بعد انتهاء الوجبة، حلَّ الظلام سريعًا.
تَناثرت النجوم في السماء السوداء اللامعة مثل ذرات الغبار.
جلست كلوديل متقوقعةً بجانب النار، تحدِّقُ بهدوءٍ في ألسنة اللهب القرمزية التي ترقص متمايلة.
أزيز، أزيز.
دوى صوت شرارات النار المتطايرة في المكان.
أصغت كلوديل باهتمام، ثم تثاءبت بهدوء.
“هااام.”
بعد يومٍ طويلٍ من التمايل والتأرجح في عربةٍ مهتزّةٍ، تناولت وجبةً شهية، إضافةً إلى الدفء المُريح الذي يغمر جسدها من لهيب النار، كان الشعور بالنعاس أمرًا طبيعيًا بل وحتميًا.
في تلك اللحظة، اقترب منها راينهاردت.
“لماذا لا تدخلين وتنامين؟”
“أودّ أن أستنشق بعض الهواء النقي قبل أن أدخل.”
كان هواء الليل منعشًا.
ذلك الشعور المثالي بالاسترخاء اللطيف.
دفعت نسمات الليل اللطيفة بشعر كلوديل الفضيّ الناصع البياض في كلّ اتجاه.
مدَّ راينهاردت يده دون تفكير، وأعاد خصلات شعرها خلف أذنها.
وفي نفس اللحظة، التقت عيناهما.
“……”
“……”
ساد الصمت.
في العادة، كانت كلوديل هي مَن تفزع وتبتعد متجنّبةً النظر.
لكن هذه المرّة كانت مختلفة.
“هـ هناك الكثير من النجوم، أليس كذلك؟”
أبعد راينهاردت نظره، محوّلاً الحديث نحو سماء الليل.
شعرت كلوديل ببعض الحيرة، لكنها رفعت رأسها مطيعةً لراينهاردت.
“نعم. هناك نجومٌ كثيرةٌ حقًا.”
ارتسمت ابتسامةٌ خفيفةٌ على وجه كلوديل.
“أعتقد أن هذه المرّة الأولى التي أرى فيها هذا العدد من النجوم.”
حدّق راينهاردت في كلوديل كما لو كان مسحورًا.
في ظلام الليل، بدت وحدها مَن تنبض بالحياة، بدت وكأنها وحدها المليئة بالألوان والنشاط.
بعد أن حدّقت في النجوم لفترة، التفتت كلوديل نحو راينهاردت بوجهٍ مُشرِقٍ مبتسم.
“لطالما أردتُ أن أشكرك، أيّها الدوق.”
“أنا؟”
أومأت كلوديل برأسها بهدوء.
كانت كلماتٍ لم تستطع قولها في السابق بسبب خجلها.
ولكن الآن، شعرت بشجاعةٍ ما.
واصلت كلوديل حديثها بهدوء.
“لأنكَ أنتَ مَن غيَّرتَ عالمي، دوق.”
كانت صادقة.
لقد غيّر لقاء راينهاردت حياة كلوديل بالكامل.
لم تعد مضطرّةً لأن تعيش بحذر، كالمشي على طبقةٍ رقيقةٍ من الجليد، مُراقِبةً ردود أفعال الآخرين.
ولم تَعُد مضطرّةً لتتعوّد على العنف.
“ولذلك…”
ارتسمت ابتسامةٌ خفيفةٌ على وجه كلوديل مرّةً أخرى.
تلك النظرة المليئة بالإعجاب والحبّ النقيَّين، الموجّهة فقط إلى راينهاردت.
“أريد أن أكون مفيدةً لكَ بطريقةٍ ما، أنا أيضًا.”
في تلك اللحظة، خفق قلب راينهاردت بشدّةٍ من جديد.
ما هذا الشعور الغريب؟
كلّما واجه ابتسامتها، شعر بالعجز ولم يعرف كيف يتصرّف.
لم يستطع راينهاردت التحمّل أكثر، فنهض فجأةً من مكانه.
“ألا تشعرين بالبرد؟”
تلعثمت كلوديل، وعيناها متّسعتان من الدهشة.
“هاه؟ لا، أنا بخير…”
“انتظري قليلًا من فضلكِ. سأُحضرُ لكِ بطانية.”
سار راينهاردت مُسرعًا باتجاه الخيمة.
الغريب أن وجهه ظل يحترق.
حتى أنه أخطأ في الإمساك بها بضعة مرّاتٍ قبل أن يتمكّن أخيرًا من إخراج البطانية.
إذا استمر الأمر هكذا، فسيبدو حقًا كالأحمق أمام كلوديل …
‘فلتجمع شُتات نفسك.’
بعد أن وبَّخ نفسه، حمل البطانية واتّجه نحو كلوديل.
نظرت إليه وهي تتثاءب باستمرار.
“هل عُدت؟”
“أعتقد أنه من الأفضل أن تدخلي. تبدين متعبة.”
“لا. أنا…”
تمتمت كلوديل بكلماتٍ غير مفهومةٍ ثم فركت عينيها.
بدا أن الدموع تجمّعت في عينيها أثناء التثاؤب.
احمرّ وجهه بشدّة.
أليس هذا بالضبط ما كان يخشاه؟ أن يبدو كالأحمق أمام كلوديل؟
فتح راينهاردت فمه على عجل.
“أنا فقط…”
توقّف راينهاردت عند هذه النقطة، عجز عن الحديث.
كيف يمكنه تفسير هذا؟
قلبي يخفق بشدّةٍ كلما اقتربتِ مني؟
أنا، أشعر بالوعي بوجودكِ باستمرار….
‘تبًّا، لا يمكنني قول ذلك.’
أخذ راينهاردت نفسًا عميقًا داخليًا، وحاول أن يبدو هادئًا قدر الإمكان.
وردّ بنبرةٍ مازحة:
“لأن كلوديل جميلةٌ جدًا.”
“ماذا؟”
اتسعت عينا كلوديل دهشةً كعيني الأرنب.
على الرغم من ذلك، كانت كلمة ‘جميلة’ صادقةً تمامًا. أضاف راينهاردت دون وعيٍ كلماتٍ غريبةٍ بعض الشيء.
“لأنكِ جميلةٌ جدًا، لا يسعني إلّا أن أشعر بالتوتر.”
“بفت.”
في اللحظة نفسها، انطلقت من شفتي كلوديل ضحكةٌ مكتومة.
لم تستطع التحمّل، فضحكت بصوتٍ عالٍ.
وضع راينهاردت البطانية على كتفيها ثم عاد إلى مكانه.
“شكرًا لك.”
“على الرّحب والسعة.”
أجاب راينهاردت بلهجةٍ جامدة، وعيناه مثبّتتان على نار التخييم.
سألت كلوديل، التي كانت تُغطّي نفسها بالبطانية، بحذر.
“ألا تشعر بالبرد، سعادتك؟”
“أنا بخير.”
أجاب راينهاردت بينما كان يحدّق بعنادٍ في ألسنة اللهب فقط.
بقي وجهه جامدًا.
أصبح تعبير كلوديل خفيفًا بعض الشيء.
‘سعادته، يبدو أنه يتصرّف بغرابةٍ منذ قليل.’
أخذت كلوديل، التي كانت تتلمّس حافة البطانية دون سبب، ترمقه بنظرةٍ خاطفةٍ من زاوية عينها.
“هل فعلتُ شيئًا خاطئًا؟”
التفت راينهارت، وقد ارتبك للحظة، إلى كلوديل.
“ماذا؟”
“حسنًا، لقد بدوتَ منزعجًا منذ قليل. إذا كنتُ قد أسأتُ إليك …”
“لا!”
رفع راينهاردت صوته دون وعي.
نظرت كلوديل إليه بذهول.
‘آه، تبا.’
“آه-هاها! حقًا، ماذا يحدث؟”
“……”
حدَّق رينهارت في كلوديل، مفتونًا.
كانت هذه هي المرة الأولى التي يرى فيها كلوديل تضحك بهذه الصراحة.
مرّةً أخرى.
شعر وكأن كلوديل وحدها في هذا العالم التي تمتلك لونًا.
“على كلّ حال، أنا سعيدةٌ لأنني لم أفعل شيئًا خاطئًا.”
مسحت كلوديل، التي كانت تختنق بالضحك لفترة، دموع عينيها، وأطلقت تنهيدةً قصيرةً من الارتياح.
ثم نظرت إليه بنظرةٍ مليئةٍ بالمودّة.
“كنتُ قلقة.”
في الوقت نفسه، استعاد راينهاردت وعيه فجأة.
“إذا كنتُ قد أقلقتكِ، فأنا آسف. لم أقصد ذلك…”
“لكن ذلك كان جيدًا.”
“جيدًا؟”
سأل راينهاردت دون تفكير.
توقّف كلوديل لتفكّر في كلماتها للحظة.
حوّلت نظرها قليلًا إلى الأسفل، وهمست بصوتٍ خجولٍ صغير.
“أن سعادتك….. يعتقد أنني جميلة.”
عندها…
صدح صوتٌ حازم.
“أنتِ لا تعرفين شيئًا، كلوديل.”
هاه؟
رفعت كلوديل رأسها فجأة.
اختفت نظرة الحيرة التي كانت على وجهه سابقًا، وحدّق راينهاردت مباشرةً في عينيها.
وأكمل كلامه بحزم.
“بالنسبة لي، ستكونين دائمًا جميلةً في عيني، كلوديل.”
“……”
عند سماع هذه الكلمات، فاض قلب كلوديل وكأنها ربحت الدُّنيا وما فيها.
على الرغم من أنها تعرف أن هذا السعادة سيتعيّن عليها التخلي عنها يومًا ما.
بالنسبة لراينهاردت، لن يكون وجودها أكثر من عائق.
ومع ذلك، في الوقت الراهن …
… أرادت أن تتمتّع بهذه السعادة إلى أقصى حد.
بعد ذلك،
جلس الاثنان أمام نار المخيّم، يتجاذبان أطراف الحديث.
ثم.
‘همم؟’
عبس راينهاردت في حيرة.
خَفَت صوتها، الذي كان يثرثر كعصفورٍ صغيرٍ، تدريجيًا، وأصبح كلامها أبطأ.
وفي نفس الوقت، استند شيءٌ مستديرٌ على كتفه.
كان رأس كلوديل.
لم تستطع مقاومة النعاس، وغرقت في النوم.
“……”
لو كان راينهاردت في حالته المعتادة، لأيقظ كلوديل وأدخلها إلى الخيمة.
لكنه لم يفعل ذلك الآن.
بدلًا من ذلك، نظر بهدوءٍ إلى كلوديل وهي نائمةٌ تستند عليه.
صوت أنفاسها.
شفاهها الوردية الناعمة، المنفرجة قليلًا.
حتى شعرها الفضيّ الناعم المتناثر على كتفه…
لم يكن هناك شيءٌ واحدٌ غير محبّبٍ فيها…
‘حقًا، سأُجَنّ.’
أطلق راينهاردت تنهيدةً طويلة، وامتلأ صدره بمشاعر جيّاشة.
لم يكن غبيًّا.
كان يعلم تمامًا أن المشاعر التي يشعر بها ليست مجرّد ‘حبٍّ عائلي’.
بالطبع، كانت ثمينة.
أراد حمايتها، حتى لا تُمسَّ خصلةٌ واحدةٌ من شعرها..
ولكن، حتى في هذه اللحظة، كان كتفه الذي استند إليه رأسها يحترق بشدّة.
لو استطاع أن يُطبِق شفتيه على تلك الشفتين الممتلئتين، ويلامس غشاء فمها الرقيق بلسانه، ويبتلع كلّ شيءٍ حتى لا يتسرّب حتى نَفَسٌ واحدٌ للخارج.
لم يسعه إلّا أن يتخيّل كم سيكون ذلك شعورًا رائعًا.
كلّما نظر إليها، جفّ فمه.
وازدادت السخونة في أعماق معدته …
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
انستا: le.yona.1
التعليقات لهذا الفصل " 36"