كانت هذه هي الكلمات التي نطقت بها إلينا بعد أن ألقت التحية على رئيس القضاة، الذي كان ينتظر في غرفة استقبال القصر الإمبراطوري فور انتهائها من مراسم خلافة لقب “كونتيسة فالوا”.
لم يضف فلويد، ولا جلالة الإمبراطور، ولا حتى رئيس القضاة أي تعليق على رغبة إلينا.
لقد أساءت السيدة راشيت معاملة إلينا طوال الاثني عشر عاماً الماضية، وخدعتها بالأكاذيب، وظلت متمسكة بذات الموقف المتعجرف حتى قبل أسبوع واحد فقط من بدء المحاكمة. ومع ذلك، فإن السبب الذي جعل إلينا تقرر التماس الرأفة لها كان…
“لا أعلم حقاً. ربما الدافع الأكبر هو كشفها للحقيقة وراء الحادث الذي أودى بحياة والديّ… ولكن، يظل حقيقة أنها اعتنت بي طوال تلك السنوات الاثنتي عشرة.”
قبل أن تعرف إلينا سر السيدة راشيت من الخادم السابق، كانت تدرك تماماً أن السيدة اختلست أموال عائلة فالوا وأهملتها في كثير من الأحيان. لكن، ولو بقدر ضئيل للغاية، كانت هناك لحظات عاملتها فيها السيدة راشيت كابنة حقيقية، تماماً مثل رينارد.
عندما كانت إلينا الصغيرة تعجز عن النوم بسبب أصوات الرعد والبرق، كانت السيدة تضمها طوال الليل وتهمس لها بأن كل شيء سيكون على ما يرام، وأحياناً كانت تشتري لها هدايا تماثل هدايا رينارد.
لم تعد إلينا طفلة الآن. كانت تدرك تمام الإدراك أن تلك التصرفات ربما كانت مجرد خداع إضافي لتلك الطفلة الصغيرة، ولكن…
“لن نلتقي مرة أخرى على أي حال. لا أريد أن أحمل تجاه السيدة راشيت مثل هذه المشاعر بعد الآن. أريد أن أمنحها الرأفة كرحمة أخيرة، ثم أنساها تماماً.”
ارتشفت إلينا الشاي الدافئ الذي سكبته لها وصيفة القصر بأناقة. تذكرت أن السيدة راشيت كانت دائماً تشرب الشاي بهذه الطريقة.
في ذلك اليوم الأخير، الذي كان يحق فيه لإلينا -بصفتها المدعية- أن تلتمس الرأفة لمن نالوا جزاءهم، كانت السيدة راشيت هي الوحيدة التي شملها عفوها. لم تكن إلينا ترغب، ولم تفكر للحظة، في العفو عن البقية.
إن التماس الرأفة الذي قدمته إلينا لم يكن يعني تبرئة السيدة من كل ذنوبها، بل اقتصر الأمر على تخفيف مدة العقوبة.
سجل رئيس القضاة كل كلمات إلينا في السجل الرسمي، ثم سألها عن القدر الذي تود تخفيفه من العقوبة.
كان قد حُكم على السيدة راشيت بالسجن لمدة 30 عاماً في سجن “أتروك” الشمالي بتهمة التقرب المتعمد من إلينا واختلاس أموال عائلة فالوا والإهمال المتعمد، بالإضافة إلى 10 سنوات أخرى بتهمة التستر على وفاة الماركيز أوسيلوت وزوجي فالوا. وبذلك، كانت العقوبة الأصلية التي كان على السيدة راشيت مواجهتها هي السجن لمدة 40 عاماً.
قررت إلينا أن تخفف عنها 10 سنوات من تلك المدة.
بالطبع، كان من المشكوك فيه أن تصمد امرأة في أوائل الخمسينيات من عمرها وتقضي الـ30 عاماً المتبقية في سجن “أتروك” الشمالي المعروف بقسوته وتخرج منه حية.
أما الماركيز أوسيلوت، فقد حشد كل خبرائه القانونيين ليتمكن من تخفيف تهمة القتل إلى تهمة المساعدة والتحريض على القتل وتهم أخرى، لينتهي به الأمر محكوماً عليه بالسجن لمدة 20 عاماً في سجن “أتروك” الشمالي.
“سينتهي الأمر عند هذا الحد، سيادة رئيس القضاة. لن يكون هناك مزيد من الرأفة.”
“فهمتُ ذلك، أيتها الكونتيسة فالوا. وهناك أمر آخر يجب تسويته أمام جلالة الإمبراطور.”
وضع رئيس القضاة الوثيقة التي سجل فيها كلمات إلينا داخل مظرف وختمه، ثم أخرج وثيقة جديدة من حقيبته ووضعها بين الإمبراطور وإلينا.
[عريضة إلغاء نظام الوصاية في إمبراطورية كوسيلي]
كانت الوثيقة التي أخرجها رئيس القضاة مألوفة جداً لإلينا؛ فقد كانت هي الوثيقة التي طلبت فيها مناقشة إلغاء نظام الوصاية مع جلالة الإمبراطور.
لم تكن ردة فعل الإمبراطور عند رؤية الوثيقة مختلفة عن ردة فعل إلينا. يبدو أنه قد ناقش محتواها مع رئيس القضاة عدة مرات بالفعل.
“أجل، أيتها الكونتيسة فالوا. بناءً على قضيتكِ، أتممنا مراجعة الثغرات في نظام الوصاية بإمبراطورية كوسيلي. وكما ورد في الوثيقة، تبين أن العديد من الأطفال النبلاء اليتامى قد تضرروا بشدة.”
رفع الإمبراطور فنجان الشاي الدافئ لأول مرة منذ دخوله الغرفة، ثم ضغط بختم الخاتم الذي كان يرتديه فوق العريضة التي أحضرها رئيس القضاة.
كان الختم الموجود على خاتمه هو شعار العائلة الإمبراطورية لكوسيلي، وهو الختم الذي يستخدمه الإمبراطور في المهام الرسمية فقط.
“لقد منحتُ موافقتي الشفهية بالفعل، ولكن كان من الضروري أن أريها للكونتيسة فالوا، التي قدمت العريضة، بشكل مباشر. سيتم إلغاء نظام الوصاية الحالي في الإمبراطورية، وسنقوم قريباً بإنشاء نظام وصاية جديد يسد ثغرات النظام السابق.”
عندما طُبع الختم الإمبراطوري الأحمر القاني بوضوح فوق الوثيقة البيضاء الناصعة، شعرت إلينا بتأثر شديد.
(لقد فعلتها حقاً. لم أتخيل أبداً أنني سأتمكن من القضاء على هذا النظام الجائر… لقد كان إنجازاً تحقق بفضل مساعدة الكثير من الناس.)
“أشكرك جزيل الشكر، جلالة الإمبراطور. بصفتي ضحية عانت كثيراً بسبب نظام الوصاية، أنا ممتنة لك حقاً.”
“لا داعي للشكر. لقد كان خطئي أنني أهملت هذا النظام ولم ألتفت إليه. سأعلن رسمياً عن إلغاء نظام الوصاية الحالي في القريب العاجل.”
تربّت الإمبراطور بلطف على كتف إلينا، التي كانت تغالب دموع التأثر، ثم غادر المكان برفقة رئيس القضاة.
لقد منحت الرأفة للسيدة راشيت، وانتهى كابوس نظام الوصاية الذي خلق تلك العلاقة المشؤومة معها. الآن، شعرت إلينا أنها تستطيع أخيراً النوم بسلام كل ليلة، مفكرةً فقط في طفلها القادم وفي فلويد.
“ربما أندم على هذا القرار لاحقاً، لكنني واثقة من شيء واحد: أنه كان أفضل خيار يمكنني اتخاذه الآن.”
“أجل، لقد أحسنتِ الصنع، إيلا.”
وضع فلويد شالاً من الفراء الأبيض الناصع فوق كتفي إلينا، وكأنه يحثها على العودة إلى قصر الدوق لنيز، وهمس لها بصوت منخفض:
“أعتقد أن فعل ذلك سيريح قلبكِ. فأنا أعرفكِ جيداً، وأنا أكثر شخص يتمنى لكِ الطمأنينة.”
لم يقل لها أحد إنها طيبة أكثر من اللازم، ولم يصفها أحد بالحمق.
ومضى الشهر الأخير من العام ليشرق فجر عام جديد.
ساعدت إلينا فلويد في تزيين غرفة النوم وما حولها. كان البرد قارساً بمجرد الخروج إلى الرواق، لذا لم يكن أمام إلينا خيار سوى قضاء يومها بأكمله داخل الغرفة.
في الماضي، عندما كانت تعيش في قصر الكونت فالوا، كانت الوصيفات يسخرن منها ويلقبنها بـ “سندريلا” لأنها كانت تنظف المدفأة، مما جعلها تكره المدافئ بشدة. لكن الآن، وبشكل يثير العجب، أصبحت إلينا شخصاً لا يستطيع العيش بدون مدفأة.
“تادااا! انظر إلى هذا. ألا تبدو أجمل مما صنعتها في المرة السابقة؟”
“أممم، ليست أجمل فحسب، بل هي رائعة جداً. يمكننا إعطاؤها لطفلتنا ‘ليتشي’ كما هي.”
“أوه، توقف عن المزاح. أعتقد أن ما صنعته اليوم سيكون من الرائع تعليقه فوق باب الغرفة.”
نهضت إلينا بنشاط من كرسيها الهزاز، ومشت بحذر فوق السجاد الوثير، ومدت يدها نحو أعلى الباب. وكما كان متوقعاً، لم تصل يدها، فاحتاجت لمساعدة فلويد.
ابتسمت إلينا وهي تنظر إلى الزينة المكونة من دمى صغيرة متسلسلة، أصغر من حجم قبضة اليد.
في الآونة الأخيرة، أصبح قضاء الوقت في الغرفة وصنع الزينات الصغيرة مع فلويد هو هوايتها المفضلة. وقريباً ستكتمل غرفة الطفل، وسيكون عليها البدء بتزيينها أيضاً.
“يبدو أن ‘شوري’ و’ديري’ يحبان الدمى الصغيرة التي تصنعينها كثيراً.”
“آه… تلك كانت دمى أفسدتها أثناء الصنع… رؤية حبهما لها تجعلني أوقن أن شوري وديري قطتان طيبتان حقاً.”
عادت إلينا إلى الكرسي الهزاز، ونظرت إلى “شوري” التي قفزت فوقه في تلك الأثناء. كانت شوري تدحرج دمية صغيرة بلون عاجي، وقد غطتها تماماً بفرائها الأسود.
أما “ديري”، فقد كان يتربع فوق رأس فلويد. رمشت إلينا بعينيها خمس مرات، متسائلة عما إذا كانت ترى المشهد بشكل صحيح.
“واو… فلو، تبدو مثل قطة. قطة سوداء صغيرة بأذنين سوداوين منتصبتين.”
“يمكنني أن أبدو كقطة سوداء، لكن وصف ‘قطة صغيرة’ أليس مبالغاً فيه بعض الشيء، إيلا؟ سأشعر بالأسف تجاه ديري حينها.”
مشى فلويد بحذر نحو المرآة الموجودة في زاوية الغرفة ليتفقد حال رأسه، ثم انفجر ضاحكاً. يبدو أن ديري قد استحسن شعر فلويد الأسود كثيراً.
كان ديري أسود اللون بالكامل عدا أذنيه الورديتين المنتصبتين، فبدا فلويد وكأنه يرتدي قبعة فراء سوداء.
“ألا تشعر بالأسف، فلو، لأنك بقيت بجانبي ولم تذهب إلى مأدبة رأس السنة الإمبراطورية؟ لو ذهبت، لكنت قضيت وقتاً طيباً مع والدك.”
بينما كانت إلينا تداعب ظهر القطة “شوري” الجالسة فوق ركبتيها، نطقت بما جال في خاطرها فجأة وهي تتأمل منظر الثلوج البيضاء التي غطت العالم خارج النافذة.
كما نصحتها كبيرة الوصيفات وبيانكا، كان ذهاب إلينا إلى مأدبة رأس السنة الإمبراطورية وهي في شهور حملها الأخيرة أمراً مستحيلاً تماماً. وفي الوقت نفسه، أعلن فلويد أيضاً عن عدم حضوره للمأدبة، وكان سببه بسيطاً وواضحاً للغاية:
“أتمنى أن يكمل طفلنا ‘ليتشي’ شهوره العشرة كاملة قبل أن يخرج، لكنه قد يأتي في وقت أبكر قليلاً مما نتوقع. ولا أريد أن أفوت تلك اللحظة أبداً.”
“ولكن لا يزال هناك شهران تقريباً…”
لم ترغب إلينا في ثني فلويد عن قراره، فدائماً ما كانت هناك احتمالات قائمة. حتى إلينا نفسها كانت قد جهزت غرفة نومها بكل ما يلزم لعملية الولادة تحسباً لأي طارئ.
ومع اقتراب موعد ولادة إلينا، لم يغادر فلويد قصر دوق لنيز إلا في الحالات القصوى والمهام الضرورية جداً. وكانت تلك المهام تنحصر في استدعاءات عاجلة من جلالة الإمبراطور، أو تسيير شؤون قصر الكونت فالوا التي لم تعد إلينا قادرة على التحرك لمباشرتها.
لقد أصبح فلويد الآن دوق لنيز، وزوج كونتيسة فالوا (بالمعنى الفعلي). ورغم أن المسألة القانونية كانت تكمن في أنهما قد أتما الخطبة فقط ولم يقيما حفل الزفاف بعد، إلا أنهما كانا يعيشان كزوجين أكثر من أي شخصين آخرين.
“كل ما أرجوه هو أن تضعي طفلنا بصحة جيدة. هذه هي أمنيتي الوحيدة الآن.”
“بالطبع. أنا واثقة من أنني سألد ‘ليتشي’ بصحة جيدة، وسأستعيد عافيتي سريعاً.”
تناولت إلينا رشفة من الشاي الذي أحضرته لوسي إلى الغرفة قبل دقائق، وهو هدية من حميها “كيهيل”. هذه المرة، لم يكن شاياً مراً لدرجة البكاء رغم فوائده، بل كان شاياً حلواً يعدل المزاج ومفيداً للجسم في آن واحد. يبدو أن والد فلويد أيضاً كان يشعر بقلق شديد عليها.
كانت إلينا على يقين بأن ما يخشاه الجميع لن يحدث. فطفلها سيكمل شهوره العشرة في أحشائها، وسيولد بصحة جيدة دون أن يرهق والدته كثيراً.
لقد كانت تلك أمنية إلينا التي ترجوها بصدق أكثر من أي شخص آخر.
التعليقات لهذا الفصل " 108"