ثم رفعَ من على الطاولة الصغيرة كتابًا كان موضوعًا تحت الإناء.
وراحَ يُقلِّبُ صفحاتِه بخِفَّة ثم قال.
“دعني أرى الشخص الذي سلّمه مؤسس تيكاري الأول تلك التحفة…”
“…”
“ما الأمر؟“
“…هل ذلك الكتابُ ربما…”
“إنه مفكِّرةُ تيكاري الأول. حسنًا، يُسمَّى أيضًا الكتابَ السري.”
أمسكتُ بالكتاب السري وقد اعتراني الذهول.
كانت عليه آثارُ سُخامٍ، وتناثرت فوقه بقعٌ من مرق الطعام.
ولم تُلقَ عليه أيُّ تعويذةٍ من تعاويذ الحفظ.
‘يا للعجب.’
صمتُّ لحظةً أمامَ طريقة الحفظ المثيرة، ثم عادَ الشيخُ يُفتِّشُ في الكتاب السري.
“ها هو ذا. لقد سلَّمه إلى ليوندورا يوبيس، مكافأةً لها على إنقاذ حياته.”
ضحكَ أنتونيو بصوتٍ مرتفع.
“هذا جيّد. فهي ليست من كبار النبلاء، أليس كذلك؟“
“…”
“يا آنسة؟“
لم يكن ذلك رائعًا.
أطبقتُ عينيَّ بشدة.
يوبيس.
الخادمُ المقرَّبُ من ماركيزية أندريس التي حاولتْ اختطافي، ومَن كانَ أستاذي، يحملُ ذلكَ الاسم…
***
قلعةُ سان ميغيل.
تنهَّدَ نائبُ القائد وقال.
“أتممنا التحقُّق. ليونودورا يوبيس هي حقاً سَلَف عائلة بارونية وبيس.”
استمعَ القائدُ ونائبُه ويويس إلى ما حدثَ لنا في الحدادة.
‘أوَّلًا. أنَّ التيكاري الحالي هو عجوز الحدادة.’
هنا كادتْ عيونُ نائبِ القائد ويويس تنبثقُ من محاجرها دهشةً.
‘وثانيًا. أنَّ الكنزَ الأخيرَ ربما يكون في أسرة البارون يوبيس.’
أمرَ نائبُ القائد يويس بالتحقيقِ الفوري في شجرةِ أسرة البارون يوبيس.
وها قد ثبتَ يقينًا أنَّ الكنزَ في أسرة البارون يوبيس.
“أن يكون في عائلة ذلك الرجل الخطير بالذات…”
عبَّسَ أفراد الأشباح الذين يعلمون أنه حاولَ اختطافي.
“أظن أن عائلة بارونية يوبيس نفسها لا تعرف بوجود الكنز. فقد مرّت عليهم فترة كانوا فيها فقراء إلى حدٍّ مدقع. ولو كانوا يعلمون بوجوده لكانوا باعوه آنذاك.”
قال نائب القائد.
“إذن فالاحتمال الأكبر أنه دُفن مع قبر أحد أسلافهم.”
وأومأ برأسه، ثم سرعان ما عقد حاجبيه.
“لكن أراضي يوبيس تقع ضمن إقطاعية أندريس… أي إن التسلل إلى إحدى إقطاعيات العائلات السبع أصبح أمراً محتوماً.”
“ليسَ بالضرورة.”
“عفوًا؟“
“لا يمكن أن تكون مقبرة عائلة يوبيس داخل إقطاعية أندريس. لقد تلوثت بالأشباح، ولذلك نُقلت بسبب خطورتها.”
“هذا أمر جيد.”
أومأتُ برأسي على كلامِ نائب القائد.
“نعم. لكنَّ المشكلة…”
“أيُّ مشكلة؟“
“أنَّ موضعَ تلك المقبرة لا يعلمُه إلا رافييل يوبيس.”
“…”
أسكتَ الجميعَ ذلك الكلام.
قبضَ أنتونيو على قائمِ سيفه.
“هل أختطفُه لك؟“
“ليسَ من يُذعنُ لأحدٍ تحت التعذيب.”
“فكيفَ إذن؟“
“لا بُدَّ من لقائه ومحادثته.”
“لكنَّه حاولَ اختطافَك في المرة السابقة!”
“أنا الآن ابنةُ حاكم سان ميغيل، فلن يتجرَّأَ على إيذائي بسهولة. وسآخذُ معي حُرَّاسًا، فلا تقلقوا كثيرًا.”
بيدَ أنَّ أنتونيو ويويس لا يزال على وجهيهما القلقُ الظاهر.
“لكن…”
“وهل تعتقدين أن رجلاً كهذا سيهتم بوجود حرّاس…”
في تلك اللحظة بالذات.
“سأرافقُها أنا.”
كانَ ذلك نائبَ القائد.
التفتُّ إليه مندهشة.
“أنتَ يا نائبَ القائد؟“
“نعم.”
صحيحٌ أنه لو كانَ نائبَ القائد فلن يُشكِّلَ كلُّ فرسان أسرة يوبيس مجتمعين خطرًا…
“ألستَ مشغولًا جدًّا؟“
“مهمَّتي في سان ميغيل هي قيادةُ الفرسان. وليسَ ثمةَ عملٌ أهم من حمايةِ سيدي.”
كما أن القائد أومأ بصمت، مؤيداً كلامه.
ولم يسعني في النهاية إلا أن أومئ بالموافقة.
وفي تلك الليلة كتبت رسالة إلى البارون يوبيس.
وبعد بضعة أيام وصلني رده، يوافق فيه على اللقاء.
***
كُوخُ العشَّاب في ذلك الجبل، حيثُ حاولَ البارونُ يوبيس اختطافي.
انحنيتُ للعجوزٍ منحنيِ الظهر.
“أرجو أن تغفر لي وقاحتي؛ فقد علمتُ بما تعرّضت له من ضيق، ومع ذلك لم أسأل عن أحوالك إلا الآن.”
“وكيف يكون ذلك ذنب الآنسة؟ بل إنني أنا من تلقّى المساعدة. وقد سمعتُ من قبل أنك ابنة حاكم سان ميغيل.”
كادَ هذا العشَّابُ يتعرَّضُ للأذى بسببِ ما أقدمَ عليه البارونُ يوبيس. لكنَّ الأعضاءَ الذين جاؤوا لاصطحابي أنقذوا العشَّابَ أيضًا، فسلِمَ بخير.
قلتُ بوجهٍ منكسر.
“البارونُ يوبيس ذكرى سيئةٌ لكَ أيضًا أيها العجوز، فشكرًا لتهيئتك هذا المكان.”
“وما الذي قد يصعب على المرء فعله لمن أنقذ حياته؟“
قالَ العجوز الطيبُ ذلك بحرارة، ثم قدَّمَ الشايَ وغادرَ الكوخ.
جلستُ في المكانِ الذي هيَّأه العجوز.
قالَ نائبُ القائد الذي رافقني.
“هل أحضرتِ الخنجر؟“
“نعم.”
“وعندَ الطوارئ؟“
“لا أُفكِّرُ في الطعنِ بطرفِ النصل، بل في الجرحِ بحدِّه لإشعارِه بالألم أولًا. حينئذٍ ينكمشُ الإنسانُ بالغريزة. ثم أنتهزُ الفرصةَ وأفرُّ. أليسَ كذلك؟“
حينما سردتُ ما تعلَّمتُه قبلَ المجيء طلقًا دونَ تردُّد، ابتسمَ نائبُ القائد.
“تلميذةٌ ممتازة—.”
وفي تلك اللحظة.
“لا جدوى من جعل المرء يحفظ الأمور عن ظهر قلب بلا فهم.”
فُتحَ البابُ وانبعثَ صوتٌ هادئٌ متأنٍّ.
كانَ البارونُ يوبيس.
فتحَ البابَ ودخلَ، ثم نظرَ إليَّ بابتسامة.
“يبدو أن رعاية سان ميغيل لم ترُق لكِ بقدر ما تروق لكِ رعايتي.”
قالَ ذلك وجلسَ في مواجهتي.
رفعتُ كوبَ الشاي وقلت.
“لا.”
قهقهَ البارونُ يوبيس.
“لقد علّمتكِ أن تقدير الواقع يسبق العناد، فكيف خطرت لكِ مثل هذه الفكرة؟ أليس بيننا فرقٌ في مستوى التعليم منذ البداية؟“
“مستوى التعليم؟“
“لو كنتُ مكانه، لعلّمتكِ كيف تُلينين خصمكِ بدل أن تهاجميه بهجومٍ ضئيل الاحتمال في النجاح“
“…”
“بطريقةٍ لا يستطيع معها الرفض، بطبيعة الحال.”
ألقى البارونُ يوبيس نظرةً خاطفةً على نائبِ القائد.
“الحمقى هكذا دائمًا. يظنّون أن ما يحتاجون إليه هم، يحتاج إليه الآخرون أيضًا. لكنّ للنبلاء طرائقهم الخاصة.”
“وماذا في ذلك؟“
“ماذا ستُنجزينَ في مكانٍ لا يُجيدُ إلا هذا المستوى من التعليم؟ الرفقةُ مع الأغبياء ليستْ سوى انزلاقٍ نحو الانحطاط معهم.”
بردَ نظرة نائبِ القائد.
وزادَ ابتسامُ البارونِ يوبيس توهُّجًا.
وضعتُ كوبَ الشاي وقلت.
“لورينزو أستاذٌ أفضلُ منك يا بارون.”
ارتجفَ نائبُ القائد وهو يُحدِّقُ فيَّ.
ارتعشَ حاجبا البارونِ يوبيس.
“لماذا تُصدِرينَ هذا الحكمَ الأحمق؟“
“لأنَّ في لورينزو إخلاصًا حقيقيًّا، بخلافِك أنتَ.”
“يا للمصيبة. يبدو أنَّ الماءَ الفاسدَ أثَّرَ فيكِ. علَّمتُكِ أنَّ ما لا يُرى لا ينفع.”
نظرتُ إلى البارونِ يوبيس مباشرةً وقلت.
“ما يُتقنُه البارونُ من آدابٍ وفصاحةٍ وإدارة، لربما تفوَّقَ في تعليمِه. فهو ‘مُعلِّمٌ‘ ماهر.”
“…نعم؟“
“لكنَّ ما أحتاجُه ليسَ مُعلِّمًا، بل أستاذًا.”
“وما الفرق؟“
“مَن أستطيعُ أن أُكِنَّ له الأحترام من صميمِ قلبي.”
ارتعشَتْ عيونُ نائبِ القائد الذي كانَ ينظرُ إليَّ.
أطلقَ البارونُ يوبيس ضحكةً ساخرة.
“أتقصدين ذلك الشيء التافه؟“
“إنْ أهنتَ السيد لورينزو فلن أغفرَ لك.”
في الحين انجلَى وجهي وبردَ.
اختفتِ الابتسامةُ من وجهِ البارون.
***
قبضَ رافييلُ يوبيس قبضتَه.
أتُسمِّينَ مثلَ ذلكَ الرجلِ أستاذًا؟
وتقولينَ إنكِ لن تغفري لمن يهين لورينزو؟
‘يا لها من مفارقة.’
لكنَّ عيني يوستيا كانتا تتَّقدانِ بهدوء.
تمامًا كما حدثَ حينَ رمتْ قفَّازَها في وجهِ الدوقِ الأكبر الذي أهانَ البارونَ يوبيس.
في ذلكَ اليومِ أُقيمَ حفلٌ في إقطاعيةِ أندريس.
حينها، حصل البارون يوبيس، الذي لم يكن محبوبًا كثيرًا، على مقعد عند الطاولة المركزية في الحفل، فأبدى أبناء العائلات الكبرى استياءهم
التعليقات لهذا الفصل " 41"