‘اللعنة!’
تمتم راينهاردت بلعنةٍ نابية.
رغم أنه لم يرغب في إثقال كاهلها، إلّا أنه وجد نفسه يشتهيها باستمرار.
في تلك اللحظة، غمره شعورٌ جارفٌ بالكراهية الذاتية، فعضّ شفته السفلى.
“دوق؟ لماذا لم تدخل بعد؟”
تحدّث أحدهم إلى راينهاردت بنبرةٍ حائرة.
كان القائد، الذي كان يتفقّد المكان في وقتٍ متأخّرٍ من الليل.
“ششش.”
وضع راينهاردت سبابته على شفتيه على عجل.
توقّف القائد، الذي كان يحدّق في راينهاردت بنظرةٍ حائرة، فجأة.
كان ذلك لأنه اكتشف وجود كلوديل متأخّرًا، وقد غفت في نومٍ عميق، غافلةً عما حولها.
في الوقت نفسه، ارتسمت ابتسامةٌ ماكرةٌ على شفتيّ القائد.
‘حسنًا، ما زالا عروسين جديدين.’
تراجع القائد بحذر.
لم يُرِد أن يزعجهما.
مدّ راينهاردت يده وعدّل وضعية كلوديل لتستند براحةٍ أكبر.
ثم نظر إلى السماء المرصّعة بالنجوم.
زقزقة الحشرات.
النسيم العليل بين الحين والآخر.
وحتى حفيف الأنفاس بجانبه.
كلّ شيء… كان كل شيءٍ مثاليًا.
* * *
بعد بضعة أيام.
دخلت العربة أخيرًا إلى إقطاعية فريزر.
كانت الطرق معبدةً جيدًا، وإن كانت قديمةً بعض الشيء.
المباني المنخفضة.
وحتى السكان المارّين.
نظرت كلوديل من النافذة إلى القصر، فتذكّرت فجأةً الحقول الشاسعة التي رأتها في طريقها إلى هنا.
المناظر الطبيعية، حقولٌ خضراء وارفةٌ تفيض كالبحر.
بالمقارنة مع ذلك المشهد المهيب، بدت إقطاعية فريزر أمامها أشبه بقريةٍ عادية.
لم تكن تبدو مزدهرةً بشكلٍ خاصٍّ مقارنةً بالأراضي الأخرى.
‘على الرغم من هذا الإنتاج الوفير من الحبوب، فهذا كلّ ما أضحت به.’
ضاقت عينا كلوديل.
كان الأمر واضحًا للعيان.
في الوقت الراهن، بالكاد تستغل إقطاعية فريزر كامل إمكانياتها.
والسبب في ذلك على الأرجح…
‘لا بد أن يكون ذلك بسبب العائلة المالكة.’
بعد أن عبرت العربة الإقطاعية، اتّجهت مباشرةً نحو كونتية فريزر.
مع أن سبب الزيارة كان ‘لقاءً مع الراهبة أنتونيا’.
إلّا أنه في الواقع، عندما يزور نبيلٌ رفيع المستوى أرض نبيلٍ آخر، فمن الطبيعي أن يلتقي أولًا بسيد تلك الأرض.
يعود ذلك إلى عادةٍ قديمةٍ يقضي بأن يرحّب مُلَّاكُ الأراضي ببعضهم البعض كضيوف، وأن لا يُعادوا بعضهم.
كان هذا بالضبط ما تهدف إليه كلوديل.
‘بهذه الطريقة، يمكننا مقابلة الكونت فريزر بكل سهولة.’
لو طلب فالديمار عقد صفقةٍ رسميًا، لكان هناك احتمالٌ أن يرفضها آل فريزر منذ البداية.
كما أن هذا سيكسبهم بعض الوقت.
بما أن رجال فالديمار لم يتواصلوا مباشرةً مع عائلة فريزر، فمن المرجّح أن الملك لم يكن ليُولي الأمر أيّ اهتمام.
هذا يعني…
أن الملك سيعلم بهذا الاجتماع بعد بضعة أيّامٍ على الأقل.
‘أيضًا، إذا مضينا قُدُمًا بهذه الطريقة، سيخفّ العبء على عائلة فريزر بشكلٍ كبير.’
كان الوضع مختلفًا تمامًا بالنسبة لفريزر إن استقبلوا فالديمار في مَهمّةٍ رسمية…
ولأن يُعامَل دوق ودوقة فالديمار كضيفين من قِبَل الكونت أثناء توقّفهما لفترةٍ وجيزةٍ في المقاطعة لأمرٌ آخر.
لذا، كانت عربة فالديمار متّجهةً مباشرةً إلى القلعة.
لكن…
“أنا أعتذر بشأن هذا.”
تمتمت كلوديل، وكادت تخرج منها تنهيدةٌ يائسة.
“على الفرسان الآخرين الانتظار في الخارج…”
“حسنًا، لا حيلة لي.”
ابتسم راينهاردت ابتسامةً ساخرة.
“هذا أفضل من إثارة قلقٍ لا داعي له.”
في الأحوال العادية، لم يكن دخولهم معًا ليُشكِّل مشكلة، لكن مضى وقتٌ طويلٌ منذ آخر لقاءٍ بين فالديمار وفريزر.
لذا، كان قائد الفرسان وحده مَن سيُرافق دوق ودوقة فالديمار.
“والأهم من ذلك، لم أتوقّع أبدًا أن تستغلي الموعد مع الأخت الرئيسة أنتونيا كذريعةٍ لدخول كونتية فريزر.”
نظر راينهاردت إلى كلوديل بنظرةٍ جديدة.
لكن، لم تكن نظرته مُشرِقةً تمامًا.
“لكن، هل أنتِ بخير، كلوديل؟”
لمعت نظرة قلقٍ خفيفةٍ في عينيه البنفسجيتين.
“الأخت أنتونيا… أليست أخت الكونت فارنيسيو؟”
في الواقع، لم تكن علاقة كلوديل بأزواجها السابقين جيدة.
لذا ظنّ أن لقاء الأخت أنتونيا قد يكون عبئًا عليها.
“لا بأس.”
“لكن…”
“لا تقلق كثيرًا. لم تكن الأخت أنتونيا بتلك القسوة.”
وبعبارةٍ أدقّ، من الأصح القول إنها لم تكن مهتمّةً بكلوديل على الإطلاق.
ضاقت عيناها الزرقاوان ببرود.
‘علينا أن نكسب ودّ أنتونيا قدر الإمكان.’
مع أن النظام كان متورّطًا عمليًا مع العائلة المالكة، إلّا أن أضعف حلقاته ما زالت قائمة.
تلك الحلقة هي ‘الراهبات’.
نصف رجال الدين في النظام كانوا من الراهبات.
هذا يعني…
إذا استطاعت بطريقةٍ ما كسب الراهبات إلى جانبها، فإن أكثر من نصف النظام سينشق إلى فالديمار.
كانت كلوديل مصمّمةً على فعل أيّ شيءٍ من أجل فالديمار.
“بالطبع، ليس الأمر أنني لا أثق بكلوديل، ولكن …”
تمتم راينهاردت متنهدًا.
“لكن لا تُرهقي نفسكِ كثيرًا، حسنًا؟”
“بالتأكيد.”
ابتسمت كلوديل وألقت نظرةً خاطفةً من النافذة مجددًا.
كانت قلعة الكونت في مرمى البصر.
* * *
كانت قلعة الكونت فريزر مبنىً بسيطًا، لا فخمًا.
أشعت جدرانها الجرانيتية الخشنة برائحة الزمن.
حملت الحدائق المُعتنى بها جيدًا وكلّ شبرٍ من المبنى آثار أيدي البشر.
“نُحيّي دوق ودوقة فالديمار.”
استقبل خدم الكونت، الذين كانوا ينتظرون، الزوجين بانحناءةٍ مهذّبدة.
ثم اقتادوهما مباشرةً إلى غرفة الاستقبال.
“هل يمكنكما الانتظار في غرفة الاستقبال لحظةً من فضلكما؟”
انحنت الخادمة بأدبٍ وانصرفت.
نظرت كلوديل حولها.
‘غرفة الاستقبال هي أوّل مكانٍ يُستقبَل فيه الضيوف.’
كانت الغرفة بسيطة المظهر.
بالطبع، البساطة ليست عيبًا، لكنها بدت متواضعةً بعض الشيء بالنسبة لسيدٍ يملكُ أفضل منطقةٍ لإنتاج الحبوب في المملكة.
بعد الانتظار لبرعة.
“أعتذر عن التأخير.”
أخيرًا، ظهر الكونت والكونتيسة فريزر في غرفة الاستقبال.
كانا زوجين في منتصف العمر، يكبران الفيكونت دوتريش بخمس أو ست سنوات.
أجاب راينهاردت بأدب.
“لا، بل على العكس من ذلك، أنا ممتنٌّ حقًا لكرم ضيافتكم.”
تبع كلوديل راينهاردت، وألقى نظرةً خاطفةً على الكونت وزوجته.
ظهرت بعض الشعيرات الرمادية بين شعر الكونت الكستنائي الداكن.
بالنظر إليهما، بدا وكأنه فهم سرّ خصلات شعر الملكة البُنيّة الداكنة الفاتنة.
‘جلالة الملكة تشبه الكونت إلى حدٍّ كبير.’
تذكّرت كلوديل فجأةً نظرة الملكة المليئة بالاشمئزاز وهي تحدّق بها.
لطالما كانت الملكة نبيلةً وموقّرة، لكن نظراتها لم تكن تزداد حدّةً إلّا عندما التقت بكلوديل.
«آنسة دوتريش، ابنة الفيكونت دوتريش. جلالة الملكة تناديكِ.»
لا يزال صوت خادمة الملكة، وهي تنطق بتلك الكلمات بازدراء، يتردّد في أذنيها بوضوح.
لذا، ما إن دخلت القصر، حتى أمرت الملكة كلوديل بالركوع عند قدميها.
ثم حدّقت بها بنظرةٍ باردة.
لم تستطع أن تتذكّر كم من الساعات قضتها جاثية.
حتى تخدّرت ركبتاها على أرضيّة الرخام، وتجمّدت يداها.
لم تطلب الملكة من كلوديل الوقوف ولو لمرّةٍ واحدة.
«حتى لو حالف الحظ شخصًا وضيعًا بما يكفي ليحظى بنظرة جلالته.»
نهضت الملكة فجأةً من مقعدها، وهي تبصق كلّ كلمةٍ بكراهية.
أمسكت بشعر كلوديل وأجبرتها على رفع رأسها.
وبينما كانت كلوديل تعضّ شفتها وتكتم أنينًا، حدّقت بها الملكة بغضب، وعيناها تجوبان المكان.
«أتجرؤين على اغتصاب منصبي؟»
لكن كلوديل فهمت مشاعر الملكة.
كانت تدرك تمامًا مدى الألم الذي يسبّبه عدم الاحترام.
في الواقع، بينما كانت كلوديل تُعذَّب من قِبَل الملكة، لم يُقدِّم لها الملك الحماية ولو لمرّةٍ واحدة.
بل كان يُرافقها إلى كلّ مناسبةٍ رسمية، وكأنه يُريد التباهي، فيزيد ذلك من سخط الملكو أكثر.
طوال هذا الوقت، كانت الملكة تُترَك دائمًا في الخلف.
عندها…..
“لم أتوقّع أن يأتي إليّ دوق ودوقة فالديمار دون أن ينبسا ببنت شفّة.”
لفت صوت الكونت الحذر انتباه كلوديل فجأة.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
انستا: le.yona.1
التعليقات لهذا الفصل " 37"