بينما كنت أتأمّله وأنا أفكر في موعد لقائنا القادم، خلع دونكان سترته.
ثم، وكأنه فعلٌ محتوم، وضعها على كتفيّ.
كانت السترة، المفعمة برائحته الزكية ودفئه، مريحةً للغاية.
“هذه رابع سترة أمنحكِ إياها.”
“……”
“سأُعدّ الخامسة، لذا أرجو أن تمنحيني فرصةً لأُغطيكِ بها مجددًا.”
كانت كلماته، التي همس بها بصوتٍ منخفض، حلوةً.
لقد سبّبت لي قشعريرةً غير مألوفة في جسدي كله.
كدتُ أقع في وهم أن دونكان يحبني عاطفيًا.
لم يعد الأمل في لقائنا القادم يبدو وكأنه سيتلاشى ليصبح خيبة أمل.
“هل ستمنحيني الفرصة؟”
هذه المرة سأل وكأنه يطلب تأكيدًا.
وجدت نفسي أومئ برأسي أمام سؤاله الذي كان قويًا بشكلٍ ما.
بالطبع، كنت أتمنى بصدق أن أتلقى سترته الخامسة، والسادسة… وحتى المائة.
وربما بحلول السترة المائة، قد نكبر معًا…
“هل يمكنكَ أن تمنحني السترة المائة أيضًا؟”
آه، ما كنت أنوي مجرد التفكير فيه انزلق بين أسناني.
أومأ دونكان برأسه دون أن يُبدي أي دهشة.
وكان رده مضحكًا للغاية.
“سنحتاج لأن نعيش طويلاً لتحقيق ذلك.”
قهقهتُ أنا أيضًا مع دونكان على رده العملي.
دونكان داعَب رأسي المبتسم بلطف بينما كان يتواصل معي بنظراته.
“قصدتُ أن نعيش طويلاً معًا.”
هل كانت كلمة “معًا” دائمًا تُحدث هذا الخفقان في القلب؟
بدأ قلبي يُصدر أصواتًا أعلى من صوت الأمواج المتكسرة.
خشيتُ أن يسمع دقات قلبي التي بدت وكأنها تتردد في جسدي كله، وليس في أذني فقط.
تعمّدتُ تجنُّب نظراته بخفض رأسي.
لم أستطع أن أسأله باستخفاف إن كان يحبني أو ماذا تعني كلماته.
فمثل هذه الأمور لا تُقال باستخفاف إلا عندما لا تكون صادقة.
لا بد أنني أُصبتُ بشيء غريب بسبب الجو الهادئ.
لم يكن هناك تفسير آخر لقلبي الذي لم يهدأ.
شعرتُ وكأن خفقاني لأجله قد أصبح حقيقيًا.
***
عندما غربت الشمس وحلّ الظلام، عدنا إلى متن الـبتيروس.
وبينما كنا نعبر غابة باندورا، رأينا أضواءً وامضة في المسافة.
“لا بد أن هذا هو مكان ظهور الوحش من الرتبة (A).”
كان بحوزة دونكان ساعة المركز، لذلك هو كان يعرف أي وحش ظهر.
ربما لأنه من الرتبة (A)، كان صوته خاليًا من الاكتراث.
بدا وكأنه يعتقد أنه سيتم التعامل مع الأمر بشكل جيد دون وقوع حوادث أو إصابات كبيرة.
…أظهر موقفه أنه لم يتوقع أن يتأذى بنيامين على يد وحش من الرتبة (A).
“على الرغم من أنهم سيتعاملون معه جيدًا بدوني، إلا أنه بوصفي مديرًا للمركز، لا يمكنني تجاهل الأمر.”
“أجل.”
“بعد أن أوصلك إلى مكانك، سأعود إلى المركز فورًا.”
“لا بأس، ولكن…”
ولكنني أردت أن أقترح مشاهدة الألعاب النارية معًا إذا كان لديه وقت في المساء.
ومع ذلك، بدا دونكان مشغولاً جدًا ليسمح لي بتقديم الاقتراح بسهولة.
“هل لديك خطط أخرى للمساء؟”
هذا الرجل، دائمًا شديد الملاحظة.
“آه، لا. لا شيء من هذا القبيل. على الرغم من أنك لن تذهب إلى ساحة المعركة، أرجو أن تكون حذرًا!”
“شكرًا لك على اهتمامكِ.”
بينما كنت أتردد، كنا قد وصلنا بالفعل إلى النزل.
بدا أن الـبتيروس الرئيسي كان في حالة جيدة اليوم، مما جعل الرحلة أكثر سلاسة من المعتاد.
كان بإمكاننا العودة ببطء…
كما أعلن، أنزلني دونكان في مكان خالٍ من الناس وغادر على متن الـبتيروس.
شاهدتُهم يختفون عاجزةً عن فعل أي شيء.
“أردتُ مشاهدة الألعاب النارية معًا… هل يجب أن أذهب وحدي الآن بما أن الأمر وصل إلى هذا الحد؟”
في تلك اللحظة، سمعتُ صوتًا نسيتُ أمره للحظات.
―كييوو كييوو!
<أنتِ لست وحدك!>
كان بليس، الذي هو بنفس حدة ملاحظة دونكان.
كان بليس يراقبنا من مكان قريب، محاولًا ألا يزعج وقت دونكان ووقتي معًا.
سعدت بسماعه يثرثر مرة أخرى بمجرد اختفاء دونكان.
“بليس! أجل، هذا صحيح، لست وحدي، أليس كذلك؟ لنذهب لمشاهدتها معًا!”
كنت على يقين من أنني مع بليس لن أشعر بالوحدة أبدًا.
بعد ذلك، بدأنا نسير نحو المبنى الذي أخبرني عنه رئيس النقابة.
لحسن الحظ، كان مبنى رئيس النقابة على أطراف البلدة قريبًا جدًا من النزل.
وعلى العكس من ذلك، لكونه بعيدًا عن وسط المدينة المزدحم، استطعت الوصول إلى المبنى دون أي خطر يُذكر.
بدا المبنى المكون من خمسة طوابق موحشًا للغاية، وكأنه هُجر منذ زمن طويل جدًا.
بدا وكأنه لا قاطنين فيه، وكانت أجزاء من المبنى مكسورة أو صدئة.
عندما لمست الجدار الخارجي برفق بطرف إصبعي، انفصل بعض الصدأ.
“أوه. يبدو وكأنه مسكون بالأشباح.”
مع ذلك، طالما أتيت إلى هنا، يجب عليّ على الأقل الصعود إلى السطح.
لقد امتدحه رئيس النقابة بإسهاب شديد.
استخدمتُ المفتاح الذي استلمته من رئيس النقابة مسبقًا لفتح الباب الحديدي الصدئ بشدة.
سكريييييـعـ
خلف الباب الذي فُتح بصوت مخيف، كان هناك ظلام دامس.
كلما حدّقتُ فيه أكثر، شعرتُ بأنني سأُبتلع فيه.
“ب-بليس. هل من الآمن أن أدخل؟”
―كييووووو!
<أجل! سأحميك!>
“ح-حسنًا. سأثق بك وأدخل!”
عندما وطأت قدماي الدرج وأنا أرتجف، حدث شيء مذهل.
بدأت المصابيح على الجدران تُضاء واحدة تلو الأخرى.
يبدو أنهم أقاموا سحرًا لتشغيل الأضواء تلقائيًا عندما يطأ أحدهم الدرج.
مع توسع المنطقة المُضاءة، تراجع الظلام.
الدرج، الذي أصبح مرئيًا الآن في الضوء، كان نظيفًا بشكل مدهش.
كان مختلفًا تمامًا عن المظهر الخارجي الرهيب.
لربما لأنني أستطيع رؤية ما حولي جيدًا، تلاشى خوفي.
عدّلتُ كتفيّ كما لو أنني لم أكن خائفة أبدًا وصعدت الدرج.
بعد الصعود دون توقف حتى نفَس أنفاسي، رأيت الباب المؤدي إلى السطح.
بمجرد أن فتحتُ الباب غير المقفل، شعرتُ بإحساس بالتحرر.
كان ذلك بسبب المنظر الخلاب غير المحجوب.
ربما بسبب ارتفاع المبنى، كنتُ أطل على جميع المباني الأخرى تقريبًا.
لم أستطع رؤية منظر العاصمة فحسب، بل حتى القصر الإمبراطوري في المسافة كان مرئيًا بالتفصيل.
“هذا رائع…”
اتكأتُ على السور بارتفاع الخصر وتأملتُ منظر المدينة المشرق لوقت طويل.
كان هناك الكثير من الناس المتجمعين في وسط المدينة المزين بزخارف مختلفة.
وبدا أن هناك الكثير من الطعام أيضًا.
“بالمناسبة، لم آكل جيدًا اليوم. أنا جائعة.”
غمرني واقع جوعي، فتوقفت عن التحديق إلى المباني بالأسفل.
ثم، لاحظت متأخرة كرسيَّ استلقاء موضوعين على السطح.
“كرسيّا استلقاء…”
قبل قليل فقط، كنتُ جالسة مع دونكان أشاهد الأمواج…
مسدتُ كرسي الاستلقاء بحنين.
‘كم كان رائعًا لو شاهدنا الألعاب النارية هنا وتناولنا العشاء معًا.’
حسنًا، لا يمكن فعل أي شيء حيال ذلك الآن.
جلستُ على كرسي الاستلقاء بقوة ورفعتُ رأسي إلى السماء الليلية الكئيبة.
بعد مشاهدة الألعاب النارية مع بليس، سأتناول العشاء في المكتب.
أعتقد أنه كان لدي بعض أسياخ البطاطس المتبقية من الأمس…
لا أعرف كم من الوقت أمضيتُ في قتل الوقت هكذا.
في مرحلة ما، بدأت رائحة لذيذة تصل إلى أنفي.
ربما كنتُ أفكر كثيرًا في أسياخ البطاطس، أو ربما كانت حاسة الشم لدي تخدعني لأنني كنت جائعة جدًا.
الرائحة اللذيذة لم تختفِ بسهولة وظلت تُغريني.
أخيرًا، بدأتُ أمشي نحو مصدر الرائحة.
أردتُ التحقق مما إذا كانت حقيقية أم مجرد خيال.
سرعان ما اكتشفتُ مصدر تلك الرائحة في زاوية من السطح.
كان هناك رجل يرتدي رداءً مقرفصًا في الزاوية.
أمامه كانت هناك حفرة نار صغيرة تُشوى فيها أسياخ البطاطس جيدًا.
“…عزيزي؟”
لقد بدا تمامًا مثل رئيس النقابة.
في تلك اللحظة، رفع الرجل رأسه وقال:
“يبدو أنكِ جئتِ وحدك في النهاية. أتريدين بعض أسياخ البطاطس؟”
كما خمنتُ، كان بالفعل رئيس النقابة.
“كيف أتيت إلى هنا؟ لا، منذ متى وأنت هنا؟ لقد أخبرتك ألا تتجسس!”
“لم أكن أنوي المجيء بسبب وعدنا، ولكن…”
“هل تقول إن لديك سببًا؟”
“أجل.”
هل حدث شيء ما؟
نظر رئيس النقابة إلى أسياخ البطاطس مرة أخرى وقال: “جئت لأسألك عن المعلومات الخاطئة التي أعطيتِني إياها.”
معلومات خاطئة؟
أملتُ رأسي في حيرة.
تحدث رئيس النقابة بصوت منخفض نوعًا ما.
“لقد قلتِ إن بنيامين سيُصاب.”
“أجل.”
“لكن لم تقع إصابات في معركة اليوم.”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 74"