قبل ست سنوات، وبعد انتهاء الحرب الطويلة، أُقيمت دارٌ لمزاد المجوهرات في منطقة “موريك”.
هناك، رفع رجلٌ يرتدي رداءً يغطي حتى أطراف رأسه لافتةً كُتب عليها ستون ألف غولد، بينما كانت عيناه تلمعان بزرقة تشبه حجر الأكوامارين خلف الرداء الذي يخفي هويته.
وعندما ارتسمت ابتسامة واثقة على شفتيه وكأنه تيقن من نصره، تعالت صيحات الإعجاب من المتنافسين الذين غصت بهم القاعة.
ولم يكن ذلك بمستغرب؛ فالرجل الذي عرض ستون ألف غولد دخل القاعة على عجل قبيل بدء المزاد، وقدم أعلى مبلغ سُجل منذ تأسيس دار المزاد هذه.
“ستون ألف غولد.. بيع!”
طرق، طرق، طرق—
ما إن طرق مدير المزاد بمطرقته ثلاث مرات معلناً رسو البيع، حتى استقرت في يد الرجل المقنع جوهرة خضراء باهتة بحجم قبضة رجل بالغ.
كانت تلك الجوهرة عبارة عن حجر “زبرجد” ضخم تم اكتشافه مؤخراً في منجم “موريك”.
في الأصل، لا يُعد حجر الزبرجد من الأحجار النادرة جداً، ولكن في إمبراطورية “كوسيلي”، كانت هناك عائلة تجمع هذا النوع من الأحجار بشكل استثنائي؛ لذا فإن الفوز بها يعني إمكانية إعادة بيعها لهم بثمن باهظ.
أو ربما… هل هم من اشتروها بأنفسهم؟
اتجهت أنظار الجميع نحو الرجل الغامض ذو الرداء، لكن الأوان قد فات للتراجع.
ورغم أن حجم الزبرجد المعروض في هذا المزاد كان هائلاً، إلا أن ستين ألف غولد كان مبلغاً خيالياً.
تنهدت امرأة، كانت تعمل لدى إحدى النقابات التجارية التي تجمع المجوهرات من أنحاء الإمبراطورية، وهي تربط شعرها البني في ضفيرتين.
“لقد أراد رئيس نقابة فالوا لدينا إهداء حجر زبرجد للآنسة الصغيرة في عيد ميلادها… ماذا نفعل الآن وقد خسرنا المزاد؟”
عند سماع كلمات المرأة، ارتجف كتفا الرجل الذي كان يغادر المزاد بهدوء حاملاً الجوهرة الخضراء الثمينة، كطفل كُشفت كذبته.
كان وجه تلك الموظفة مألوفاً لديه تماماً؛ فقد كانت خادمة في قصر “دوق رينيز” قبل أن تنتقل للعمل في نقابة “فالوا” التابعة لـ”إلينا”.
إذن، إلينا أيضاً كانت تخطط لإهداء ريتشيه حجراً كبيراً من الزبرجد في عيد ميلادها.
بدأ “فلويد”، الرجل الغامض خلف الرداء، يفكر في العذر الذي سيقدمه لإلينا عند عودته للقصر.
لم يقصد ذلك، لكنه انتهى به الأمر بخطف الهدية التي كانت إلينا تنوي تحضيرها لريتشيه.
كان يعلم أن إلينا كانت قلقة جداً منذ أيام بشأن ما ستقدمه لابنتهما في عيد ميلادها…
“ربما كان عليّ أن أهديها دولةً مجاورة حتى لا تتشابه هدايانا مع إلينا…”
بينما كان غارقاً في هذا التفكير غير المنطقي، سار فلويد بخطوات واسعة نحو حصانه الأبيض الناصع، “أنجيلوس”، الذي كان مقيداً بعيداً عن دار المزاد، وامتطى صهوته.
“يجب أن أعود أولاً وأتناقش مع إلينا.”
كان كل هذا بسبب طمع فلويد وإلينا في تقديم كل شيء ثمين لريتشيه، ليس فقط من داخل الإمبراطورية بل ومن القارة بأكملها.
الطفلة تبلغ من العمر ست سنوات فقط، ومع ذلك يشعر فلويد بأنه لم تعد هناك جواهر نادرة لم يحضرها لها بعد.
حثّ فلويد، الذي لُقب بـ “الأب المهووس بابنته” بعد أن كان “الزوج المهووس بزوجته”، حصانه على العدو بأقصى سرعة نحو قصر دوق رينيز.
فهو يعلم أن ابنتيه الحبيبتين (الأم والابنة) في انتظاره.
* * * منذ ولادة الطفلة التي كانت أغلى من أي شيء بالنسبة للزوجين الدوقيين، ساد قصر رينيز جوٌ من الحيوية الدائمة.
أصبح الزوجان قادرين على حب بعضهما دون تدخل من أحد، كما تصالح الدوق الأول والدوق السابق مع ابنهما الدوق الحالي.
وكانت ابنة الدوق الوحيدة غاية في اللطافة.
كانت طفلة في السادسة من عمرها، تملك مظهراً ملائكياً يشبه دوق رينيز الذي يُعد الأجمل في الإمبراطورية، بشعر أسود متموج كالآبنوس، وعينين خضراوين تشبهان عيني والدتها “الكونتيسة فالوا”.
“أمي، لماذا لم يأتِ أبي بعد؟”
“لا أعلم… ربما تأخر لأنه يشتري هدية لريتشيه؟”
“همم… أريد رؤية أبي بسرعة.”
“أبوكِ أيضاً يتوق لرؤيتكِ. لننتظره معاً.”
لا تزال إلينا تذكر بوضوح تلك الأيام التي كانت تحمل فيها ريتشيه في أحشائها بحذر، وها هي ريتشيه ستتم عامها السابع غداً. الوقت يمر سريعاً حقاً.
أمسكت إلينا بيد ابنتها الصغيرة بقوة ووقفت عند مدخل الطابق الأول من المبنى الرئيسي بانتظار عودة فلويد.
منذ ولادة ريتشيه، نادراً ما كان فلويد يخرج من القصر؛ فقد كان ينجز كل أعماله بإخلاص داخل القصر، ويقضي كل وقت فراغه مع ريتشيه.
يتناولان الوجبات الخفيفة والطعام معاً، ويعلمها تنسيق الزهور في الدفيئة الدافئة، وأحياناً يعلمها فن المبارزة.
لقد ساند إلينا بصمت واعتنى بريتشيه بينما كانت هي تعيد بناء نقابة فالوا وتثبت أركانها داخل الإمبراطورية.
فأن يخرج فجأة هكذا… كان من الواضح أنه ذهب لإحضار هدية لميلادها في الأسبوع القادم.
“أتساءل إن كان ‘رون’ قد نجح في إحضارها أيضاً…”
كانت إلينا تأمل أن ينجح “رون”، الذي أرسلته كبديل عنها لمزاد المجوهرات، في الفوز بزبرجدة كبيرة تحبها ريتشيه.
لم يكن هناك الكثير من الناس في الإمبراطورية يملكون مالاً أكثر منها، لذا اعتقدت أن خمسين ألف غولد التي سلمتها لرون ستكون كافية للفوز بالمزاد.
وعندما هبت ريح الربيع الباردة داخل الردهة، انحنت إلينا لتغلق معطف ريتشيه جيداً.
“أمي… في الحقيقة، ريتشيه لديها طلب.”
بينما كانت إلينا تفكر في هدية ريتشيه بانتظار فلويد الذي لم يصل بعد، تحدثت الطفلة التي كانت تُوصف بأنها ناضجة رغم سنواتها الست، وهي تشد طرف فستان والدتها.
“ريتشيه لديها طلب لأمها؟ ما هو يا حبيبتي؟”
بقيت إلينا منحنية لتلتقي عيناها بعيني ابنتها. كانت مستعدة لتلبية أي طلب تطلبه ريتشيه الغالية، التي هي قرة عينها.
فقد قطعت هذا العهد على نفسها منذ اللحظة الأولى التي احتضنتها فيها بعد الولادة.
ولكن، وعلى عكس عهد إلينا، لم تستطع ريتشيه النطق بـ “الطلب” بوضوح؛ بل كانت تحرك عينيها يمنة ويسرة وتعبث بأصابع يدها الصغيرة بتوتر.
حاولت إلينا ألا تستعجل الطفلة، ومسحت برفق على شعرها.
داورها القلق فجأة، هل ربما ربتها لتكون طفلة تخشى مراقبة والديها؟ لكن ريتشيه لم تكن تتصرف هكذا عادة.
لقد بدأ هذا التصرف تحديداً منذ بضعة أيام، بعد عودتها من حفلة شاي مع أطفال في مثل سنها.
ماذا دار من حديث هناك حتى أصبحت الطفلة مترددة هكذا؟ ربما كانت لتعرف الإجابة لو سألت والدي أولئك الأطفال، لكن إلينا لم ترغب في فعل ذلك.
لم ترد إجبار الطفلة على شيء لا تريده لمجرد أنها والدتها.
“أمم… في الواقع، هو…”
وفي اللحظة التي أنهت فيها ريتشيه تفكيرها الذي لم يدم طويلاً وفتحت شفتيها الصغيرتين بشجاعة…
“ريتشيه!”
ظهر أخيراً الشخص الذي كانت تنتظره الأم وابنتها بفارغ الصبر.
نزل فلويد من على ظهر “أنجيلوس” الأبيض، وداعب برقة وجنتي إلينا اللتين احمرتا قليلاً من ريح الربيع الباردة.
ثم حمل ريتشيه بيد واحدة، وهي التي كانت مختبئة في حضن إلينا ولم تمسسها الريح الباردة قط.
“أبي! اشتقت إليك كثيراً!”
“وأنا أيضاً اشتقت لريتشيه كثيراً.”
هل من الممكن أن يكون الشوق هكذا رغم أنهما لم يفترقا إلا لبضع ساعات؟
نظرت إلينا بابتسامة دافئة إلى الأب وابنته اللذين كانا يتشابهان بشكل مذهل. كانت ضحكات الطفلة الرقيقة تداعب مسمعها بلطف.
وبينما كان فلويد ينزع رداءه ويسلمه لـ “زيغل” الذي تبع الجواد، مالت ريتشيه برأسها وهي في حضنه وسألت:
“لكن يا أبي، أين ذهبت؟”
وبينما كانت ساقا ريتشيه القصيرتان تتأرجحان في الهواء، بدا أن فلويد يفكر في كيفية الإجابة.
من الواضح أنه خرج لإحضار هدية لميلاد ريتشيه، لكن إلينا تعمدت سؤاله نفس السؤال وهي تمسك به:
“أنا أيضاً أود أن أسأل، يا فلو.”
“سأخبر سمو الدوقة عندما ندخل إلى الداخل.”
بينما كان يسير ويمسح برفق على شعر ريتشيه المتموج، غمز فلويد بعينه لإلينا بحيث لا يراه أحد غيرها.
ريتشيه، التي ستتم السابعة بعد أيام، كانت تزداد وقاراً ونضجاً، بينما يبدو أن دلال وحركات فلويد اللطيفة تزداد يوماً بعد يوم.
بينما كانت “إلينا” تتجه نحو داخل المبنى الرئيسي، وهي تتبادل النظرات مع “ريتشيه” المستقرة في حضن والدها وتُمسك بإحدى يدي “فلويد” بقوة، لمحت ظلاً يدخل القصر متأخراً، فتهلل وجهها حين تبينت هويته.
“آه…! لقد وصل ‘رون’.”
تُرى، هل نجح “رون” في الحصول على هدية ريتشيه بسلام؟ تملكها فضول عارم ورغبة في سؤاله فوراً، لكن لم يكن أمام إلينا خيار سوى انتظاره حتى يقترب.
فقد قطعت عهداً على نفسها بألا تفارق ريتشيه قدر الإمكان حتى يحين موعد مأدبة عيد ميلادها، كما أنها لم تكن ترغب في أن تكتشف ريتشيه أمر الهدية التي يجري تحضيرها.
“أمي… هل يجب عليكِ الذهاب إلى ‘رون’؟”
في تلك اللحظة الخاطفة، لاحظت ريتشيه اهتمام إلينا بـ “رون”، أحد أعضاء نقابة فالوا، فتحدثت بصوت يملؤه الحزن.
ورغم أن إلينا كانت مشغولة دائماً بأعمال النقابة، إلا أن ما كان يؤرقها هو أنها خلال الأسابيع القليلة الماضية، وبسبب قضايا توسع النقابة في الخارج، لم تكن قادرة على التركيز تماماً مع ريتشيه حتى وهي تقضي الوقت معها.
“لا، أبداً! لقد وعدتُكِ أنني سأبقى بجانبكِ فقط حتى يوم غد، أليس كذلك؟”
شعرت إلينا بوخز الضمير؛ فكيف لها أن تجعل الطفلة تشعر بالاستياء بسبب أمور أخرى بينما قررت أن تضعها على رأس أولوياتها؟ أحياناً كانت تداهمها فكرة: “هل كان يجدر بي ألا أدير النقابة من الأساس؟”.
وفي كل مرة، كان فلويد يهدئ من روعها قائلاً إنه من الأفضل إدارة النقابة من أجل ريتشيه، التي قد ترغب يوماً ما في أن تصبح “الكونتيسة فالوا” بدلاً من “دوقة رينيز”.
فلم تكن لدى الزوجين أي خطط مؤكدة لإنجاب طفل ثانٍ. وحتى لو قررت ريتشيه أن ترث كلتا العائلتين، أو ألا ترث أياً منهما، فقد كانا عازمين على دعم قرارها بكل ما أوتيا من قوة.
“بالمناسبة يا ريتشيه، ألم يكن لديكِ ما تقولينه لأمكِ؟”
اقتربت إلينا من ريتشيه التي جلست على أريكة مريحة وناعمة داخل غرفة الاستقبال الدافئة بالمبنى الرئيسي، وهمست لها بصوت منخفض.
فهي لم تسمع بعد ذلك “الطلب” الذي كانت الطفلة تنوي البوح به قبل وصول فلويد، وبدت ريتشيه وكأنها تريد إخبارها هي فقط دون فلويد.
التعليقات لهذا الفصل " 118"