“أتعلم؟ لطالما ظننتُ أن هذا العالم مكانٌ بائسٌ حقًا، وذلك منذ وقتٍ طويل.”
قبل أن أحل محل إيرينا، عشتُ لسنواتٍ كطالبة تُماطل في امتحانات الخدمة المدنية، أدرس بلا كللٍ ليل نهار.
في عقدي الثاني من العمر، حيث كان يفترض بي أن أكون في أجمل وأحر أيام عمري، لم أستمتع حقًا.
وبسبب فرط دراستي، اختفى جميع أصدقائي من حولي دون أن أدري.
عشتُ في قلقٍ دائمٍ من أنني إن لم أصبح موظفة حكومية، سأعيشُ كفاشلة.
لأنني كنتُ وحيدة، ولم أكن أعرف كيف أفعل أي شيءٍ آخر.
ربما أدركت السماء يأسي، ونجحتُ أخيرًا في الامتحان.
المشكلة الوحيدة كانت أنه فور نجاحي، وقعتُ في حفرة صرف صحي، ودخلتُ إلى إحدى الروايات…
وهكذا، أصبحتُ إيرينا وعشتُ كفاشلة مجددًا طوال العام الماضي.
أسدد ديونًا لم تكن لي، وأذهب إلى ساحات قتالٍ أواجه فيها الموت.
كيف لي أن لا أرى العالم بائسًا وأنا أعيش هكذا؟
بل كان أكثر من بائس، كان أحيانًا يُصِرُّ على أسناني من شدته.
لم أستطع حقًا تخيل مستقبلٍ لن أعيش فيه كفاشلة.
“لكن السبب في أنني استمريت حية حتى الآن هو أنه كان هناك دومًا ما يساعدني على التحمل في الأوقات العصيبة.”
أحيانًا، كانت وجبة خفيفة لذيذة هي السعادة الصغيرة في حياتي.
وأحيانًا أخرى، كنت أعيش يومًا إضافيًا لمجرد وجود مسلسلٍ أحبه.
كان عليّ أن أعيشَ لأرى نهايته.
بعد أن أصبحتُ إيرينا، وقبل أن أصل إلى حافة الهاوية بعد تحمّلٍ طويل، قابلتُ بليس.
ذلك الرفيق الصغير العزيز منحني السعادة.
ولم يكن بليس فقط.
كنتُ ممتنة أيضًا لمقابلة “دونكان ” و”رئيس النقابة”. بفضلهما، استطعتُ أن أعيش كـإيرينا”، كـأنيا.
لكن رئيس النقابة ربما لا يزال يراني مجرد شخصٍ غريب الأطوار بعض الشيء، منفتح بسخافة، وكل ما يميزه هو قدرته على ترويض الوحوش.
إنه لا يكرهني، لكنني على الأرجح لم أكن شخصًا يمكنه الاعتماد عليّ.
حتى أنا نفسي لم أظن أنني بهذه الروعة.
لقد سببتُ له المتاعب أيضًا…
لكنني الآن بنيتُ أساسًا لأصبح شخصًا كفؤًا يمكنه مساعدته.
أردتُ أن أصبح شخصًا مميزًا، وأثبتُ نفسي كسندٍ له.
ورغم أنني لا أعرف تفاصيل ظروفه، إلا أنني شعرتُ بالأسف لأجله، لأنه يضطر لإخفاء وجهه، تاركًا ظهره لعائلته ومكانته.
“أظن أن عزيزي حتمًا لديه أمور صعبة لا يستطيع إخباري بها وآملُ حقًا أن يكون وجودي قوةً لذلك العزيز ليعيش من أجل الغد.”
[…]
“آملُ ألا تشعر، بسببي، أن هذا العالم بائس فقط.”
بعد أن كشفتُ عن مشاعري الدفينة دون إخفاء، ما شعرتُ به كان الخجل.
حتى أنا لا أعرف لماذا أصبحتُ صريحةً لهذه الدرجة.
لكن الكلمات إذا خرجت، لا يمكن استرجاعها.
هذه المرة، حبستُ أنفاسي وانتظرتُ إجابة رئيس النقابة.
تمنيتُ فقط ألا يوبخني قائلاً:
“من أنتِ حتى تتحدثي عن كونك سندًا لي؟”.
وسرعان ما جاء صوتٌ عذب من رئيس النقابة، الذي ظل صامتًا طوال الوقت.
[أنا مشتاق إليكِ.]
لم تكن المرة الأولى التي أسمعه يقول إنه يشتاق لي.
بالتأكيد سمعتها منه مؤخرًا أيضًا، لكن اليوم، بدا أن نفس الكلمات تحمل معنىً مختلفًا.
هل كان ذلك لأن صوت رئيس النقابة ارتجف قليلاً؟
عند ذلك الاهتزاز الصغير الذي شعرتُ أنه بداية الحب، بدأ قلبي يدق بعنف.
[أتساءل أيضًا، هل كنتُ أنا سندكِ؟]
الجواب على هذا السؤال كان بسيطًا.
“أنت بالفعل سندي.”
هل يمكن أن يكون هناك من ساندني بقدر ما ساندني هو؟
بدونه، ما كنتُ لأستطيع الهروب من حياة إيرينا في الرواية الأصلية.
[هاه، أريد لقاءكِ حالًا. و…]
“و ماذا؟”
[…هناك شيء أود التأكد منه، لكن دعينا نتحدث عنه عندما نلتقي.]
هل هو مجرد وهمي السخيف أن قلوبنا قد توحدت؟
أردتُ أن أضع أملًا في قلب رئيس النقابة.
تمنيتُ أن يخلع قلنسوته ويعترف لي باسمه الحقيقي.
ظننتُ أن إفصاحه عن اسمه سيكون بمثابة اعترافٍ بحبه.
[إذاً، لنلتقي غدًا صباحًا.]
“أجل! لنتقابل بالتأكيد، بالتأكيد.”
انتهى الاتصال على صوت ضحكة رئيس النقابة.
كان لدي شعور رائع أنني لم أوسع العمل التجاري فحسب، بل قد تتحقق أمنيتي في الحب أيضًا.
لكنني لم أستطع البقاء منغمسة في هذا الشعور طويلًا.
فقد كان هناك حضور صغير من جهة طريق الغابة بجانب الممر.
“م-من هناك؟”
بليس، الذي كان مختبئًا في عباءتي خوفًا من كين، بدا أنه سمع الصوت أيضًا وحاول القفز من العباءة.
وسرعان ما خرج شخصٌ من بين الشجيرات.
“… إنه أنت.”
كان الرجل الذي اختفى فجأة أثناء الإفطار.
أوه. توقعتُ من يكون.
تنفستُ الصعداء.
على الأقل، لا يبدو أن هذا الرجل سيؤذيني فجأة.
سرعان ما كتب الرجل شيئًا في مفكرته ورفعها أمام عيني.
«ذلك الشخص، هل هو شخص تحبينه؟»
“هل ستقدم لي نصيحة عاطفية؟ على فكرة، أين كنتَ قبل أن تقفز من بين الشجيرات؟”
«أنتِ حقًا قبيحة الآن»
هذا الشخص، حقًا.
ينظر إلى وجهي الجميل المليء بالحب ويتحدث عن القبح!
لكن وجهي مغطى بالقلنسوة ولا يجب أن يكون مرئيًا، لذا لا أفهم ما الذي يراه ليتحدث عن القبح.
“هذه القبيحة ستمضي الآن. عُد إلى النزل أو لا تعد، افعل ما تشاء.”
سأتغاضى عن هذا لأنني بمزاج جيد اليوم.
لكن الرجل سد طريقي، مانعًا إياي من المغادرة.
يبدو أن لديه المزيد ليقوله.
“ماذا الآن؟”
«ماذا يعني أن تحب أحدًا؟»
كان نفس السؤال الذي سمعته من رئيس النقابة من قبل.
رددتُ نفس الإجابة.
“أن تظل تفكر في ذلك الشخص، وأن يدق قلبك عند رؤيته، وأن تشعر أنك لا تستطيع العيش بدونه…”
في الماضي، ظننتُ أنني لا أستطيع حب شخص لا أعرف وجهه.
لذا ربما كنتُ سأحب دونكان أكثر من رئيس النقابة.
لكن بعد تلك القبلة العرضية، بعد معرفتي بهويته الحقيقية، أدركتُ أنني أفكر في رئيس النقابة بشكل مختلف.
حالما تعرفت على مشاعري، فكرتُ في رئيس النقابة أكثر من المعتاد، دق قلبي له بشدة، وشعرتُ بالضياع حيال كيف سأعيش بدونه.
في اللحظة التي أدركتُ أنها حب، ومن الغريب أن مشاعري المحبة نمت.
في لحظة.
إلى حجمٍ لم أستطع أنا نفسي قياسه.
“لا تقل لي إنك أيضًا تحب أحدًا؟”
[…]
ظل الرجل يحدق بي فقط.
ثم أسقط المفكرة التي كان يمسكها بخفة.
لا يبدو أن لديه أي نية للإجابة.
“إذا كنتَ لن تجيب، فسأمضي الآن.”
تسللتُ بهدوء متجاوزة الرجل.
وبدلًا من إيقافي مجددًا، تبعني الرجل بصمت.
عندما وصلنا بالقرب من الفرع، لم أعد أراه.
كما يفعل دائمًا، ظهر كالريح واختفى كالريح.
***
استلقيتُ على سرير التشمس ذي الإطلالة الأفضل على البحر، وراقبتُ الظلام يبدأ في الانتشار فوق المحيط.
كان ذهني مرتاحًا، وشعرتُ أن كلاً من الحب والعمل سيتحلان بشكل جيد.
يجب على المرء أن يعيش مستمتعًا بمثل هذا الرفاهية.
“كلما أنظر إليه أكثر، أجد البحر أكثر جمالًا.”
حركتُ أصابع قدمي.
الاستلقاء على سرير تشمس مقابل البحر الأزرق الصيفي، والاستمتاع بنسيم الصيف اللطيف، مع عدم وجود هموم كبيرة بشأن الغد.
أخيرًا شعرتُ أنني وصلتُ إلى الجنة.
في تلك اللحظة، رأيت ماركو، الذي أرسلته لإحضار القهوة المثلجة، يقترب.
“سيدتي! أحضرتُ قهوتكِ.”
“أجل، شكرًا لك.”
“تهانينا على تأمين العقد بنجاح اليوم.”
“شكرًا مجددًا!”
“سيدتنا طيبة القلب، ماهرة في العمل، وحتى جميلة، هذا رائع حقًا.”
يبدو أن مهارات ماركو الاجتماعية تزداد تطورًا يومًا بعد يوم.
مسحتُ شعر ماركو المجعد بلطف.
“شكرًا لك، حتى لو كان مجرد تملق.”
“إنه ليس تملقًا! أنا فضولي بشأن ماذا كنتِ تفعلين قبل توليك منصب مديرة الفرع. أظن أنكِ لا بد أنكِ كنتِ تفعلين شيئًا مذهلاً لا أستطيع حتى تخيله.”
[…]
ماذا كنتُ أفعل قبل ذلك؟
كنتُ أعمل كالكلب لأُسدد الديون التي تراكمت على والدي إيرينا، تحت رحمة المشاغبين الثلاثة من فرسان “ألن” الذين لا يهتمون بحقوقي الإنسانية.
استدعاء تلك الأيام بعد هذا الوقت الطويل أصابني بقشعريرة.
كانت أيامًا مرهقة لم أرغب أبدًا في العودة إليها.
“ماركو”، غير المُلم بظروفي، أطلق العنان لخياله.
“ماذا يسمون شخصًا مثل سيدتي؟ سيد خفي…؟”
سيد خفي، حقًا.
“متسولة خفية” سيكون تعبيرًا أكثر ملاءمة لي، لكنني لم أرغب في تحطيم خيال ماركو، فتفاخرت قليلًا.
“سيد خفي. يعجبني هذا اللقب. دعنا نعتمده!”
يا لروعة أن يعجبني كوني سيدًا خفيًا الآن.
أؤكد، لم أكن أرغب أبدًا في العودة إلى أيام إرشادي للمشاغبين الثلاثة.
على أي حال، بما أن أوليفيا وجدت مكانها، ربما لن أضطر لإرشادهم مجددًا.
قهقهتُ مثل الشرير وابتلعتُ قهوتي دفعة واحدة.
وبينما تذوقتُ مرارة الحياة، امتلأ فمي بالبرودة.
“هل كان هناك أي شيء غير اعتيادي اليوم أثناء وجودي في قصر الكونت؟”
<يتبع في الفصل القادم>
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 103"