1
المقدمة
“انظروا جميعًا! هذه هي الماكرة الخبيثة التي استخدمت حِيَلَها الماكرة لتفتن الناس، فأوقعت القرية بأسرها في فوضى عارمة—”
صوتٌ مرتفع يشقُّ ظلام الليل الأسود، وذراعٌ قويّة ترتفع فجأة إلى الأعلى.
عشرات النظرات التي تملأ الساحة المكشوفة تُسحَب إلى الأعلى كأنما تُقاد بإشارةٍ لا تُقاوم.
وبعد فاصلٍ يتسع لنفَسٍ واحد، توقّف الكلام.
فجأةً، التفت صاحب الذراع إلى الخلف، وشدَّد قبضته على كتفه بقوة أكبر.
أصبحت قبضته البيضاء المشدودة أشدَّ بياضًا.
وفي داخلها شيءٌ ما.
أمال أحد الواقفين في الصف الأمامي المشعل الذي كان يحمله و قرب وجهه.
لم يُغطَّ تمامًا، فكان يومض بين أصابعه كعينَيْ وحشٍ في الظلام.
“آه… آآه!”
كما لو كان ذلك متوقعًا، شقَّت صرخةٌ حادةٌ السماء.
وأمام هذا الجمع الكبير، وقف الرجل المهيب كأنه ملكٌ متوجٌّ، ويعلو وجهه الابتهاج و التشمت، فواصل صياحه:
“لقد امتلكتُ نواةَ هذه الشيطانة الخبيثة بيدي!”
في لحظةٍ واحدة، اتجهت أنظار الجميع إلى مكانٍ واحد.
تحت ظلِّ شجرةٍ ضخمةٍ تقع على بُعدٍ بضعه أقدام من حيث يقف الرجل، حيث لا يصل إليها حتى ضوء القمر الخافت.
انكمش ظلٌّ يرتجف ارتجافًا خفيفًا.
التفتت النظرات المشوبة بالاستفهام مرةً أخرى إلى الرجل.
فرفع كتفيه بلا مبالاة وابتعد خطوةً.
“انظروا بأنفسكم.”
ساد الصمت المطبق فجأةً مكان الهمس والضجيج.
تراجع بعضهم خطوتين إلى الوراء وهم يترددون.
ظلُّوا يرمقون الظلَّ تحت الشجرة بنظراتٍ خاطفة، ثم بعد برهةٍ طويلة، تقدَّم أحدهم متلعثمًا بسؤالٍ متردد:
“ما… ما هذا؟”
ولم يُجب أحد، فعاد الاضطراب يعمُّ الجموع.
وبعد لحيظات، اقترب رجلٌ كان يتنقل بنظره بين الرجل الساكن والهدف الممسك بيده المقززة، وابتلع ريقه بصعوبة، ثم تقدَّم حاملًا المشعل.
مشى بحذرٍ شديد، ثم توقف فجأةً على بُعد أربع خطوات أو نحوها، وقد انتفض مذعورًا.
شهق شهقةً عميقةً علِقَت في حلقه.
كان الظلُّ تحت الشجرة يتشوَّه بطريقةٍ غريبة ثم يعود إلى حالته، مرارًا وتكرارًا.
ارتجفت يده التي تحمل المشعل بعنفٍ من الرعب.
تخلَّى عن فكرة الاقتراب أكثر، فمدَّ ذراعه من بعيد.
دفع ضوءٌ أحمرُ مائل إلى البنفسجي الظلام جانبًا، وكشف أخيرًا عمَّا كان مختبئًا فيه.
أول ما ظهر كان زوجًا من العينين الزرقاوين الداكنتين.
امتلأ وجهه المتوتر بالذهول التام.
“…ريتيه؟”
تمتم الرجل بذهول وهو يكاد يسقط المشعل من يده، ثم أمسكه بصعوبة.
ماذا؟ ريتيه؟ هل قال ريتيه؟
التقط البعض همهمته الخافتة، فبدأوا يتهامسون.
تقدَّم شيخٌ مسنٌّ من الخلف، فانتزع المشعل من يد الرجل بخطواتٍ واسعة، وقطع المسافة التي كانت تفصله عن الوحش كما لو كانت لا وجود لها.
“يا إلهي… كيف يحدث هذا…؟”
فتح الشيخ فاه مذهولًا، ثم خطا الخطوة الأخيرة.
اهتزَّ شعرُها الأحمر المضاء بلون المشعل الدامي على مرأىً من الجميع.
نقل الشيخ بصره دون قصد، فتجمد جسده كأنه وقع في فخِّ وحش.
شعر بقشعريرةٍ باردة تسري من أطراف أصابعه إلى قمة رأسه.
رفع عينيه ببطء.
عينان كالضباب الرمادي تلتمعان كأنهما ستبتلعانه.
“يا عمّ؟”
عندما ناداه أحدهم، ألقى الشيخ المشعل بعنفٍ وأطلق صرخةً مدوِّية.
تراخت ساقاه وهو يتراجع، فسقط مرارًا وتكرارًا.
“ما هذا… ما هذا الشيء…؟”
تمتم الشيخ بكلامٍ مشوش، ثم ثبتت عيناه أخيرًا على نقطةٍ واحدة.
أما الرجل الذي صنع هذا المشهد بيديه، فقد ظلَّ واقفًا يراقب بلا مبالاة يراقب.
شقَّ صوتٌ أجشٌّ من الغضب والخوف الفضاء:
“جِيف! ما معنى كلِّ هذا بحقِّ السماء؟!”
التفتت أنظار أهل القرية ثانيةً إلى مكانٍ واحد.
أما جِيف، فقد وضع الشيء الذي في يده داخل صدره، وابتسم ابتسامةً مائلةً.
“ألم أقل لكم أنه وحش؟”
“إذن فقد كان هذا الشيء المرعب يعيش بيننا في القرية طوال هذه المدة؟! بل و ريتيه هي… زوجتك…”
توقف الشيخ فجأة عن الكلام.
تراجع الذهول والخوف خطوةً إلى الوراء، ليحلَّ محلهما الشكُّ.
ضاقت عيناه وهو ينظر إلى جِيف بنظرةٍ حادة كالسيف.
“هل كنتَ تعلم منذ البداية؟”
مرَّت عينا الشيخ على ريتيه التي كانت تخفض رأسها بشدة.
هزَّ جِيف رأسه بثقلٍ.
“…لا. لقد علمتُ بهذا حديثًا.”
كان الرأس الذي ظل منكبا إلى الأسفل لبرهة من الزمن يرفع شيئًا فشيئًا نحو الأعلى.
وعلى الرغم من أن جِيف لم يلتفت، فقد كان يعلم جيدًا إلى أين تنظر ريتيه.
لكنه لم يستطع معرفة التعبير الذي ارتسم على وجهها وهي تنظر إليه.
اشتدَّت قبضة جِيف على يده.
كذب. كيف تجرؤ على فعل هذا بي.
كان نظراتها الحادة كالسيف، وهي تخترق جانب وجهه، تنطق بهذه الكلمات.
* * *
طق. طق.
كانت الأرض تحت قدميها تبتلُّ بلا انقطاع.
وعلى الرغم من أن عينيها مفتوحتان، إلا أن الرؤية أمامهما كانت مظلمةً كأنها مصابة بالعمى.
هل هي دموع؟ أم ربما دمٌ؟
فكَّرت ريتيه في ذلك وسط وعيٍ مشوش ومبهم.
الأصوات التي كانت تصرخ وتتحدث بصخب، والحبال التي كانت تشدُّ أطرافها بقوة، لم تكن تصل إليها بوضوح.
[فتنت الناس بِحِيَلِها الماكرة—]
حيلٌ ماكرة؟
[—تلك الشيطانة الخبيثة…]
شيطانة خبيثة؟
طق.
سقط شيءٌ ما بجريان على خدِّها إلى الأرض.
لم تستطع ريتيه استيعاب هذا الموقف على الإطلاق.
وجه جِيف البارد يطفو ببطء أمام عينيها الضبابيتين.
حتى بعد الظهيرة، كان الرجل نفسه يجلس قبالتها مبتسمًا بلطف.
بل هو الذي قال لها منذ زمنٍ سابق: “ما الذي يميِّزكِ عن الآخرين؟” ثم دعاها للاستقرار معه في القرية.
كان يتظاهر باللامبالاة، لكن وجهه يحمرُّ خجلاً أحيانا وهو يهمس لها بتردُّد: “عندما نعود إلى العاصمة، سأتزوجكِ حتماً”.
وأهل القرية الذين كانوا يصرخون قائلين أنها شيطانة ويطالبون بقتلها فورًا، كيف كانوا؟
الشيخ الذي استقبلها بحرارة لتتأقلم مع ثقافتهم الغريبة، والتجار الذين كانوا ينظرون إليها بعطف وهي تختار بضائعها من الأكشاك.
[ريتيه ستكون محبوبة أينما ذهبت.]
ومع ذلك، هم الآن يصفونها بالشيطانة ويسعون لقتلها.
لا. كيف يفعلون بي هذا…؟
تمايلت الرؤية الضبابية بعنف.
شعرت وكأن سكينًا يغوص في بطنها ويُحرَّك بعنفٍ لا رحمة فيه.
ارتجف جسدها من شدة الخيانة التي اجتاحتها.
شيطانة؟
ولم يُتِح لها فرصة للردّ حتى، فقد قُيِّدت وجُرَّت بعنف إلى مكانٍ مرتفع تشتدُّ فيه الرياح.
رائحة البحر تتسلل إلى أنفها على أجنحة الريح.
أدركت ريتيه أن هذا المكان هو الجرف الواقع على حافة القرية.
“حسنًا! ماذا سنفعل بها الآن؟”
رمشت عيناها الضبابيتان ببطء.
بدأت الرؤية تتضح قليلاً، لكن جسدها الذي فقد قوته أُمسك بعنف وأُقيم على قدميه.
كانت ريتيه تعرف جيدًا إلى من تعود هذه اليد القوية الصلبة.
اخترق صوت جِيف الخالي من العاطفة أذنيها كرمح:
“ما الذي يمكن أن تفعله شيطانة فقدت قوتها؟”
“انتظر. لا أظن أن هذه الطريقة صحيحة.”
“لا تقلق. النواة بحوزتي بالفعل. إن سقطت، ستنتهي دون أن تتمكن من التنفس مرة واحدة.”
“لكن قومها…”
“لا داعي للقلق بشأن ذلك أيضًا. لديَّ طريقة.”
قومها؟ أليس واحدًا كافيًا؟
قبل أن تتمكن ريتيه من الالتفات إليه، دفع كفٌّ كبيرة ظهرها العاري بقوة. مال جسدها.
حاولت ريتيه النظر مباشرة إلى جِيف الذي التقطته عيناها الخافتتان.
“أنا…!”
ماذا فعلتم بعائلتي المتبقية؟
تمتمت ريتيه بالكلمات التي لم تكتمل داخليًا، وحاولت الإمساك بالهواء.
لكن حتى أطراف أصابعها لم تستجب.
بدأ الشعر الأشقر اللامع الممزوج بالأحمر يبتعد شيئًا فشيئًا.
التقت عيناها المليئتان باللوم بعيني جِيف الجامدتين.
كيف تجرؤون على فعل هذا بي.
تناثرت القطرات التي كانت تبلل الأرض في الهواء.
ونقشت غضبا خاما لا هوادة فيه على آثار الدموع التي لم تجف بعد.
فتحت فمها رغم الرياح العاتية التي تضربها.
خرج صوتٌ خشنٌ قاسٍ من بين شفتيها الحمراوين:
“—. ——.”
“أ، أنا…!”
سبلاش! كان صوت أحد الذين كانوا مع جِيف.
أما الكلام التالي فقد ابتلعته أمواج البحر المندفعة.
شعرت ريتيه بالرغوة تلتصق بجسدها كله، فأرخَت قوتها تمامًا.
غرق جسدها كأن ثقلاً يجذبه إلى الأسفل.
و أغمضت عينيها و هي تنظر إلى ضوء القمر الذي يبتعد تدريجيًا.
1. عقد برونهيلد
“متى سيتوقف هذا المطر أخيرًا؟”
تسلّلت الرطوبة اللزجة والبَرْد من بين أبواب النزل المتحركة.
انهالت أصوات المطر القوية على الأرضية كأنها تُفرغ حمولتها دفعة واحدة.
دخل الرجل قد بلَّله المطر قبل أن يتمكن من الاحتماء، فهزَّ كتفيه متذمرًا.
نظرت إليه صاحبة النزل التي كانت تمسح الأرضية بنظرةٍ لا تخلو من الامتعاض.
“أنت في لوماسا لأول مرة على ما يبدو؟”
“نعم. سمعتُ عنها بالكلام فقط، لكني وجدت الطقس غير محتمل حقا بعدما أختبرته بنفسي.”
اقترب الرجل من صاحبة النزل بابتسامة رغم نبرته الباردة واللامبالية.
استطاعت صاحبة النزل أن تخمن أنه مسافر قضى طريقا شاقا على الفور من مظهره المنهك والمبلل.
في مثل هذا الوقت من السنة، يصل معظم الزوار إلى هنا بمظهر شبيه بالفئران المبللة.
ألقت عليه نظرةً عابرة مشوبة بالشفقة، ثم مدَّت إليه المفتاح بيدٍ غير مبالية.
“إذا أردت ماء ساخنًا للاستحمام فهذا سيكلفك أجرا إضافيًا.”
“لا بأس. لكن متى يتوقف المطر؟”
“حسنًا… ربما تظهر الشمس خلال أسبوع.”
توالت أسئلة تافهة: ألا تعرفين المنطقة جيدًا؟
هل الإشاعات صحيحة حقًا؟
ما أفضل ما تقدمونه من الطعام؟
وغيرها.
ظلت صاحبة النزل تردّ بأدنى قدر من اللباقة الممكنة، حتى جاء ذكر فرقة الفرسان في كلام الرجل، فرفعت رأسها فجأة.
“فرقة الفرسان؟”
” التقيتهم قبل نحو اسبوع في الطريق الغابي قرب هيلون.”
“أية فرقة؟ هل كان عددهم كبيرًا؟”
“لا أدري بالضبط… كانوا يرتدون زيًّا أسود اللون. لم أنتبه إلى رقمهم. لكن العدد كان حوالي خمسة عشر رجلاً تقريبًا.”
“اللعنة! إنهم الفرقة التاسعة!”
شحب وجه صاحبة النزل شحوبًا شديدًا، فأمسكت رأسها بكلتا يديها.
تدحرجت عصا الممسحة على الأرض بلا مبالاة.
توقف الرجل الذي كان يثرثر بلا توقف وسأل بدهشة:
“وما الذي يخيفكِ في الفرقة التاسعة؟”
“ألا تعرف أين أنت؟ هذه قرية تعيش على صيد الوحوش و بيع منتجاتها! إذا داهموها مرة واحدة، سيستمر الذباب في اللحاق فيها لأشهر!”
“لكنهم لم يبدوا متوجهين إلى هنا. لم يخرجوا من هيلون، بل كانوا يتجهون نحوها.”
“…حقًا؟ أي طريق غابي كان ذلك؟”
“ليس الطريق المؤدي إلى هنا، بل كان في الشرق.”
تنفست صاحبة النزل الصعداء أخيرًا.
ثم انهالت عليه بعتابٍ حادٍّ ممزوج بالغيظ: لماذا لم تقل ذلك منذ البداية؟
كانت ريتيه تراقب المشهد بصمت في زاوية المطعم.
وجهت نظرها نحو النافذة المغطاة بالبخار.
كان المطر مستمرًا منذ أكثر من شهر دون انقطاع.
وإن خفَّت وطأته بعض الأيام، إلا أنه لم يتوقف ولو ليوم واحد.
“ميليان.”
خرج صوتٌ خشنٌ كأنه يحكُّ حديدًا صدئًا من بين شفتيها.
رفع الفتى الذي كان يأكل بنهم رأسه فجأة.
برقت عيناه الذهبيتان حتى في الجو المظلم، متلألئتين بنورٍ خاص.
“نعم!”
تمايل شعره البني الكثيف بحيوية.
وضع ميليان ملعقته جانبًا بجانب الطبق الضخم الذي يقارب حجم وجهه، مبتسمًا ببراءة.
وعندما التقت أعينهما، ابتسم ابتسامةً عريضة كأنه كان ينتظر ذلك.
بعد ترددٍ قصير، مسحت ريتيه بقايا الحساء عن فمه.
“متى تعتقد أن الشمس ستظهر؟”
“ستبزغ الشمس بعد سبعة أيام… لا، بعد خمسة أيام فقط. وهذا شيء أستطيع القيام به بنفسي.”
احمرّ خدّا ميليان احمرارًا خفيفًا، فانتزع المنديل من يد ريتيه.
وبينما كان يفرك وجهه كمن يغسله، أمسكت هي الشوكة ونظرت إلى الطعام الذي تناقص إلى أكثر من نصفه.
خمسة أيام تعتبر مدة لا طويلة ولا قصيرة؛ بل معقولة.
حتى الآن، أعلن معظم المسافرين استسلامهم وغادروا لوماسا.
وخلال الأيام الخمسة المقبلة التي سيستمر فيها المطر ستجبر نصف من تبقى على المغادرة أيضًا.
التعليقات لهذا الفصل " 1"