“أخيرًا أدركتُ أنه لحماية من أهتم بهم، لا ينبغي لي الهروب أو التصرف بسلبية، بل يجب أن أمتلك في النهاية القوةَ اللازمةَ لِحمايتهم.”
تابع داميان بصوته المُشوب بتنهدة خفيفة.
“فبدون القدرة على حماية نفسي، كيف لي أن أحمي أي شخص آخر؟”
في تلك اللحظة، بدا أن تشارلز قد فهم أخيرًا السببَ الذي جعل داميان يسعى وراء القوة.
إنه ليحمي أحدهم.
هذا أيضًا بدا أنه السبب الذي جعله أكثر نُضجًا وحِدة مما كان عليه سابقًا.
“نظرًا للوضع الحالي، لن أهرب من أمي بعد الآن. بدلًا من ذلك، سأواجهها وسأقاتل من أجل حياتي أنا.”
“صاحب السمو…”
“خلال وجودي خارج القصر، أتقنتُ فن التفاوض. ولم أتوقف عند هذا فحسب، بل اكتسبتُ تجاربَ متنوعة. حتى أنني التقيتُ ببعض مُحدثي الشغب…”
“مُحدثي شغب؟”
“حسنًا، يوجد مثل هؤلاء الأشخاص. على أي حال، كنتُ أقول إن الأمور ستتغير.”
ظل تشارلز صامتًا يُحدّق فيه فحسب.
فرغم أن مظهر داميان لم يتغير كثيرًا منذ آخر مرة رآه فيها تشارلز، إلا أنه بدا وكأنه نما وتطور بشكل ملحوظ.
فوجوده بدا أكثر امتلاءً وعظمة.
تساءل تشارلز فجأة كم نما مقدارُ نضج الأمير العائد.
***
أيضًا، عاد إيفانز إلى قصر الأمير الثاني بعد غياب طويل.
دخل المكتب رفقة دونكان وأخذ يُقلّب نظره في المكان.
على الرغم من غيابه لفترة ليست بالقصيرة، بدت المكتبة كما كانت تمامًا في آخر مرة رآها فيها.
شعر وكأنه كان هنا بالأمس فقط.
“يا مينكي، لماذا تُقلّب نظرك فجأة؟”
قال دونكان الذي كان قد جلس بالفعل على الأريكة ببرود.
ثم، وبسبب شعوره بعدم الارتياح بملابسه الرسمية، فك عدة أزرار كانت مشدودة حتى عنقه.
“لأنني لم أتواجد هنا منذ فترة.”
“تبدو عاطفيًا بعض الشيء.”
“أنت من يبدو عاطفيًا أيها السيد! ألم تهدد الخدم الذين قابلناهم آنفًا بشدة؟ كان ذلك تصرفًا غريبًا عليك، شديد العاطفة!”
“لستُ ‘سيدًا’ هنا. نادني داميان بشكل صحيح. و ألستُ دائم العاطفة، أتعلم؟”
“….”
“يقولون إن الحيوانات الأليفة تُشبه أصحابها.”
“أنا لست حيوانًا أليفًا.”
“آه، صحيح. كنت كلبًا ضالًا، أليس كذلك؟”
“داميان!”
نادى إيفانز باسمه بصوت عالٍ.
كان ذلك رجاءً منه أن يتوقف.
قهقه دونكان بهدوء وكشف أخيرًا عن مشاعره الحقيقية.
“إيفانز، أعرف أنني تحدثتُ بقسوة شديدة. فهم في النهاية كانوا يذكرون حقائق.”
“…داميان.”
“لكن الناس يميلون إلى أن يصبحوا دفاعيين عندما يُواجهون بالحقيقة، أليس كذلك؟ لقد كنتُ أُفرغ إحباطاتي على من تحدثوا بصراحة عني.”
“لكن داميان في الماضي لم يكن بإمكانه فعل شيء أيضًا. كنت صغيرًا، ولم يكن لديك أي فصيل يدعمك.”
“هذا صحيح.”
حدّق دونكان بفراغ في مكان ما، مسترجعًا ماضيًا كان يتمنى نسيانه.
“أتعلم، لقد عرفت مُبكرًا أن أمي تخطط لقتل ماري. لقد عرفت ذلك بشكل طبيعي لكثرة تواجدي حولها.”
“….”
“لكنني افتقرتُ للشجاعة لمعارضتها، لذا غضضتُ الطرف دون وعي عن حقيقة أن ماري كانت في خطر.”
مرر دونكان يده على وجهه، وكأنه يجففه.
لو لم يتردد حينها، لو لم يهرب بل واجه أمه، هل كانت ماري ستظل على قيد الحياة؟
“لم أشعر بالندم حقًا إلا بعد رحيل ماري. ولكن حتى وأنا أشعر بالندم، اخترتُ الهروب مجددًا. كأحمق.”
اختار دونكان الهروب من القصر الذي كان يُشعره بالغثيان.
بعد مغادرته، أسس النقابة التي طالما أراد إنشاءها، بل ونجح في إدارة مركز تشيلسي الذي نفته إليه أمه.
في ذلك الوقت، اعتقد أنها كانت الخيار الأمثل.
كان يعتقد أن بفعله هذا، لن تكون حياة أخيه كينيث مهددة.
“لكن انظر إلي الآن. مرة أخرى، أخفقتُ في حماية شخص أردتُ الاحتفاظ به آمنًا.”
زفر دانكن نفسًا جافًا.
لو كان قد كشف عن هويته ووجهه لإيرينا في وقت أبكر، لما وصلت الأمور إلى هذا الحد.
لكن دونكان لم يرد أن يُطلع إيرينا على حقيقة أنه “الأمير الثاني الذي هرب من القصر”.
أراد أن يبقى في نظرها “رئيس النقابة الذكي ذو المهارات التجارية الممتازة” أو “مدير المركز المُرهف”.
بالتفكير في السبب الآن، يبدو أنه كان لِيَظهَر بمظهر حسن في عيني إيرينا.
ربما كانت رغبة في إبهار شخص كان مهتمًا به.
كان خائفًا على الأرجح من أن تصاب إيرينا بخيبة أمل بعد رؤية وجهه الحقيقي.
لكن الآن، حان وقت التغيير حقًا.
لم يعد يرغب في تجربة خسارة شخص عزيز عليه مرة أخرى عبثًا.
حتى لو كانت إيرينا قد تُصاب بخيبة أمل.
“داميان. لا تزال هناك فرصة. لم تفشل في حمايتها بعد. كل ما عليك هو القتال من أجلها والحفاظ على سلامتها.”
بدا أن إيفانز يحاول رفع معنوياته.
إيفانز، الذي كان بجانبه منذ الطفولة.
أحد الأشخاص القلائل الذين يمكنه الوثوق بهم واتباعهم في القصر الفوضوي.
شعر دونكان بالامتنان لإيفانز من جديد.
“شكرًا لك، أيها المساعد إيفانز.”
بدا أنه مر وقت طويل جدًا منذ أن خاطبه بلقبه الرسمي.
“لذا، لا تكن مكتئبًا هكذا، فهذا لا يليق بأمير. ربما لأنني كثيرًا ما رأيتُ وجهك الخبيث عندما كنتَ تعمل كرئيس للنقابة… لستُ معتادًا على رؤيتك خجولًا هكذا.”
باستثناء عندما يقول أشياء مزعجة كهذه.
“موراين باتش، هل أُريكَ ما معنى الخبث الحقيقي؟”
“هاهاها. هذا السلوك مخيف، لكنه أفضل من رؤيتك مكتئبًا.”
“هل تستمتع بـالماسوشية* ربما؟”
•|م.م: هي اضطراب نفسي وسلوكي، يتميز باستمداد الفرد للذة أو المتعة من خلال تعريض نفسه للألم، الإذلال، أو الخضوع والإهانة، سواء من الآخرين أو بإيذاء نفسه. تعتبر عكس السادية، وغالبًا ما ترجع لجذور نفسية مبكرة أو تجارب طفولة قاسية.
هز إيفانز رأسه بشدة.
“إيذاء الحيوانات يُعاقب عليه بالسجن…”
“كفى، اجلس. كما قلت، دعنا نكمل وضع الخطط لحماية الشخص العزيز.”
جلس إيفانز مقابل دونكان مُتمتمًا:
“إنه لا يعاملني كحيوان أليف إلا عندما يحتاجني…”
“وفقًا لما حققته أنت وبلِيس، هناك احتمالية كبيرة أن إيرينا محتجزة في ملحق قصر الدوق.”
“هذا صحيح.”
“لكن ملحق قصر الدوق ممنوع تمامًا على الغرباء، لذا فإن تصميمه الداخلي غير معروف جيدًا.”
“أجل.”
“علاوة على ذلك، هيكله الداخلي غريب جدًا، لدرجة أن حتى الخدم الذين عملوا في قصر الدوق لسنوات طويلة يشيرون إليه بـ ‘المتاهة’.”
كان ملحق قصر دوق فيسينتي مساحة خاصة تمامًا.
هيكله معقد ومربك لدرجة أنه لا أحد يعرف الطريق فيه بشكل صحيح سوى العارفين من الداخل الذين يستخدمونه بانتظام.
لذلك، حتى لو تمكن دخيل من اختراق الحراسة المشددة ودخل الملحق بالصدفة، فمن المرجح أن يضيع بالداخل.
“لكن هناك شيء لا يعلمه بنيامين.”
ابتسم دونكان ابتسامة شريرة، وكأنه لم يكن مُتأثرًا بالماضي أبدًا.
“لديَّ مستودع معلومات تراكم على مدى زمن طويل جدًا.”
خطط دونكان لاستخدام القدرة التي لم يستخدمها إلا عندما كان رئيسًا للنقابة بشكل فعّال.
تردد صدى صوت منخفض بين شفتيه.
“موسوعة البطاطس.”
ما إن نطق بها، حتى ظهرت أمام عينيه صناديق صفراء مستطيلة لا تُحصى.
لقد تجلت قدرة [المكتبة العظمى].
بدأ دونكان يبحث في الصناديق المستطيلة بأُلفة.
“لنرى. يجب أن تكون هناك معلومات عن قصر دوق فيسينتي في مكان ما هنا.”
لم يمض وقت طويل حتى أشرق وجهه فورًا.
بعد ذلك بوقت قصير، ضغط دونكان بقوة على أحد الصناديق بطرف إصبعه.
حينها، ظهرت مخططات هندسية كبيرة مرسومة في الهواء.
“هـ-هذا!”
تفاجأ إيفانز عندما رأى المخططات.
“مهما كان سريًا، فإن المخططات المعمارية التي يتركها المهندس المعماري تبقى دائمًا.”
“مذهل. لأفكر في وجود مثل هذه المعلومات…”
“المعلومات واسعة جدًا لدرجة أنني حتى لا أعرف حدودها، لكنها تحتوي على كل ما قد تحتاجه تقريبًا.”
“حقًا قدرة غامضة.”
“أنا رائع جدًا، أليس كذلك؟”
“إنها قدرة رائعة.”
“الشخص الذي يستخدم هذه القدرة هو الرائع. قل ذلك موراين باتش.”
“…أجل.”
هل هكذا تشعر والدتي دائمًا؟
يقولون إن الناس يصبحون متشابهين كلما زاد الوقت الذي يقضونه معًا؛ ربما بدأ إيفانز يُشبهه من خلال إصراره العنيد على الإجابة الصحيحة.
“سأرسم المخططات بشكل منفصل لك موراين باتش.”
“ماذا؟”
“ستحتاج إلى استكشاف هذا المكان المتاهة ومقابلة إيرينا الأسيرة.”
“….”
“سأعطيك مكافأة كبيرة. دعنا نعمل معًا بجد.”
“أجل! سأعمل بجد. وهو بالتأكيد ليس من أجل المال. أنا أيضًا أرغب حقًا في إنقاذ المرشدة إيرينا…”
“و؟”
“أميرنا يحتاج إلى الزواج أيضًا. هاهاها.”
“….”
حدّق دونكان بصمت في إيفانز.
بما أنه هو نفسه فكر دون وعي في قضاء حياته مع إيرينا، لم يستطع إنكار كلمات إيفانز.
بدأ دونكان يرسم المخططات الهندسية لملحق قصر الدوق على الرق.
طوال عملية اتباع المخططات، اشتاق إلى إيرينا.
هل كانت تأكل جيدًا؟ هل أصيبت في مكان ما؟
هل تفكر بي؟
لا ينبغي لمديرة فرعنا أن تتضور جوعًا.
“إذاً سأذهب حالًا!”
بمجرد أن كان إيفانز، الذي تلقى المخططات، على وشك مغادرة المكتب.
في تلك اللحظة، سُمع صوت خادمة من خارج الباب تُعلن عن وصول زائر.
التعليقات لهذا الفصل " 123"