لقد كانت رسالةً سياسيّةً إلى حدٍّ كبير.
ظاهريًا، بدت وكأنها مجرّد دوقةٍ تعاني من صعوباتٍ في مَهامها، وتريد طلب المساعدة من كاهنةٍ عُليا في وضعٍ مماثل.
لكن…
[في الآونة الأخيرة، بسبب شعوري بالمسؤولية كمضيفة الدوقية، لدي رغبةٌ في البوح والاستشارة مع شخصٍ ما.]
[على أيّ حال، يجب أن تكون هناك جوانبٌ متشابهةٌ بين مسؤوليات الكنيسة التي تتحمّلينها كراهبةٍ الرئيسية، ومسؤوليات السيدة النبيلة.]
علقت هاتان الجملتان في ذهنها.
إذا كانت سيدة أحد العائلات، فيجب عليها تحمّل مسؤولية الشؤون الداخلية للعائلة.
وقول إن مسؤوليات الكنيسة التي تتحمّلها الراهبة الرئيسية لها جوانبٌ متشابهةٌ مع مسؤوليات السيدة النبيلة…
‘يبدو أنها قد فهمت بالفعل أيّ جزءٍ أُواجه صعوبةً فيه؟’
المشكلة التي تواجهها أنتونيا حاليًا بأكبر صعوبة.
كانت تلك هي المشكلة المالية.
لضمان معيشة الراهبات، كان يجب عليهنّ استلام نفقات المعيشة من الكنيسة.
وفي تلك العملية، اضطرّت الراهبات أن يصبحن الطرف الضعيف. وفي النهاية، لأنهنّ كنّ يتعرّضن للاضطهاد من قبل الكهنة وأصبحن رتبةً ثانيةً من رجال الدين.
وكانت كلوديل تقول الآن إنها ستعرض حلّاً لتلك النقطة.
رفعت أنتونيا حاجبيها قليلاً بتأنٍّ.
‘… هل كانت امرأةً بارعةً إلى هذا الحدّ في الأصل؟’
كانت تعتقد أنها مجرّد امرأةٍ لطيفةٍ وشديدة الخوف، ولكن الآن أليست تتصرّف مثل سيدةٍ نبيلةٍ بارعةٍ جدًا؟
وعلاوةً على ذلك، طريقة إرسالها للرسالة أيضًا كذلك.
‘لقد أرسلتها عبر دير باسيليكا.’
من ناحية المحتوى، كانت مجرّد رسالةٍ عاديّةٍ لا شيء فيها.
لكن لماذا أرسلتها بهذه الطريقة المعقّدة متجنّبةً أعين الآخرين؟
هذا يعني.
أنه قد يكون هناك هدفٌ آخر غير مجرّد لقاء أنتونيا ببساطة…
‘ممتع.’
ابتسمت أنتونيا ابتسامةً شريرةً وأمسكت بالقلم.
كان ردّها مكتوبًا فيه.
[سأكون سعيدةً بلقائكِ في أيّ وقتٍ تأتين فيه.]
***
فتحت كلوديل جفنيها فجأة. كانت أشعة الشمس الصباحية تنتشر بلطفٍ من وراء الستائر.
“دوق…؟”
نادت بصوتٍ خافت، لكن لم يكن هناك رد. عندما جلست كلوديل، انزلق الغطاء الذي كان يغطّيها حتى رقبتها.
نظرت حولها بعينيها الزرقاوين.
كان راينهاردت قد رحل.
لم يبقَ على الطاولة بجانب السرير سوى ورقةٍ صغيرة.
[يبدو أنكِ تنامين بعمق، لذا سأذهب دون إيقاظكِ. استريحي بهدوء.]
حدّقت كلوديل في الورقة الصغيرة بشرود.
رنّ صوت راينهاردت اللطيف في أذنيها.
‘بالتفكير في الأمر الآن، يترك الدوق دائمًا رسالةً كلما غادر أولاً.’
لابد أن هذا كان مزعجًا جدًا له.
لم يُظهِر لها الملك وأزواجها السابقين مثل هذا الاهتمام قط.
في كلّ مرةٍ ترى فيها كلوديل الرسالة، ينتابها شعورٌ غريب.
نهضت كلوديل وحفظت الورقة بعنايةٍ في صندوق. ارتسمت ابتسامةٌ خفيفةٌ على شفتيها وهي تنظر إلى الصندوق.
لكنها لم تدم طويلًا.
اشتدّت نظرة كلوديل.
‘منذ ليلتنا الأولى معًا، لم أنم مع الدوق ولو لمرّةٍ واحدة.’
على الأرجح كان السبب في أنها تمكّنت من قضاء ليلتها الأولى بسلام هو رعاية راينهاردت لها.
لم يكن من الممكن الاعتراف بها كدوقةٍ دون قضاء ليلتها الأولى معه.
كانت تلك النظرة الغاضبة التي تحدّق في اسم الملك المنقوش على جسد كلوديل وتغلي من الغضب بصمتٍ لا تزال حاضرةً في عينيها.
لكنها شعرت ببعض الارتياح.
لأن غضب راينهارد كان موجهًا نحو الملك فقط، وظلّت نظرته لكلوديل لا تزال لطيفة.
لهذا كانت تتوقّع في داخلها أنهما سيستمران في قضاء لياليهما كزوجين.
لكن بعد ذلك اليوم، لم يلمس راينهاردت حتى إصبعها.
‘كان الأمر كذلك قبل بضعة أيّامٍ أيضًا.’
عندما ذهبت كلوديل إلى راينهاردت وهي تحمل الحليب الدافئ والمربّى.
كاد أن يلفّ كتفيها لكنه سحب يده على عجل.
وكأنه ينفر منها.
‘لماذا بحق الإله؟’
هل لأنني أفتقر لأيّ جاذبيةٍ كامرأة؟ أم …
‘هل يكرهني الدوق؟’
مجرّد التفكير في الأمر جعل قلبها بنقبض خوفًا.
خل يظنّني قذرة؟
لأنني كنتُ تحت رعاية الملك من قبل.
لأنني بدّلتُ أزواجي عدّة مرّاتٍ من أجل مصلحة الملك.
لأن الجميع يشيرون إليها بإصبع الاتهام ويقولون إنها امرأةٌ مُسرِفةٌ وفاسقة.
لكن.
‘هذا لا يعقل.’
هزّت كلوديل رأسها مُحاولةً إنكار ذلك في داخلها.
على الرغم من أن اللطف الذي أظهره راينهاردت لها في حياتها الماضية قد تلاشى. لكن…
كان راينهاردت الحالي لطيفًا جدًا معها أيضًا.
لم يبخل بتقديم رعايةٍ صغيرةٍ بأيّ شيء، حتى بأبسط الأمور، مثل هذه الورقة، وحافظ على موقفٍ لطيفٍ باستمرار.
لذا…
‘ربما أفكر كثيرًا.’
ظهر ظلٌّ كثيفٌ على وجه كلوديل التي كانت تحاول التفكير بتفاؤل.
ربما يبذل قصارى جهده ليكون لطيفًا، حتى لو كان يعتقد أنها قذرة.
لأن راينهاردت في الأساس شخصٌ طيبٌ جدًا.
إذا كان يُراعي مشاعرها لأنه قلقٌ من أن تُصاب بالأذى.
“……”
بينما كان ظلٌّ كالسحابة يخيّم على وجه كلوديل.
دق، دق
سُمِع طرقٌ على الباب.
في نفس الوقت، سُمِع صوتٌ مفعمٌ بالنشاط من خارج الباب.
“سيدتي، هذه بينيلوبي.”
مسحت كلوديل تعبير وجهها المضطرب وفتحت فمها.
“ادخلي.”
فتحت بينيلوبي الباب ودخلت. كانت تحمل صينيةً فضيّةً عليها رسالة.
ما إن التقت عيناها بعيني كلوديل حتى ابتسمت ابتسامةً عريضة.
“هل نمتي جيدًا، سيدتي؟”
“نعم. هل حلمتِ بحلمٍ جميلٍ الليلة الماضية أنتِ أيضًا، بينيلوبي؟”
“نعم!”
أومأت بينيلوبي برأسها بحيويّةٍ ومدّت الصينية بأدب.
“لقد طلبتِ أن أُحضِرها لكِ فورًا إذا جاء اتصالٌ من دير باسيليكا.”
اتسعت عينا كلوديل.
“نعم، شكرًا لك.”
أخذت كلوديل ظرف الرسالة من الصينية الفضية.
كانت المُرسِلة هي الأخت أنتونيا، الراهبة الرئيسية.
لقد جاء ردّ الرسالة التي أرسلتها في المرّة الماضية إلى كلوديل مرّةً أخرى عبر دير باسيليكا.
[إلى الدوقة فالديمار المحترمة.
أتمنّى أن تقضي أيامًا هادئة.
لم أتوقع منكِ أن تتواصلي معي بهذه الطريقة.
أُمسِكُ هذا القلم بقلبٍ ممتنّ.
أتفهّم تمامًا الجوانب التي تشعرين بالقلق بشأنها، دوقة.
سأكون سعيدةً حقًا إذا أمكنني مشاركة هذا القلق ولو قليلاً.
أُقيمُ حاليًّا في المعبد في كونتيّة فريزر، لذا تفضّلي بزيارتي في أيّ وقتٍ يناسبكِ.]
لقد نجح الأمر.
ابتسمت كلوديل بهدوء.
بهذا، أصبح لديها سببٌ لزيارة كونتية فريزر بشكلٍ طبيعي.
***
وبعد شهرٍ تقريبًا.
كانت كلوديل تركب عربتها، وهي تجوب البريّة الواسعة.
سألها راينهاردت الجالس قُبالتها، بقلق.
“هل أنتِ بخير، كلوديل؟”
“بالطبع.”
ابتسمت كلوديل ابتسامةً عريضةً وكأنها تقول له لا تقلق.
لكن راينهاردت لم يستطع إخفاء قلقه.
“إذا كنتِ متعبةً أو واجهتِ أيّ مشكل ، يجب أن تخبريني.”
“نعم، سأفعل ذلك.”
كان الاثنان الآن في طريقهما إلى مقاطعة فريزر معًا.
بمجرّد أن هزم فرسان فالديمار الوحوش، كان راينهاردت ينوي التوجّه إلى فريزر على الفور.
كان الطريق وعرًا في البداية، فبعد كلّ شيء، ولأنها كانت رحلةً طويلةً بالعربة، كاد أن يترك كلوديل خلفه….
«سأذهب معكَ أيضًا.»
«إيه؟ لكن…»
«لقد وعدتُ بلقاء الأخت الرئيسة. سيكون غريبًا إذا لم أذهب بنفسي.»
ابتسمت كلوديل وأضافت.
«وأيضًا، ألا يبدو أكثر صدقًا أن نذهب جميعًا لزيارة الكونت والكونتيسه؟»
في النهاية، لم يستطع راينهاردت الاعتراض على ذلك الكلام.
لذا قرّر مرافقتها.
‘سيكون الأمر صعبًا للغاية بالتأكيد.’
على الرغم من هزيمة الوحوش، إلّا أن الطريق، الذي لم يُستخدم لفترةٍ طويلةٍ بسبب الوحوش، كان وعِرًا جدًا.
لكن كلوديل لم تشتكِ ولو لمرّةٍ واحدة.
عندما أعلنت لأوّل مرّةٍ عن نيّتها الانضمام، حتى الفرسان، الذين كانوا قلقين سرًّا من عدم قدرة كلوديل على التأقلم مع الرحلة الشاقة، التزموا الصمت.
لكن.
‘أتمنى لو أنها تخبرني إذا كان الأمر صعبًا عليها.’
كان قلقًا من أنها قد تضغط على نفسها وتحتمل بمفردها دون داعٍ، رغم أنه فوق طاقتها.
بينما كان راينهاردت يفحص تعبير وجه كلوديل بدقّة، نظر إلى النافذة خلسة.
‘ربما يجب أن نستريح قليلاً اليوم.’
كانت الشمس قد بدأت تغرب للتوّ.
أطلّ راينهاردت برأسه من النافذة.
اقترب قائد الفرسان، الذي أدرك الموقف بسرعة، بحصانه إلى جانب العربة.
“هل نبدأ الاستعداد للمبيت؟”
“سيكون ذلك جيدًا.”
“حسنًا.”
أومأ قائد الفرسان برأسه وابتعد عن العربة مرّةً أخرى.
بدأ الفرسان بالتفرّق، باحثين عن مكانٍ مناسبٍ للتخييم.
وبعد لحظة.
رفع أحد الفرسان رايةً بيضاء من بعيد.
كان هذا يعني أنه قد وجد مكانًا مناسبًا للتخييم.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
انستا: le.yona.1
التعليقات لهذا الفصل " 34"