الفصل 48 :
ربّما لأنّ الطعام لم يعد ينزل بسهولة، شعرتُ وكأنّ وزني قد نقص قليلًا.
“هل ستذهبين إلى البرج السِّحري اليوم أيضًا؟”
“……نعم.”
“ستعرّفينني عليه لاحقًا، أليس كذلك؟”
“…….”
وحين التزمتُ الصمت أمام نبرة الصوت المفعمة بتوقّعٍ خفيّ، ابتسمت كلوي ابتسامةً خجولة.
“صحيح أنّ الكتابة مهمّة، لكن كثرة خروجك هكذا تبدو فكرةً جيّدة أيضًا.”
كانت سعيدةً بحقيقة أنّها تستطيع تزييني يوميًّا بشكلٍ رسمي، فجلبت فستان خروجٍ ذا لونٍ مشرق مع أقراطٍ ذهبيّة تناسبه.
كيف انتهى بي الأمر إلى هذا؟
في اليوم التالي مباشرةً بعد لقائي بالساحر إيان، وصلتني رسالة واحدة من البرج السِّحري الرابع، ومنذ ذلك الحين صرتُ أزوره كما لو كنتُ أضع ختم الحضور اليومي.
<نقدّم خالص الشكر والتقدير لآنسة بلاين…… وبمناسبة كونكِ متبرّعةً فخريّة للبرج السِّحري الرابع، نودّ إطلاعكِ على الامتيازات التالية.>
لم أكن أعلم بوجود نظامٍ كهذا أصلًا، لكن بما أنّه جاء بأمرٍ من سيّد البرج على حدّ قول غريس.
‘هل شعروا بالحرج من الاكتفاء بأخذ المال؟’
حصلتُ على تصريح دخولٍ حرّ إلى المساحات المشتركة في البرج، إضافةً إلى حقّ الاطّلاع على بعض الأطروحات البحثيّة.
أطروحات عن المانا، ومواد عن اختلال المانا، ودراسات عن أمراضٍ مستعصية مشابهة.
وكلّما ذهبتُ إلى البرج بنيّة تجربة أيّ شيء، كنتُ دائمًا ألتقي بـ”إيان”.
“حضرتِ مبكّرًا.”
“لأنّ ما لم أتمكّن من قراءته بالأمس، سأقضي عليه تمامًا اليوم.”
“لقد لخّصتُ نحو عشر صفحات، فاطّلعي عليها أوّلًا ثم واصلي بعدها.”
“……شكرًا.”
لماذا يعاملني بلطفٍ هكذا؟
كنتُ أرمش ببطء وأنا أحمل رزمة الأوراق المليئة بالحروف، لكن قبل أن أركّز، كانت كلّ حواسي تتّجه دائمًا نحو الساحر إيان.
‘الاحتمال الأوّل، أنّ سيّد البرج كلّفه بذلك.’
لكن مهما كثرت التبرّعات، لم أستطع فهم هذا القدر من الاهتمام والملازمة اللطيفة.
‘الاحتمال الثاني، أنّه يكُنّ لي مشاعر.’
وبصراحة، كان سلوكه يجعلني في حيرة. يبدو لطيفًا، لكن لا أشعر بأيّ عاطفةٍ واضحة منه.
لا يبادر بالكلام أكثر من اللازم، ونبرته جافّة، ما يجعل هذا الاحتمال الأضعف.
“إيان، ما معنى هذا؟”
على أيّ حال، وجوده أفضل من عدمه، فقد أدّى دور “المترجم” بامتياز، مفسّرًا الأجزاء التي لم أفهمها بلغةٍ سهلة.
بعد أن قضيتُ قرابة خمسة أيّام، أطول من عزيمة ثلاثة أيّام، في قراءة كلّ أنواع الأطروحات، امتلأ رأسي بالمعرفة، لكنّ لحظة “يوريكا” لم تأتِ.
“بهذا المعدّل، سأصبح ساحرةً فعلًا.”
“الساحر لا يُصبح ساحرًا بهذه السهولة.”
ما خرجتُ به خلال تلك الفترة كان علاقتي بإيان فقط. لقد أصبحنا قريبين بما يكفي لتبادل أحاديثٍ خفيفة دون تكلّف.
“نعم، نعم، أنتَ عبقري.”
“…….”
أرخيتُ جسدي على الطاولة، وأدرتُ رأسي إلى الجانب.
كنتُ أفتعل التذمّر معه أحيانًا لتهدئة اضطراب مشاعري، لكنّ ذلك لم يكن يدوم طويلًا.
“لا أشعر أنّ الاستمرار في هذا سيغيّر شيئًا.”
“هل هذا ما ترينه؟”
“لو قلتُ إنّني لن آتي ابتداءً من الغد، ماذا ستفعل؟”
“سأذهب لإنجاز الأعمال المتراكمة.”
نبرته الهادئة كانت مستفزّة.
وبينما ظللتُ على وضعيّة الجمود دوّن فعل شيء، ألقى عليّ نظرةً جانبيّة وهمس بصوتٍ منخفض:
“هل ستكفّين عن القدوم إلى البرج، وتبدئين أخيرًا بفعل ما تجيدينه؟”
“التدحرج على السرير؟”
“……غير ذلك. ألا يوجد شيء آخر؟”
كان سؤاله كأنّه كبح كلماتٍ كثيرة.
وحين لم أجب، خيّم الصمت.
‘ما أجيده فعلًا هو، بلا شكّ، الكتابة.’
بعد أن أنهيتُ المجلّد الثالث من “فرسان السماء”، وتركتُ العمل التجريبي للناشر، لم أفعل شيئًا بعدها.
لم أعد بحاجةٍ لإعطاء التعليمات بالتفصيل، فالجميع صار يعرف ما عليه فعله.
منذ أن بدأتُ كتابة الروايات، لم أهملها إلى هذا الحدّ من قبل.
“يوجد شيءٌ آخر، نعم.”
لم أقل إنّه رواية صراحةً، لكنّ إيان لم يُبدِ فضولًا كبيرًا.
“إذًا، سيكون من الأنفع أن تركّزي عليه.”
أفضل من قراءة الأطروحات يوميًّا.
كان يمكن لكلامه أن يُغضبني، لكن بما أنّني صرتُ أعرف طبعه خلال الأيّام الماضية، أدركتُ أنّه قال ذلك بنيّةٍ صادقة من أجلي.
“شكرًا لأنّك فكّرتَ فيّ.”
وكنتُ وحدي أعلم أنّه، عند سماع كلماتٍ محرجة كهذه، يصمت فجأةً ويبدأ بتقليب الصفحات بالعكس، كأنّه آلةٌ معطّلة.
ابتسمتُ دوّن وعيّ، لكنّ التقدّم ظلّ معدومًا.
‘يبدو أنّه حان وقت التفكير بطريقةٍ أخرى.’
ربّما لأنّه قال افعلي ما تجيدينه، خطرَت الرواية في بالي فجأةً.
بما أنّ العائد المادّي لم يعد ذا فائدة، ولو افترضنا أنّ الهدف هو تعويض نقص الكفاءات.
“……رواية طبيّة؟”
تذكّرتُ تأثير تلك الأعمال التي جعلت مهنة الطبيب تتصدّر طموحات الشباب يومًا ما.
‘ماذا لو كان البطل ساحر حياة بدل طبيب؟’
ألن يزداد عدد السحرة الراغبين في دخول البرج السِّحري الرابع؟
طرقتُ الطاولة بأصابعي بإيقاعٍ ثابت، غارقةً في التفكير.
بطَلٌ ساحر حياة، يدخل البرج الرابع، يواجه الأحداث اليوميّة والقضايا المختلفة، مع خلفيّة نموّ عبقري. يبدو أنّها قد تُنتج عملًا جيّدًا فعلًا.
“لكن هناك شيءٌ ناقص.”
“إن شاركتِني أفكارك، سأضيف رأيي.”
كيف أشرح هذا؟
كان إيان جالسًا بهدوءٍ إلى جانبي، ثم توقّف عمّا يفعل وحدّق بي.
ولأنّه كان يضع القلنسوة دائمًا، فقد التقيتُ بعينيه الصفراوين للمرّة الأولى اليوم.
بهذا الوجه، من الطبيعي أن يُخفيه.
أسندتُ ذقني بيدي اليسرى، وقلتُ له بشكلٍ مبسّط:
“الهدوء ممل، ولا يعجبني.”
“الإنسان بطبعه متقلّب المشاعر. الغضب والحزن…… الإحباط والغيرة. أحيانًا، تكون المشاعر السلبيّة محرّكًا للحياة.”
الحزن إذا طال، تحوّل إلى اكتئاب.
كانت كلماته تصف حالتي بدقّة، فبدأتُ أدوّن المشاعر التي ذكرها في الفراغ على الورقة.
‘بطلٌ غاضب، حزين، يغار، ويُحبط.’
وحينها لاحظتُ أنّ الورقة التي أكتب عليها تتعلّق أصلًا بأبحاث الأمراض المستعصية.
“قرّرتُ.”
“هل هذا كذلك؟”
“بفضلك. ابتداءً من الغد…… لن آتي إلى البرج، لكنّني سأخوض المنافسة بما أجيده.”
“فهمت.”
لم يُبدِ أيّ تشجيع، واكتفى بإجاباتٍ مقتضبة، فبدأ الضيق يتسلّل إليّ.
“سنلتقي بعد أن أنتهي من كلّ شيء.”
“……أنا، تقصدين؟”
“نعم. سأتواصل مع البرج، وإن خرجتَ في مكانٍ ما، أرسل رسالةً إلى منزل بلاين.”
“……حسنًا.”
حتّى إجابته المتأخّرة قليلًا لم تُعجبني.
كانت أوراقي مبعثرةً في فوضى عارمة، بينما كان مكانه المقابل مرتّبًا بدقّةٍ كأنّه قيس بمسطرة.
“اعتنِ بنفسكَ حتّى ذلك الحين.”
“أتمنّى أن تحقّقي ما تصبون إليه.”
لم أخرج فورًا، بل تقدّمتُ خطوةً ورفعتُ يدي لأقذف القلنسوة إلى الخلف.
“……ليس من اللائق ارتداء قبّعة في الداخل وأمام الناس. في المرّة القادمة، اخلعها.”
تألّق شعره الذهبيّ وعيناه تحت الضوء، فشهقتُ دون قصد، ثم قلتُ ما أردتُ قوله واستدرتُ سريعًا.
كنتُ أظنّه ذا شعرٍ بنّي فاتح، لكنّه كان أشقرَ لامعًا.
هربتُ على عجل، ولحسن الحظّ لم ينادِني. وعندما ابتعدتُ تمامًا والتفتُّ للخلف، لم يكن يتبعني بطبيعة الحال.
“……هذا غير معقول.”
تمتمتُ وأنا أستعيد ملامحه الواضحة في ذهني.
‘أن يوجد في الإمبراطوريّة شخصٌ بهذا الشكل.’
كان جماله كافيًا لجعلي أعترف بحدود خيالي الذي استخدمتُه طوال سنوات الكتابة.
ما الذي تفعله صحيفة “غولد تايم” أصلًا؟ فشخصٌ كهذا كان يجب أن يتصدّر العناوين منذ زمن.
“عدتِ مبكّرًا اليوم؟ أوه، آنستي، يبدو أنّ وجهكِ محمرٌّ قليلًا، هل أنتِ مريضة؟”
أليس هذا أمرًا جيّدًا؟
شعرتُ وكأنّني اكتشفتُ مطعمًا رائعًا لا يعرفه سواي، فساورني إحساسٌ غريب بالرضا.
“تعبيراتكِ تتغيّر باستمرار، اذهبي بسرعة إلى ساحر العلاج!”
“……لستُ مريضة. لا بأس، لنعد إلى القصر.”
تجنّبتُ نظرة الشكّ في عيني كلوي.
وحين وضعتُ يدي على خدّي، شعرتُ بحرارةٍ دافئة، فأدركتُ متأخّرةً أنّ الأمر غريب فعلًا.
“لقد وعدتِ أن تخبريني.”
وعندما وصلنا إلى القصر، كانت قد اكتشفت الأمر بالفعل.
التعليقات لهذا الفصل " 48"