كلّما ازدهر العصر وازداد بريقُ العائلة، تلاشى صدقُ الزواج بطبيعة الحال.
كانت إمبراطوريّة لافيلسيون، المحاطة بسلاسل جبليّة شاسعة متلألئة ومكسوّة بثلجٍ قارس، تتّسم بطابعٍ شماليّ يجعل الثلج يهطل فيها طوال العام.
ومع ذلك، حتّى في مناخ لافيلسيون هذا، إذا حلّ الربيع ذاب الثلج قليلًا وتفتّحت الأزهار لا مَحال، لكنّ القصر العظيم لأسرة كاسلوت الدوقيّة في قلب هذه الإمبراطوريّة الجميلة المهيبة كان دائمًا باردًا كأنّ عاصفةً ثلجيّة تعصف داخله على الدوام.
وكان من الأسباب أنّ قصر كاسلوت بالغ الضخامة والاتّساع إلى حدّ أنّه شاع بين الناس أنّ كلّ شابّ في الخامسة عشرة يدخل القصر حديثًا لا بُدّ أن يضلّ طريقه في داخله.
غير أنّ معظم مَن في القصر كانوا يعلمون أنّ السبب الحقيقيّ هو الزوجان الدوقيّان الجميلان، سيّدا هذا القصر.
كان الدوق دير كاسلوت، والدوقة هيس راينويد، كحال كثيرٍ من النبلاء، زوجين اقترنا بدافعٍ عقلانيّ يبدو وجيهًا، لكنّه لم يكن ذا أهميّة تُذكَر بالنسبة إليهما، إذ كان الزواج من أجل مصالح العائلتين.
زواجُ دير كاسلوت، دوق كاسلوت الذي يملك أعظم ثروةٍ ومجدٍ في الإمبراطوريّة وإن لم يكن لتاريخ أسرته قِدَمٌ طويل، من الآنسة هيس راينويد، سليلة أسرة كونتيّةٍ كانت يومًا ما الذراع اليمنى للإمبراطور وحقّقت إنجازاتٍ باهرة في حروب القارّة، وإن خبا بريقها الآن.
كان هذا الزواج وحده كفيلًا بأن يتصدّر الصفحات الأولى لكلّ صحف الشوارع شهرًا كاملًا، لما أثاره من اهتمامٍ واسع بين سكّان الإمبراطوريّة.
فما الذي يمنع أن يكون لقاءُ دوقٍ شابّ جميل حقّق كلّ شيء وسيحقّق المزيد، مع آنسةٍ نبيلة رفيعة من أسرة كونتيّةٍ حقّقت كلّ شيء، لقاءً جميلًا؟
لقد أثار اجتماعُهما فضول العامّة بما تحمله عائلتاهما من مكانةٍ وحدها، لكنّ كثيرًا من النبلاء كانوا في الحقيقة أشدّ اهتمامًا بأمرٍ آخر.
وهو الفارقُ الواضح في المكانة بين الرجل والمرأة، وفق معاييرهم النبيلة الصارمة.
كان دير كاسلوت رجلًا لا تكفي كلمة «كامل» لوصفه.
فما دام يجري في عروقه دمُ كاسلوت، لم يكن بوسعه إلّا أن يكون كذلك.
كان جدّ كاسلوت قد قدّم قبل نحو خمسين عامًا رأسَ قائد فرسان المملكة المعادية إلى الإمبراطور في حرب القارّة التي اندلعت بسبب الهيمنة على أراضي الشمال الغربي.
وانتهت الحرب التي استمرّت عشر سنوات من الجمود في غمضة عين، وبانتصارها غدت إمبراطوريّة لافيلسيون أعظم إمبراطوريّة في القارّة كلّها.
وكان كاسلوت في الأصل فرعًا بعيدًا جدًّا من سلالة العائلة الإمبراطوريّة، فمنحه الإمبراطور لقبَ الدوق ومنحه مكافآتٍ طائلة تقديرًا لإنجازه.
ومنذ ذلك الحين توارثت الأسرة اللقب، من الدوق كاسلوت السابق، والد دير كاسلوت، وصولًا إلى دير كاسلوت الحالي.
لقد أسرت أسرة كاسلوت الناس بسهولة بسبب جيناتها الجميلة، فكلّ من يحمل دم كاسلوت كان لا بُدّ أن يولد بشَعرٍ أشقر بلاتينيّ وعيونٍ زرقاء.
شَعرٌ ناعم بلون الزبدة الطازجة، وعيون زمرديّة شفّافة كأنّها تضمّ في أعماقها قدسيّة وجمال بحيرة شاينفيل في الإمبراطوريّة.
وملامحُ منحوتة بعنايةٍ تُبهت أمامها كلّ الأضواء، جعلت اسم «كاسلوت» أشدّ إغواءً وسحرًا.
ولهذا وُلد دير كاسلوت وهو يملك كلّ شيء منذ البداية.
وكانت عيناه الأشدّ صفاءً وبرودةً من عيني أبيه وجدّه حجرَ الأساس لمصيرٍ سيجعله نبيلًا متغطرسًا من كبار النبلاء.
وبالفعل، نشأ على هذا النحو.
كان متكبّرًا حقًّا، وبقدر تكبّره كان بارد الدم.
لم تبتسم شفتا ذلك الوسيم غير الواقعيّ مرّةً واحدة.
ولم يتصرّف جسده الصلب الطويل ذو العضلات الرشيقة باندفاعٍ قطّ.
كان دائمًا هادئًا، كأنّ الزمن يسير من حوله ببطء، لا يعرف العَجَلة أبدًا.
وكانت حركاته الكسلى الحسّاسة لا تخطئ أبدًا.
بدت له الحياة الصاخبة والصراع المحتدم كلّه فراغًا لا ضرورة له.
وكان من يراه يخشاه، ومع ذلك ظلّ دائمًا في بؤرة اهتمام الجميع.
لكنّ هيس راينويد، هذه المرأة الغامضة المجهولة التي صارت فجأة دوقة كاسلوت، كانت على النقيض التامّ من دير.
كانت أسرة راينويد الكونتيّة عريقة جدًّا، لكنّها صارت الآن مجرّد مجدٍ بائد.
وقبل زمنٍ طويل من حرب أراضي الشمال الغربي، حين كانت القارّة بأسرها منشغلة بحروبٍ كبرى بين الدول طمعًا في توحيد الإمبراطوريّة، كانت أسرة راينويد الذراع اليمنى للإمبراطور، وعقل الحرب الذي أدارها بدهاءٍ عظيم.
غير أنّ العصر تغيّر بعد نصرهم المجيد، وهم لم يتغيّروا، فكان ذلك سبب أفولهم.
فالكونت الذي اتّكأ على أمجاد الماضي بدّد ثروةً هائلة بعد الحرب بتوسّعٍ مفرط في الأعمال وبالانغماس في اللهو.
وكانت العائلة الإمبراطوريّة والنبلاء يبدون احترامهم لهم ظاهرًا، لكنّ الاحترام الحقيقيّ كان قد زال.
وهكذا، وبعد عدّة توارثات، أصبح الكونت والكونتيسة الحاليّان يملكان ديونًا طائلة، واسمَ الأسرة ولقبها، وقصرًا هرِمًا مُخزيًا لحاضرهما.
لم يكن الماضي ولا المجد أمرًا يهمّهما.
كان همّهما الأكبر أن يملآ بطونهما اليوم قبل الغد.
وبما أنّهما يحملان لقبَ كونت، لم يعرفا قطّ العمل الشريف، فكانا يجنيان المال بالقمار والمراهنات والربا.
وكان فسادهما وابتذالهما على هذا النحو معروفًا لدى جميع النبلاء دون استثناء.
ولهذا لم يمدّ أحدٌ يدَ العون لهذين الكونتَين الجشعَين الغبيَّين.
وكان الناس يراقبون نهايتهما الحتميّة من بعيد وهم يلوون ألسنتهم أسفًا لا أكثر.
ومع تقدّم العمر أصيب الزوجان بالمرض ولازما الفراش.
ولأنّ المرض أصابهما معًا، سخر الناس قائلين إنّهما زوجان متحابّان على نحوٍ يثير الشفقة.
ولم يكن أحدٌ يرغب في العمل في قصرهما.
ولم يبقَ فيه سوى قلّةٍ ضئيلة من الخادمات الفقيرات جدًّا اللواتي كنّ في أمسّ الحاجة إلى هذا العمل.
لكن لم يكن هناك ما يضمن بقاءهنّ إلى الأبد.
فالقصر العتيق كان مثقلًا برائحة المرض، ودائمًا ما تفوح فيه رطوبةٌ وبرودة، كأنّ المبنى نفسَه قبرٌ كبيرٌ مظلم.
ولعلّ الزوجين خافا أن يضطرّا يومًا إلى تمريض بعضهما بأيديهما، فقرّرا في أحد الأيّام تبنّي طفل.
وكانت تلك الطفلة هي هيس راينويد.
حين جاءت هيس من دار الأيتام إلى بيت الكونت للمرّة الأولى، لم يكن في مظهرها أيّ شيء يدلّ على النُّبل.
فبشرتها، وإن لم تكن سمراء، كانت أغمق قليلًا مقارنةً ببشرة النبلاء البيض الناصعة، وشَعرُها البنيّ المائل إلى الرماديّ، صار منذ تبنّيها وحتّى زواجها الآن أعظم عقدةٍ لديها.
وكانت تشعر، خاصّةً حين تقف أمام زوجها الجميل إلى حدّ لا يُصدَّق، كأنّها صارت مجرّد خادمةٍ له.
كانت ترى نفسها كأنّها دميةٌ خشبيّة مضحكة متيبّسة، ترتدي ثوبًا لا يناسب جسدها، وتتزيّن بزينةٍ لا تليق بها.
لكن على خلاف حكمها القاسي على نفسها، كانت هيس جميلة على نحوٍ موضوعيّ.
غير أنّ شَعرها الرماديّ الباهت الذي لا يرقى إلى معايير النبلاء، وعينيها الرماديّتَين الشائعتَين، جعلاها تظنّ أنّها قبيحة جدًّا.
لم تكن تعرف والديها الحقيقيَّين، لكن يبدو أنّ أحدهما كان أجنبيًّا، إذ كانت هيس تملك ملامح فريدة غامضة تشدّ الأنظار.
رموشٌ طويلة كثيفة، وزوايا فمٍ ترسم قوسًا ليّنًا، يقابلها نظرٌ حادّ متمرّد رشيق، فكانت تلك المفارقة تمنحها سحرًا خاصًّا.
غير أنّ ما عُدَّ عيبًا فيها كان طبعها.
فبرودُ سلوكها وهدوؤه، ونظراتُها الجافّة الخالية من التعبير، كانا يوقعان كثيرين في سوء الفهم.
وكان خَدَمُ القصر يتعاملون معها بأدب، لكنّها لم تبتسم لهم ولو مرّة.
وفيما بعد صار ذلك الطبع سُمًّا لها، إذ جرّ عليها كثيرًا من سوء الفهم، لكنّ إدراكها لذلك احتاج زمنًا طويلًا جدًّا.
في طفولتها المبكرة التي ما زالت تذكرها، لم تكن شخصيّتها على هذا النحو إطلاقًا.
كان في حياتها شيءٌ من الوميض الصغير، وأيّامٌ تمضي في أحلامٍ واهية كذرات ذهبٍ في الرمل.
كان لديها توقّع طفوليّ بأنّ الحياة ستتحسّن قليلًا.
لم تكن تحلم بسعادةٍ ناضجة واعية، لكنّها مع ذلك كانت تؤمن أنّها ستسعد يومًا ما.
ليس الآن، لكن يومًا ما.
حين تكبر قليلًا فقط.
لا بُدّ أنّ ذلك سيحدث.
لا بُدّ.
لكن مع مرور الوقت، ازدادت حياة هيس قسوةً.
كان الفلاسفة يردّدون أنّ كيفيّة العيش مسألة قرار، لكن في عواصف الحياة العاتية لم يكن من السهل ألّا يتألّم المرء.
وكان كلّ ذلك يمسك بهيس بإحكام، ولا يتركها تفلت من قبضته.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 1"