“هذا يذكّرني بالأيام الماضية.”
“الأيام الماضية؟”
“نعم. عندما كنتُ صغيرًا ولم أستطع النوم، كانت والدتي تضع لي العسل في الحليب الدافئ. كنتُ أسهر متعمّدًا أحيانًا كي أحصل عليه.”
“هل فعلتَ ذلك حقًا، سعادتك؟”
فتحت كلوديل عينيها على اتساعهما.
طفولة راينهاردت؟
بدأت الخيالات تنبسط في رأسها تلقائيًا.
‘يا إلهي! لا بد أنه كان ظريفًا للغاية.’
ارتسمت ابتسامةٌ خفيفةٌ على شفاه كلوديل.
من ناحيةٍ أخرى، أومأ راينهاردت برأسه دون أن يعرف ما تفكّر فيه.
“كنتُ صغيرًا جدًا. لهذا السبب أردتُ أن أفعل الشيء نفسه من أجلكِ، كلوديل …”
ثم توقّف عن الكلام في حرج.
“أشعر أنكِ تهتمّين بي دائمًا، وهذا يسبّب لي بعض الحرج.”
همم.
دارت عينا كلوديل.
شعرت بشيءٍ من الغرابة عندما سمعت كلماتها المعتادة التي تُردِّدها باستمرارٍ تُعاد إليها.
هل كان الدوق يشعر بنفس الشعور عندما كان يتعامل معي؟
“لا.”
واصلت كلوديل حديثها بحذرٍ بعد أن استغرقت في التفكير لبرهة.
“أليس من الطبيعي أن يهتمّ أفراد العائلة ببعضهم؟”
“…..”
ابتسم راينهاردت وهو يرمش بعينيه في ذهول.
“آه، لقد هزمتِني.”
“ماذا؟”
“كلوديل مُحقّة. أفراد العائلة يهتمّون ببعضهم حقًا.”
هزّ راينهاردت كتفيه وأمسك الكوب.
“شكرًا لكِ. سأشربه بكلّ سرور.”
توقّف فجأةً وهو يرفع الكوب إلى شفتيه.
ولسببٍ وجيه، فقد كانت كلوديل تحدّق فيه بعينين متلألئتين. بدت فضوليةً لمعرفة ردّة فعله.
كتم راينهاردت ضحكةً تكاد تندفع من شفتيه وشرب رشفةً من الحليب. وفي نفس الوقت، فتح عينيه على اتساعهما ونظر إلى الكوب.
“إنه لذيذ حقًا!”
“أليس كذلك؟ إنه لذيذ حقًا، أليس كذلك؟”
سألته كلوديل بصوتٍ يفيض حماسًا. ثم بدأت تثرثر بصوتٍ مبتهج.
“لقد قدّمته لي رئيسة الدير مؤخرًا، وكان لذيذًا حقًا. قيل إنه المربّى المُقدَّم كقربانٍ للإلهة. شعرتُ أنه من المؤسف أن أتذوّقه وحدي …”
بصوتٍ يشبه زقزقة عصفورٍ صغير.
استمع لها راينهاردت مبتسمًا ثم شكرها بمودّة.
“شكرًا لكِ، كلوديل. تمكّنت من تذوّق هذا المربى الرائع بفضلكِ.”
آه.
أدركت كلوديل حينها فقط أنها كانت متحمّسةً أكثر من اللازم. بادرت بتعديل تعبير وجهها على عجل.
“… لا داعي للشُكر.”
لكن ذلك لم يَدُم طويلاً.
“آه، بالمناسبة. لقد نسيتُ أن أُخبركِ بهذا.”
“ماذا؟”
“لقد ناقشت مع الفرسان إمكانية قيامنا بمَهمة صيد الوحش.”
مع هذه الكلمة التي نطق بها راينهاردت، أصبح وجه كلوديل متوتّرًا للغاية.
“إذن …”
“لقد تلقّيتُ ردًّا بأنه سيكون ممكنًا دون مشاكل.”
عند سماع هذه الإجابة، أشرق وجه كلوديل من جديد، كما لو أنه مصباحٌ مضاء.
“هذا رائعٌ حقًا.”
“…..”
للحظة، عجز راينهاردت عن الكلام.
شعر بحلاوةٍ في فمه.
لم يستطع تحديد ما إذا كانت هذه الحلاوة بسبب مربّى التوت البري أم بسبب ابتسامة كلوديل.
شعر بنوعٍ من الدغدغة في قلبه، فنهض راينهاردت فجأةً من مكانه دون سبب.
“لقد تأخّر الوقت. ألا ينبغي أن نذهب للنوم؟”
“آه، نعم.”
نهضت كلوديل أيضًا سريعًا من مكانها.
همّ راينهاردت بأن يلفّ كتف كلوديل كعادته، لكنه توقّف وتراجع بيده فجأة.
لماذا؟
أصبح من الصعب عليه أن يمدّ يده نحوها باستخفاف.
لا، بل بشكلٍ أدقّ .…
‘لماذا أشعر بالوعي تجاه كلوديل طوال الوقت؟’
عضّ داخل فمه بقسوة.
ظلّت عيناه تتّجهان باستمرارٍ نحوها.
شفتاها الحمراوتان اللتان تثرثران كزقزقة العصافير، وخطّ فكّها الناعم.
عنقها الطويل المتدلّي بأناقةٍ تحت خط الفك.
وأسفل ذلك، عظام الترقوة الغائرة، والبشرة ناصعة البياض المختبئة تحت الملابس …
‘ما الذي أفكّر فيه؟’
شعر راينهاردت فجأةً بحرارةٍ تغلي في رأسه.
كان يتململ باستمرار، كمراهقٍ غير ناضجٍ يواجه المرأة التي يحبّها من طرفٍ واحد.
كان مجروحًا بشدّة.
مجرد التفكير في اسم الملك المنقوش على جسد كلوديل، كان يكفي ليشعل في رأسه غضبًا عارمًا.
من السخف أن يشعر المرء بمثل هذا الرغبة الجسدية تجاه شخصٍ كهذا.
كان هناك جانبٌ حتميٌّ في ليلتهما الأولى معًا.
كانت خطوةً لا مفرّ منها لكي يتمّ الاعتراف بكلوديل كدوقة فالديمار.
لكن لابد أنها لم تكن ذكرى سارّة لكلوديل.
لذلك…
‘يجب أن أكون أكثر حرصًا.’
هزّ راينهاردت رأسه من جانبٍ لآخر باستمرارٍ في داخله. ربما كان الإرهاق هو ما جعله يشعر بانطباعاتٍ عديمة الجدوى.
“دوق؟”
في تلك اللحظة، التفتت كلوديل نحوه.
بذل راينهاردت جهدًا ليبتسم وكأن شيئًا لم يكن.
“نعم. لنذهب.”
سحب يده بخفّةٍ إلى الخلف وتبعها متظاهرًا باللامبالاة.
ألقت كلوديل نظرةً خاطفةً على يد راينهاردت التي ابتعدت عندما كاد أن يلمسها.
“…..”
في نفس الوقت، خيّم الظلام على عينيها الزرقاوتين.
***
في وقتٍ متأخّرٍ من الليل، كانت النجوم تتلألأ ببريقٍ ساطع.
كانت رئيسة الراهبات أنتونيا، التي بقيت محتجزةً في المكتب حتى وقتٍ متأخّر، تتحرّك بوجهٍ مُتعَب.
كانت تحمل في يدها أوراقًا ثقيلة.
كانت أوراقًا تحتاج إلى توقيعٍ من كاهنٍ كبيرٍ مسؤولٍ عن مَهمة النقل هذه، لكن …
«حسنًا، حضرة الكاهن ليس على ما يرام …»
أجابها الكاهن المتدرّب الذي قابلته للتوّ بوجهٍ مضطرب.
‘ها، هذا مثيرٌ للسخرية.’
سخرت أنتونيا ببرود.
ازدادت شدّة قبضتها على الأوراق في يدهت.
‘ذلك الوغد، إنه ثملٌ من الشُرب ومستلقٍ فقط. حقًا، ذلك الفم اللعين.’
همست أنتونيا بكلماتٍ نابيةٍ لا ينبغي لراهبةٍ متديّنةٍ أن تنطق بها.
كان من المعتاد أن يستخدم الكهنة الراهبات كمرؤوسين، لكن الأمور ازدادت سوءًا هذه الأيام.
انشغل الكاهن باللّهو فور وصوله إلى مقاطعة فرازير.
ووصل الأمر الآن إلى درجة أن أنتونيا كانت تتحمّل العمل بمفردها تقريبًا.
صرّت أنتونيا على أسنانها.
‘هااا، لو لم أُطرَد من عائلتي …’
ما زالت ترتعش حين تتذكّر كيف طُرِدت من عائلة كونت فارنيسيو.
كانت أنتونيا هي الوريثة الشرعية الأصلية للكونت. لكن عندما تدخّل الملك فجأة، طُرِدت أنتونيا، الابنة الشرعية الوحيدة، قسرًا.
أعطى الملك لقب الكونت لأخٍ غير شقيقٍ بالكاد كان له وجود.
وفي المقابل، طالب بمنجم خام الحديد، جوهرة ثروة العائلة.
وانخدع ذلك الأحمق الوغد في الفخ وقَبِل العرض.
‘بسبب ذلك الملك اللعين، انظر ماذا حدث.’
أطلقت أنتونيا تنهيدةً طويلة.
بصراحة، لم تكن تُكِنّ أيّ تعلّقٍ بعائلة كونت فارنيسيو.
لقد أصبحت العائلة التي فقدت المنجم عديمة الفائدة.
كما أن سلوك التابعين، الذين غيّروا موقفهم فجأةً بمجرّد تدخّل الملك، كان مقزّزًا لها.
لكن المشكلة كانت أن التمييز كان واضحًا أيضًا داخل الكنيسة.
‘أن أتعرّض لمثل هذه المعاملة مرّةً أخرى لمجرّد أنني امرأة.’
بينما كانت أنتونيا تكبح غضبها المتصاعد.
اقترب منها كاهن.
كان يحمل في يده رسالة.
“الراهبة الرئيسية أنتونيا. هناك رسالةٌ لكِ.”
“لي؟”
“نعم. إنها من دير باسيليكا.”
قدّم الكاهن الرسالة لأنتونيا بأدب.
‘دير باسيليكا؟ ليس هناك سببٌ يدفعهم للاتصال بي.’
استلمت أنتونيا الرسالة بنظرةٍ محتارة.
“يمكنكَ الانصراف.”
“حاضر، رئيسة الراهبات.”
بعد أن انصرف الكاهن، دخلت أنتونيا إلى غرفة نومها وهي تحمل الرسالة.
فتحت الرسالة بلا مبالاة، ثم اتّسعت عيناها قليلاً.
“ما هذا؟”
كان المُرسِل رئيسة دير باسيليكا، لكن كاتب الرسالة الفعلي كان شخصًا آخر.
رفعت أنتونيا حاجبيها قليلاً.
“دوقة فالديمار؟ لماذا تتّصل بي هذه المرأة …”
كلوديل دوتريش.
اسمها الحالي: كلوديل فون فالديمار.
المرأة التي كانت زوجة ذلك الوغد الصفيق.
عندما كانت كلوديل تقيم في منزل كونت فارنيسيو، قابلتها أنتونيا عدّة مرّات.
كانت امرأةً كزهرةٍ نبتت في مكانٍ مُظلَّل.
جميلةٌ بشكلٍ رقيقٍ وكأنها خُلِقت بدقّة، وهشّةٌ وكأنها ستذبل في أيّ لحظة.
في الواقع، لم تكن أنتونيا تحمل عداءً خاصًا تجاه كلوديل.
لكن من الصحيح أيضًا أنها لم تكن تحبّها كثيرًا.
كانت تغضب عندما ترى ذلك الوجه الحزين لكلوديل.
مع طبيعتها الصريحة الحادّة، كانت تجد ذلك الخضوع لكلّ الظلم دون أيّ مقاومةٍ مُقزِّزًا للغاية.
لكن.
“هااه.”
انتشر الذهول على وجه أنتونيا بعد قراءة الرسالة.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
انستا: le.yona.1
التعليقات لهذا الفصل " 33"