هل يمكنكِ الاعتناءُ بأمورِ النِّقابةِ أثناءَ غيابي في جزرِ فيليا؟”
“… أنا؟”
“أجل. قد يزورُنا ضيفٌ اليوم.”
بعدَ أنْ نطقَ بهذه الكلماتِ ذاتِ المغزى، غادرَ رئيسُ النِّقابةِ المكتبَ في لمحِ البصر.
كانت حركتُه سريعةً جدًّا لدرجةِ أنَّه لم يَتَّسعِ لي الوقتُ حتَّى أسألَ عن هويَّةِ هذا الزَّائر.
“ضيفُ رئيسِ النِّقابة؟ أيمكنُ أنْ تكونَ امرأةً؟”
فجأةً، تذكَّرتُ تلك المرأةَ التي قالَ إنَّه لا يستطيعُ نسيانَها.
***
كانَ زائرُ النِّقابةِ شخصًا غيرَ متوقَّعٍ.
المرأةُ التي خرجَتْ من تلكَ الغرفةِ الشبيهةِ بالمصعدِ، أشرقَ وجهُها حينَ رأتني.
رغمَ أنها كانت ترتدي قلنسوةً، بدا أنها عرفَتْني فورًا.
بالطَّبع، أنا أيضًا لم أنسَها.
“آنسةُ أوليفيا؟”
“ما أروعَ رؤيتَكِ مجدَّدًا! أمم… كيفَ أُناديكِ؟ هَلْ لي أنْ أعرفَ اسمَكِ اليوم؟”
بدَتْ سعيدةً حقًّا بلقائنا.
تظاهرتُ بأنِّي رئيسُ النِّقابة، فنهضتُ من خلفِ مكتبِه واقتربتُ منها.
“ناديني بـ’أنيا’ من فضلكِ، وتفضَّلي بالجلوسِ هنا.”
“أنيا… يا له من اسمٍ جميل!”
لا تتصوَّرُ أبدًا أنَّه اختصارٌ لـ’آنيّا’ (التي تعني ‘لا’). هيهي.
جلستْ أوليفيا على الكرسيِّ الذي اعتدتُ الجلوسَ عليه، وعدتُ لأجلسَ أنا في مقعدِ رئيسِ النِّقابة.
“ألم يكونِ الموعدُ في متجرِ البطاطسِ بالجملة؟ هذه مساحةٌ سرِّيَّة. كيفَ دخلتِ؟”
لا يمكنُ الدخولُ إلى مكتبِ رئيسِ النِّقابةِ إلا بقولِ كلمةِ سرٍّ متَّفقٍ عليها.
“دونكان أخبرَني. صادفتُه صدفةً وأنا أغادرُ المركز، ولمَّا قلتُ له إنِّي ذاهبةٌ إلى ‘البطاطسِ السَّاخنة’، أخبرَني عن هذه النِّقابةِ المخبَّأةِ داخلَ متجرِ الجملة، وعلَّمني كلمةَ السِّرِّ أيضًا.”
“دونكان؟ أتعلمينَ لماذا أخبرَكِ بهذه النِّقابة؟”
“قالَ إنَّه أخبرَني عن نِقابةِ المعلوماتِ هذه كطريقةٍ لمكافأتي على مساعدتي له في عملِه”
العملُ الذي تساعدهُ فيه لا بدَّ أنَّه الاعتناءُ بالمشاغبين الثَّلاثة.
تلك المهمَّةُ الصَّعبةُ للغاية.
“قالَ إنَّ معرفةَ نِقابةٍ واحدةٍ على الأقلِّ في العاصمةِ سيسهِّلُ عليَّ الحياةَ هنا.”
يبدو أنَّ دونكان أخبرَها عن هذا المكانِ حرصًا منه على أوليفيا التي قدِمَتِ العاصمةَ بلا أهلٍ ولا معين.
دونكان يتعاملُ معنا منذُ زمنٍ طويلٍ، وهو قريبٌ من رئيسِ النِّقابة، فمِنَ الطَّبيعيِّ أنْ يعرفَ مقرَّ النِّقابةِ الرَّئيسيَّ.
على كلٍّ، هو شخصٌ طيِّبٌ بطبيعتِه.
أتساءلُ، هل كان سَيخلعُ سترتَه لأجلِ أوليفيا أيضًا، تمامًا كما فعلَ معي؟
إنْ كان إعطاؤُه سترتَه أربعَ مرَّاتٍ لي مجرَّدَ كرمٍ منه تجاهَ الجميع، فسيكونُ ذلكَ مخيِّبًا للآمالِ جدًّا.
لا أُحبُّ هذه الفكرةَ البتَّة…
عضضتُ على شفتي السُّفلى بشدَّة.
كنتُ أعلمُ أنَّ المشاعرَ التي اجتاحَتني فجأةً هي مجرَّدُ غيرةٍ.
ولكنْ، حتَّى مع معرفتي بهذا، لم أستطعْ تجاهلَها على أنَّها ‘مجرَّدُ غيرةٍ’.
كانَ من الصَّعبِ كَبْتُ موجةِ الغيرةِ الهوجاءِ التي تَدفَّقَت في داخلي.
‘أنا… أنا حقًّا أُحبُّ دونكان.’
خرجَ السُّؤالُ المنبثقُ من قلبي المليءِ بالغيرةِ دونَ أنْ أشعرَ.
“ما رأيكِ في دونكان؟ أتظنُّين أنَّكِ قد تُحبِّينَه؟”
رغمَ أنِّي أعلمُ أنها ستقعُ في حبِّ بنيامين في النِّهايةِ، كما في القصَّةِ الأصليَّة، لم أستطعْ إلا أنْ أسألَ.
على عكسِ القصَّةِ الأصليَّة، كنتُ أخشى أنْ يتحوَّلَ دونكان إلى بطلٍ ثانٍ (يحبُّ البطلةَ ولا تُبادَلُ مشاعره).
“كلا. إنَّه ليسَ من النَّوعِ الذي أُفضِّلُه.”
كانَ رفضًا قاطعًا دونَ أيِّ مجالٍ للشكِّ.
لم تكنْ أوليفيا تنظرُ إلى دونكانَ نظرةً رومانسيَّةً على الإطلاق.
“هو فقط رئيسي في العمل وفوقَ هذا، أنا لا أهتمُّ بعلاقاتِ العملِ الغراميَّة.”
أُف… يالها من راحة.
تنفَّستُ الصُّعداءَ بهدوءٍ.
“بفضلِ دونكان، أنا سعيدةٌ بلقائكِ مجدَّدًا. أنا أُفضِّلُكِ كصديقةٍ وليسَ كرئيسةٍ.”
“شكرًا لكِ على هذا التَّقديرِ الجميل.”
“أنتِ من ساعدتني، فمنَ الطَّبيعيِّ أنْ أبادلَكِ الشُّعور. إذاً، أنتِ، يا أنيا، التي أخفَتْ هويَّتَها بحرصٍ، كنتِ جزءًا من النِّقابة؟”
عزيزي! يبدو أنَّ أوليفيا تعرفُ هويَّتَنا بفضلِ دونكان، فهل هذا مقبولٌ؟!
مع أنِّي لم أستطعْ تقديرَ رأيِ رئيسِ النِّقابة في هذا، إلا أنَّ الأمرَ كانَ في صالحي في الحقيقة.
هذا يعني أنَّ أوليفيا قد نجحَتْ في تكوينِ علاقاتٍ مع النِّقابة، تمامًا كما في القصَّةِ الأصليَّة.
بالطَّبع، هناك اختلافٌ وهو أنَّ دونكان، وليسَ رئيسَ النِّقابة، هو من قادَها إليها.
‘إذاً، حتَّى لو لم يُصَبْ بنيامينَ بالأمسِ، هل كانَ المستقبلُ سيمضي كما في القصَّةِ الأصليَّة؟’
سيكونُ أمرًا رائعًا حقًّا لو حدثَ ذلك.
تمنَّيتُ بصمتٍ مستقبلًا هادئًا، مستقبلًا يصعبُ عليَّ التكهُّنُ به.
“أجل. بطريقةٍ ما، وجدتُ نفسي أبيعُ البطاطسَ وأصبحتُ عضوةً في النِّقابة أيضًا. لكنِّي سعيدةٌ حقًّا بمصادفتكِ. هناك شيءٌ أردتُ سؤالَكِ عنه.”
طالما أنَّني التقيتُ بأوليفيا، يجبُ أنْ أسألَها مباشرةً عن معركةِ الأمس.
بالإضافةِ إلى ذلك، كنتُ أشعرُ بالفضولِ حولَ كيفيَّةِ معاملةِ المشاغبين الثَّلاثةِ لها.
هل هم يتبعونَها في كلِّ مكانٍ كفراخِ البطِّ خلفَ أمِّها، تمامًا كما في القصَّةِ الأصليَّة…
كانَ على محيَّا أوليفيا ابتسامةٌ بريئةٌ طفوليَّة.
“آه، لا تتوقَّعي كثيرًا. الأمرُ ليسَ بالكبير.”
خفَّضتُ سقفَ توقُّعاتِها عن السُّؤالِ لأخلقَ جوًّا مريحًا يُشجِّعُها على الإجابةِ.
ثمَّ، استخدمتُ أكثرَ نبراتِ صوتي رقَّةً.
حتَّى تستسلمَ أوليفيا تمامًا لوداعتي.
“هل شاركتِ في أيِّ مهامٍّ كمرشدةٍ ؟”
“أوه! ظننتُ أنَّ السُّؤالَ سيكونُ عن شيءٍ آخر. أجل، كانتِ الأمسُ أوَّلَ مهمَّةٍ لي.”
أجابتْ بوجهٍ مُتحمِّسٍ.
“كيفَ كانَ أوَّلُ لقاءٍ لكِ مع وحشٍ؟ ألم تخافي؟”
“كنتُ خائفةً قليلًا، لكنْ بما أنِّي لم أكنْ في موقعِ الهجوم، كانَ الأمرُ عاديًا.”
“هل… أصابَكِ أيُّ أذى؟”
ممتاز! لقد خرجَ سؤالُ الإصاباتِ بكلِّ طبيعيَّةٍ!
“لا. لم تكُنْ هناكَ حتَّى فرصةٌ للإصابة. بمجرَّدِ وصولِنا إلى مكانِ ظهورِ الوحش، انقضَّ أرون، ولامبرت، وبنيامينَ عليه فورًا.”
“….”
“أعتقدُ أنَّهم أناسٌ غريبو الأطوارِ بعضَ الشَّيء، لكنَّهم بدَوْا رائعينَ حقًّا أثناءَ القتال.”
هكذا تأكَّدتُ مرَّةً أخرى من عدمِ وجودِ أيِّ إصاباتٍ على لسانِ أوليفيا نفسِها.
ولكنْ، هل تعلمون؟
بينَ ما قالتهُ، كانَ هناكَ شيءٌ صادمٌ جعلَ فكِّي يسقطُ من شدَّةِ الدَّهشة.
تكلَّمتُ بعدمِ تصديقٍ.
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 79"