كانت بحيرةُ شاينفيل، التي تُعرَف بأنّها أشهرُ معالم الإمبراطوريّة، هائلةَ الاتّساع إلى حدٍّ يمكن معه عدُّها بحرًا.
وكان سببُ شهرة بحيرة شاينفيل هو مهرجان الشَّفَق الشماليّ الذي يُقام هنا كلَّ عامٍ ليلًا، فتتلألأ الأضواء في السماء.
غير أنّ الوقت الآن لم يكن ليلًا، ولم يكن موسمَ المهرجان، ولذلك لم يكن على ضفاف البحيرة كثيرٌ من الناس.
ومع ذلك، كانت بحيرةُ شاينفيل مكانًا يقصده النبلاء كثيرًا للتنزّه أو للنُّزهات الخفيفة.
فلم تكن البحيرة وحدها جميلة، بل كانت الحدائق والمناظر المُحيطة بها بديعةً للغاية.
وكان العشّاق يأتون إلى هنا أحيانًا ليركبوا القوارب الصغيرة ويقضوا أوقاتًا خاصّة.
توجّهت هيس إلى الجهة الغربيّة من البحيرة لتركب أحد تلك القوارب.
وقد ارتاب القيّم على القوارب حين قالت له امرأةٌ لا ترتدي ثيابًا لائقة، ولا يرافقها أحد، إنّها تريد ركوب القارب وحدها،
لكنّه ما لبث أن أخذ المال، وأجلس هيس في قاربٍ أبيض تقشّرت طلاءاته في مواضع كثيرة.
بدأت هيس تُجدِّف بيديها المتيبّستين من شدّة البرد.
وكان من أحلامها يومًا أن تركب قاربًا أبيض وتتفرّج على بحيرةٍ جميلة.
“إذًا، فقد حقّقتُ حلمي فعلًا.”
ابتسمت هيس بسخريةٍ خفيفة من حالها،
وتناثر بخارُ أنفاسها البيضاء في الهواء عند أصغر ضحكة.
كانت عاصمةُ لافيلسيون تقع في شمال الإمبراطوريّة،
ولذلك لم تكن الفصول فيها متباينةً بوضوحٍ كبير،
لكنّ نهارات الشتاء الكثيفة الثلوج كانت، على العكس، أدفأ قليلًا من غيرها،
إذ إنّ الثلج كان يمنع الحرارة من الهبوط الشديد.
ومع ذلك، مهما بدا الجوّ ألطف،
فإنّ بحيرةَ لافيلسيون في الشتاء كانت باردةً على نحوٍ مرعب.
شعرت هيس بأنّ الإحساس في يديها بدأ يتلاشى.
وحين خُيِّل إليها أنّها بلغت وسطَ البحيرة تقريبًا، تركت المجاديف من يديها.
راقبت المجاديف وهي تنزلق بهدوء إلى أعماق الماء،
ثمّ أخرجت من جيب تنورتها الداخليّ حجرًا حادًّا كانت قد أحضرته معها.
وأخذت نفسًا قصيرًا، ثمّ رفعت اليد التي تمسك بالحجر وضربت بها ألواح القارب بعنف.
لم يتحرّك شيء من الضربة الأولى،
لكنّ هيس لم تستسلم، وأخذت تضرب اللوح بالحجر مرّةً بعد مرّة.
وصلها من بعيد صوتُ صراخ شخصٍ ما.
كأنّ أحدهم رآها وبدأ يصرخ.
لكنّ يدَي هيس لم تتوقّفا.
سال الدم على راحتيها وبلّل ألواح القارب،
وتلطّخ فستانها الكتّانيّ القديم بلون الدم،
ومع ذلك، لم تتوقّف هيس عمّا تفعل.
وأخيرًا، بدأ الماء يتسرّب شيئًا فشيئًا من ثقبٍ صغير في اللوح.
عندها فقط أسقطت هيس الحجر من يدها.
“هاه… هاه…”
وعلى الرغم من الريح القارسة،
تكوّنت قطراتُ العرق على جبين هيس.
ثمّ استلقت هيس على ظهرها في القارب،
ورفعت بصرها إلى السماء.
كان الطقس غائمًا فلم يظهر قرص الشمس،
لكنّها حين فكّرت أنّ هذه هي النهاية، بدا لها ذلك المشهد نفسه ذا مسحةٍ من جمال.
وبينما كانت تشعر بأنّ فستانها يبتلّ شيئًا فشيئًا،
تذكّرت هيس فجأة أيّام طفولتها.
‘أظنّني حدّقتُ في السماء هكذا من قبل.’
كأنّها كانت مستلقيةً تمامًا على الأرض، تحدّق في السماء مواجهةً إيّاها مباشرة،
وتفكّر أنّ المنظر جميل على نحوٍ ما.
‘وكان معي أحدهم، على ما أظنّ.’
لكنّ هيس كفّت عن محاولة التذكّر.
يبدو أنّ ما يُقال عن مرور شريط الذكريات عند الموت لم يكن كذبًا.
إذًا، أنا أموت الآن.
هنا، أنا أموت الآن.
بدأ الماء يصل إلى أطراف أذنيها.
وكان ارتفاع الماء أبطأ ممّا توقّعت.
يبدو أنّ الثقب كان صغيرًا جدًّا.
فكّرت أنّ عليها توسيع الثقب،
لكنّها سرعان ما عدلت عن ذلك.
لقد خانتها قوّتها، ولم تعد قادرةً على المتابعة.
بدأت أسنانُ هيس تصطكّ.
فهي، حتّى وهي تموت، ما زالت حيّة،
وكان جسدها كلّه يصرخ ألمًا من شدّة البرد.
وعندها، وعلى نحوٍ مفاجئ،
بدأ الخوف الحقيقيّ يتسلّل إليها، خوفًا لا يُصدَّق.
إذا متُّ هنا، فماذا بعد ذلك؟
هل سأموت حقًّا وأغيب في ظلامٍ تامّ؟
هل سيُحرّرني الموت من الألم؟
وهل يمكنني حقًّا أن أموت؟
وماذا لو فشلت؟
ألن أتمكّن، ولا مرّة واحدة، ولا مرّة واحدة فقط، من أن أكون سعيدة؟
نهضت هيس فجأة،
فتمايل القارب واختلّ توازنه،
وبدأ الماء يتدفّق إلى داخله بسرعةٍ أكبر.
نظرت هيس حولها بذعر،
لكنّ المجاديف التي ألقتها كانت قد اختفت منذ زمن.
لم تكن هيس تعرف السباحة،
وبحيرةُ شاينفيل كانت واسعةً وعميقةً للغاية،
ولم يكن هناك حتّى قاربٌ آخر قريب.
وما إن غاص القارب تمامًا،
حتّى سقطت هيس في الماء سقوطًا مفاجئًا.
“أنقذوني! أرجوكم، أنقذو…”
لكنّ الصرخة الغريزيّة طلبًا للنجدة انقطعت حين بدأ الماء يملأ رئتيها.
وكان الماء شديد البرودة يضرب جلدها وهي تتخبّط بلا حول.
تحوّل لون شفتيها وأطراف أصابعها وقدميها إلى زرقةٍ قاتمة،
وشعرت هيس بأنّ وعيها يتلاشى تدريجيًّا.
وبدأ وجهها الذي كانت ترفعه بالكاد فوق سطح الماء يهبط شيئًا فشيئًا،
وتسرّبت القوّة من جسدها الذي كان يتخبّط يائسًا.
وفي اللحظة الأخيرة فقط، أدركت هيس الحقيقة.
لم تكن تريد الموت.
كانت تريد فقط، لو تحسّن كلّ شيء قليلًا، أن تعيش الحياة قليلًا.
لا بهذه الطريقة، على الأقلّ.
‘ليس بهذه الطريقة، على الأقلّ…’
وحين تلاشت القوّة من جسدها تمامًا،
استرخى جسدُ هيس المستسلم وغاص في الأعماق.
اختنق نَفَسها، وأُغلقت عيناها،
وصار كلّ شيءٍ أمامها بعيدًا ضبابيًّا.
كانت ترى شيئًا يتماوج أمامها،
كأنّه ضوءُ سطح الماء، أو كأنّه حركةُ جسد إنسان.
بدت لها يدُ الموت قريبة.
ربّما يكون ذلك إلهًا.
وبينما كانت تفكّر بذلك، شعرت بقوّةٍ عنيفة تجذبها،
ثمّ غاب وعيها.
—
ما هو البيت؟
كان هذا سؤالًا لا يفارق ذهن هيس منذ بدأت تعي التفكير.
البيت.
مأوى للعيش، أو مكانٌ للراحة، أو ببساطة مكانٌ للنوم.
هكذا يُفهَم البيت عادةً.
وإذا أُخِذ هذا المعنى الأخير،
فإنّ لهيس كان لها بيتٌ دائمًا.
عند ولادتها، كان بيتُ أمّها الحقيقيّة المجهولة،
وفي طفولتها كان الميتم،
ومع نموّها كان علّيّة بيت كونت راينويد،
كانت هيس دائمًا في مكانٍ ما.
لكن، إن سُئِل: هل كان أيٌّ من تلك الأماكن بيتًا لها حقًّا؟
فلم تكن هيس قادرةً على الإجابة بنعم.
فالبيت، في نظرها، ينبغي أن يكون أدفأ قليلًا،
وأكثر راحةً قليلًا،
ومكانًا يرغب المرء في العودة إليه.
وإذا كان هذا هو البيت،
فلم يكن لهيس بيت.
وكان ذلك أوضح ما يكون في أيّام الميتم.
في بعض المياتم، كانت هيئات الأطفال وطباعهم تُعدّ بحدّ ذاتها موردًا نافعًا.
وكان مدير ميتم أوكوود، ديوك، ونائبُه وابنُه غايل،
ينظران إلى أطفال الميتم على هذا النحو على الأقلّ.
وجوهٌ يمكن أن تنال استحسان النبلاء،
وفطنةٌ تعرف كيف تُرضي أصحاب الشأن.
كانت أذواقُ النبلاء معيارًا مهمًّا في إدارة ميتمٍ يقوم على تبرّعات النبلاء الأثرياء.
ولهذا السبب، كان ميتم أوكوود يعجّ بالحركة كلّ صباح بسبب الاستعداد والتزيّن.
فقد كان المدير يقول إنّهم لا يعرفون متى سيأتي النبلاء للزيارة.
كان على الأطفال، ما إن يفتحوا أعينهم مع الفجر،
أن يُنهوا كلّ استعداداتهم قبل أن يدخل غايل الغرف عند السابعة لتفقّد أحوالهم.
كان الأطفال الأكبر سنًّا، مع أنّهم ما زالوا صغارًا،
يبدؤون أوّلًا بغسل الرضّع وإلباسهم،
ثمّ يأتي دورهم هم بعد ذلك.
ولم يكن في الميتم سوى حمّامٍ واحد للأطفال جميعًا،
يقع في أقصى الطرف الشرقيّ من الطابق الثاني،
وكان على اثنين وخمسين طفلًا أن يغسلوا وجوههم وينظّفوا أسنانهم قبل السابعة.
ولهذا، إذا مرّ أحدهم أمام الميتم في الصباح الباكر،
كان يرى صفًّا طويلًا من الأطفال النعاس يمتدّ على طول ممرّ الطابق الثاني.
وكانت هيس واحدةً من هؤلاء الأطفال.
فقد دخلت الميتم منذ كانت تكاد تُولَد، وعاشت فيه سبع سنوات،
ولذلك، على صِغَر سنّها، كانت تُعدّ من القدامى فيه.
وكان الماء دائمًا شحيحًا في الميتم،
فالأطفال الذين يتأخّرون لا يجدون ماءً ليغتسلوا،
فيضطرّون إلى مسح وجوههم باللعاب، أو لا يفعلون شيئًا على الإطلاق.
كانت هيس سريعة في قراءة وجوه الكبار،
لكنّها لم تكن سريعة في الحركة،
ولهذا، حين يأتي دورها، كان الماء قد انقطع في الغالب،
فلا تستطيع الاغتسال.
وكان على وجهها دائمًا أثرُ الأوساخ وخطوطُ السخام.
وكان شعرها الخشن يشبه المكنسة،
كما أنّ جسدها النحيل الذي لا يمتلئ مهما أكلت
كان يثير في النفوس شيئًا من الشفقة.
وكانت هيس، بين الأطفال، ذات ملامح مميّزة لافتة للنظر،
لكنّ هذه العوامل كلّها كانت تطمس تلك الميزة تمامًا،
فتجعلها تبدو كئيبةً باهتة.
وفوق ذلك، كانت هيس ضعيفة الجسد وكثيرة المرض،
ولم يكن هذا أمرًا محبوبًا في الميتم.
ولهذا، باختصار، كانت هيس تُعَدّ طفلةً يُؤسَف لحالها،
لكنّها بلا قيمة تُرجى.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 3"