كانت قاعة “أنجيلا”، حيث ستُعقد المحاكمة، غاصةً بالحضور بالفعل.
بخطوات حذرة، وتحت مرافقة “فلويد”، سارت “إلينا” بإرشاد من الفارس المسؤول عن حفظ النظام في القاعة، لتتخذ مقعدها في المركز تماماً.
إنه مقعد الضحية التي رفعت الدعوى.
كم من الوقت استغرق الأمر للوصول إلى هذا المقعد؟ وكم من المظالم تجرعتها قبل أن تقف هنا؟
قبل بدء المحاكمة، أجابت “إلينا” على أسئلة قصيرة وجهها قاضي المحكمة الذي سيدير الجلسة اليوم، ثم أطلقت زفيراً طويلاً كانت تحبسه في صدرها.
“فلويد…”
تجعّد طرف فستانها الأسود، الذي حرصت على ارتدائه بعناية هذا الصباح، من شدة قبضتها. في هذا المكان، لم يكن مسموحاً لأحد بالجلوس سوى “إلينا”.
أما “فلويد”، فقد كان يجلس في الصف الأمامي المخصص للمشاهدين، يلوح لها بيده طوال الوقت محاولاً تخفيف توترها.
“الآنسة إلينا فالوا؟ هل أنتِ بخير؟ إذا كنتِ بحاجة إلى طبيب، فهو متواجد داخل قاعة أنجيلا، فقط أخبرينا.”
“آه… لا، أنا بخير.”
بدا أن القاضي، الذي كان يهم بالعودة إلى مكانه، شعر بالشفقة تجاه “إلينا” وهي تجلس وحيدة في مقعد الضحية ترتجف بوضوح، فخاطبها فجأة.
منذ لقائها بـ “فلويد”، اعتاد الجميع معاملتها كدوقة “رينيز” المستقبلية، لذا لم تسمع لقب “الآنسة إلينا فالوا” منذ مدة.
هنا فقط، شعرت حقاً أن المحاكمة جارية.
لوحت “إلينا” بيد مرتجفة لـ “فلويد” القلق، ثم نقلت بصرها إلى الجانب المقابل تماماً لمقعد الضحية، حيث يقبع خصومها.
كانت “السيدة لاشيت” و”رينارد” يرتديان ثياباً رسمية وبدلات بألوان هادئة، وقد ربط “رينارد” شعره الأشقر المألوف بدقة. أما الرجل المتوسط العمر الذي تراه لأول مرة فهو…
“إذن، هذا هو الماركيز أوسيلوت…”
عدلت “إلينا” جلستها بعد أن كانت متكئة بالكامل على الكرسي، وأخذت تتأمل وجه الماركيز “أوسيلوت”.
بدا أكبر سناً من “السيدة لاشيت” بقليل، وكان نبيلاً من إمبراطورية “إنكال” في منتصف العمر، يبدو عليه الاعتناء الشديد بنفسه كما يليق بنبيل رفيع المستوى.
كانت تتساءل بفضول شديد عما إذا كان سيظهر نادماً على جرائمه عند مواجهتها في المحكمة، أم أنه سيتصرف بغطرسة، لكن النتيجة كانت…
“لا أستطيع معرفة أي شيء. لا أعرف أي نوع من الرجال هو هذا الماركيز.”
بناءً على ما سمعته قبل مجيئها إلى قاعة “أنجيلا”، قيل إن الماركيز “أوسيلوت” متعاون للغاية مع إجراءات المحاكمة، رغم الشائعات عن وقوع صدامات مباشرة بينه وبين “السيدة لاشيت” بين الحين والآخر.
(سأسمع بوضوح كل كلمة تقولها في هذه المحاكمة).
في تلك اللحظة، تلاقت عيناها بعيني الماركيز “أوسيلوت”.
ثم “دوووم”. استقر جميع الحضور الذين سيكونون شهوداً على محاكمة اليوم في مقاعدهم، وأُغلقت أبواب قاعة “أنجيلا” الثقيلة بإحكام.
حتى الآن، كانت “إلينا” تتلقى المساعدة من “فلويد” وأتباع عائلة “رينيز” في التحضير للمحاكمة، لكن في هذا المكان، كان عليها أن تواجه الأمر بقوتها الخاصة.
ورغم وجود من يدعمها في المحاكمة، تماماً كما هو حال الماركيز في الجانب الآخر، إلا أنها نظرت إلى الشخص الذي سحب كرسياً وجلس بجانبها وهي تمسح بيديها على ثنايا فستانها المتجعد.
بما أن المحاكمة ضد الماركيز “أوسيلوت” ستتم غداً، فعليها التركيز الآن على المحاكمة ضد “السيدة لاشيت”.
“صاحبة السمو الدوقة، هل يمكننا البدء؟”
“نعم، أبلغ القاضي أن إلينا فالوا مستعدة.”
كان التوتر بادياً على الكونت “كوتشيل” تماماً مثل “إلينا”. فقبل إغلاق أبواب القاعة بلحظات، ظل يتحدث مطولاً مع “فلويد” الجالس في مقاعد الحضور.
لقد ذكر أنها المرة الأولى في حياته التي يظهر فيها كخبير قانوني رئيسي في محاكمة بهذا الحجم، لذا ظل يتفحص المجلدات الضخمة من الوثائق التي جلبها من قصر دوق “رينيز” مراراً وتكراراً.
تلك الوثائق الكثيرة كانت “إلينا” قد راجعتها هي الأخرى عدة مرات. فنصفها كان عبارة عن شهادات مكتوبة بدموعها حول أفعال “السيدة لاشيت” السابقة.
أما النصف الآخر، فكان عبارة عن بيانات تحقيق حول وفاة الزوجين “فالوا” (الكونت والكونتيسة السابقين) في حادث العربة قبل عشر سنوات.
كان من المقرر أن تبدأ المحاكمة بالعقاب المستحق لـ “السيدة لاشيت”، التي دفعت “إلينا” للهرب من قصر الكونت “فالوا”.
بما أنه لم يكن بجانب “السيدة لاشيت” أي خبير قانوني معروف، توقعت “إلينا” أن ينتهي الأمر سريعاً، خاصة وأن السيدة كانت قد اعترفت بجرائمها بالفعل وطلبت العفو.
بينما كانت “إلينا” تراقب مرة أخرى “السيدة لاشيت” و”رينارد”، والماركيز “أوسيلوت” الذي لم تكن تعرف كيف سيتصرف بعد، فتح الكونت “كوتشيل” فاه وهو يقف أمام القاضي:
“سيدي القاضي الموقر، الضحية إلينا فالوا، التي رفعت هذه الدعوى، مستعدة للمحاكمة.”
الآن، بدأت المعركة حقاً.
“السيدة لاشيت وابنها رينارد، تفضلا إلى مركز القاعة.”
راقبت “إلينا” من مقعدها كضحية مشهد تقدم “السيدة لاشيت” و”رينارد” بكل هدوء.
عندما نادى القاضي أسماءهم بوقار، شعرت “إلينا” برعشة تسري في جسدها بالكامل من شدة التأثر.
نفضت “السيدة لاشيت” أيدي الفرسان المحيطين بها، وكأنها تحاول الحفاظ على ما تبقى من كرامتها، ووقفت بقدماها في مركز القاعة.
في قوانين المحاكمات، الشخص الذي يتم اتهامه من قبل الضحية ويخضع للمحاكمة لا يحق له الجلوس أبداً أثناء الجلسة.
كانت هذه القاعدة تطبق في جميع محاكمات إمبراطورية “كوسيلي”، وليس فقط في قاعة “أنجيلا” المخصصة للعائلة الإمبراطورية.
اقترب القاضي، الذي كان يرتدي رداءً أسود فضفاضاً، من “السيدة لاشيت” بعد أن تسلم قائمة التهم الموجهة إليها من الكونت “كوتشيل”.
“السيدة لاشيت، هل تعترفين بأنكِ لم تلتزمي بمسؤولياتكِ كوصي قانوني على الضحية إلينا فالوا طوال الاثني عشر عاماً الماضية؟”
“نعم، أعترف بذلك.”
أثار اعتراف “السيدة لاشيت” السريع همهمات بين الحضور المحتشدين في قاعة “أنجيلا”. هل كان الجميع يتساءل عما إذا كانت الدوقة قد استخدمت نفوذ الدوق لتقرير نتيجة المحاكمة مسبقاً؟
ربما فكروا في ذلك، لكن “إلينا” كانت تنظر فقط إلى “السيدة لاشيت” وهي تقر بجرائمها ببرود أمام القاضي.
في الحقيقة، لم تطلب “إلينا” مساعدة “فلويد” إلا في جمع الأدلة المبنية على الحقائق، ولم تستغل نفوذ الدوق للتأثير على سير العدالة أبداً.
ببساطة، كل ما فعلته “السيدة لاشيت” لـ “إلينا” طوال عشر سنوات – واثني عشر عاماً بدقة – هو ما صنع نتيجة محاكمة اليوم.
في الصف الأمامي من بين الحضور المتذمرين، كان “فلويد” يضع يديه متشابكتين على الطاولة، وعيناه لا تفارقان “إلينا”.
ابتسمت له “إلينا” بخفة لتطمئنه، ثم نقلت نظرها إلى “رينارد” الواقف خلف السيدة “لاشيت” بوجه متصلب أكثر من ذي قبل، ثم إلى الماركيز “أوسيلوت”.
بعد انتهاء دور “السيدة لاشيت”، سيخرج “رينارد” لفترة وجيزة ليتبعها في الاعتراف بجرائمه ثم يعود.
رغم أن “رينارد” قد لا يتصرف كما هو متوقع، إلا أن وجود والدته بجانبه سيجعل الأمر ينتهي بشكل جيد بطريقة ما… لأن هذا ما تريده “السيدة لاشيت”.
أما الماركيز “أوسيلوت”… فقد أحضر معه خبيراً قانونياً مشهوراً من إمبراطورية “إنكال”، لذا سيتعين عليه خوض معركة قانونية حقيقية ضد الكونت “كوتشيل”.
ورغم أنها لم تكن قلقة كثيراً لأن هوية الضحية والجاني واضحة، ولأن الأدلة والشهادات والشهود كانوا حاضرين، إلا أن القاضي واصل استجوابه:
“هل تعترفين أيضاً بأنكِ أجبرتِ إلينا فالوا، التي كانت تبلغ من العمر سبع سنوات آنذاك، على توقيع عقد وصاية قانوني غير عادل، وبدلاً من أداء واجبات الوصي، قمتِ باختلاس ممتلكات عائلة فالوا بما يتجاوز سلطاتكِ القانونية، وعندما اكتشفت إلينا فالوا تلك الحقيقة في سن السابعة عشرة، قمتِ بمعاملتها كخادمة في القصر وأسأتِ إليها عاطفياً وجسدياً؟”
“نعم… أعترف.”
“وكذلك، هل تعترفين بأنكِ تغاضيتِ عن تقرب ابنكِ رينارد من إلينا فالوا، ومارستِ العنف ضدها عندما كانت حاملاً في ذلك الوقت؟”
“كنت أعلم أنها حامل… لكني لم أكن أعرف أنه طفل دوق رينيز. ظننت أنه طفل ابني فقط، لذا طلبت منها إجهاضه من أجل مصلحتها ومصلحة ابني. بما أنهما كانا صغيرين وغير متزوجين… رأيت أن ذلك هو الحل الأفضل.”
لم تعترف “السيدة لاشيت” بهذه التهمة فوراً، بل وجهت حديثها نحو الحضور في القاعة محاولةً تبرير وجهة نظرها.
غير أنها لم تلبث طويلاً حتى أدركت التناقض الصارخ في أقوالها، فخفتت نبرة صوتها تدريجياً.
في ذلك الوقت، كانت “إلينا” قد أكدت بوضوح رغبتها في حماية طفلها، وأنها ستتحمل مسؤوليته مهما كلف الأمر. بل إنها نفت فوراً وبالقاطع حين ساد الاعتقاد الخاطئ بأنه طفل “رينارد”.
بأي حق، ولأجل مَن تحديداً، تجرأت السيدة على إصدار أمر بإجهاض جنين في أحشاء أمه؟
“هل من الصحيح أنكِ، ورغم علمكِ التام بحمل ‘إلينا فالوا’، أجبرتها على تناول أطعمة تثير غثيانها، وأرغمتها على تنظيف القصر كخادمة رغم سوء حالتها الصحية، ثم قمتِ بدفعها وإسقاطها من فوق السرير؟ هل هذا صحيح؟”
“نعم… صحيح. لقد عرّضتُ طفل ‘إلينا’ الغالي للخطر.”
عند سماع قول السيدة لاشيت، صحح لها القاضي نبرتها بحدة، مؤكداً أن فعلتها لم تكن مجرد تعريض طفل للخطر، بل كانت محاولة شروع في قتل.
كذلك، استُدعي “رينارد” المتورط في التهم ذاتها إلى مركز قاعة “أنجيلا”، ليفتح فاه تحت ضغط وتوجيهات السيدة لاشيت:
“عندما كنا صغاراً، كنت أعتبر ‘إلينا’ كأختي الحقيقية تماماً. لذا… لم أكن أتخيل أنني سأكنّ لها مشاعر من نوع آخر… لكن في لحظة ما، بدأتُ أحبها.”
قالها بنبرة توحي بأنه لا يمزح، بل يتحدث بصدق جاد.
بعد تصريحات السيدة لاشيت السابقة، كان الحضور يراقبون ردود فعل “فلويد” بحذر، لكنهم عند سماع كلمات “رينارد” الأخيرة، لم يتمالكوا أنفسهم وأطلقوا صيحات استهجان صريحة ومباشرة.
“يا للأسف حقاً، يا سيدة لاشيت. يبدو أن ‘رينارد’ لم يستعد رشده حتى في هذا المقام.”
عاد القاضي إلى مقعده وطرق بمطرقته منادياً بالهدوء، فخمدت صيحات الاستهجان تدريجياً.
ألقى “إلينا” نظرة خاطفة على وجه السيدة لاشيت الذي كان يزداد تشنجاً وتصلباً، ثم أنهت مشاوراتها الأخيرة مع الكونت “كوتشيل” حول كيفية إثارة قضية “نظام الوصاية”.
كانت التهم الموجهة للسيدة لاشيت لا حصر لها؛ لذا كان المخطط هو انتزاع اعترافاتها بها جميعاً أولاً، ثم التطرق في ختام جلسة اليوم إلى “نظام الوصاية”، الذي يمثل الجذر والسبب الأساسي لكل تلك الجرائم.
التعليقات لهذا الفصل " 101"