الفصل 47 :
السِّحرُ يجعل المستحيلَ ممكنًا.
في هذا العالم يوجد أطبّاء، لكن بما أنّ السِّحر تطوّر بدلًا من العِلم، فقد كانت مكانةُ سحرة العلاج أعلى بكثير.
فحتى عند إجراء عمليّةٍ جراحيّة واحدة، كان الفارق هائلًا بين وجود ساحر علاج من عدمه.
كان المرضى يبدأون أوّلًا بفحص أجسادهم عبر السِّحر، للكشف عمّا إذا كان هناك أيّ خللٍ أو اضطراب.
“اختلالُ المانا، سنقوم نحن السحرة بفحصه مباشرةً، لكن على الأرجح، لن يكون هناك خللٌ جسديّ كبير.
فالأمر ببساطة أنّ الجسد، منذ الولادة، غير قادرٍ على تقبّل المانا…….”
إن كان مرضًا مستعصيًا رغم وجود السِّحر، فلا بدّ أنّ له سببًا.
فتحت غريس فمها بنبرةٍ هادئة، وشرحت بتفصيلٍ أكبر الوضع الحالي المتعلّق بالعلاج داخل البرج السِّحري الرابع.
“عددُ سحرة العلاج كبير، أمّا سحرة الحياة الذين يدرسون الأمراض ويبحثون فيها فهم نادرون جدًا.
وحتى إن أجروا أبحاثًا…… فغالبًا ما يركّزون على كيفية تحسين السِّحر الموجود وجعله أسهل استخدامًا.”
بلغ البرج السِّحري الرابع ذروة ازدهاره قبل مئتي عام.
ومنذ ذلك الحين، ظلّ يعتمد على سحر العلاج والأبحاث التي وُضعت في تلك الفترة ليستمرّ بالكاد، ومن المتوقّع أن يبقى الحال كذلك مستقبلًا.
فبعد انتهاء عصر القوّة والدخول في مرحلة السِّلم، ظلّ الاهتمام موجّهًا إلى سحرة العناصر أو سحرة القتال، بوصفهم أصحاب الكفاءة والمطلوبين دائمًا.
وكان سحرة الحياة، باختصار، تخصّصًا غير محبوب.
“إنّ السِّحر كعلم، مكانٌ تُقدَّم فيه الموهبة على الجهد بشكلٍ صارم.”
وبحسب موقف غريس، فإنّها وبعد الحصول على كمّيّةٍ هائلة من المال، ركّزت على البحث أكثر من أيّ وقتٍ مضى، لكنها لم تتمكّن من الإمساك بأيّ خيط.
“السحرة الموهوبون غالبًا لا يأتون إلى برجنا، بل يذهبون إلى أماكن أخرى. ومهما كثرت العملات الذهبيّة، فالسحرة الأكفّاء يكسبون هذا القدر وأكثر بالفعل.”
كانت تقول بطريقةٍ ملتفّة إنّ المشكلة ليست في قلّة المال، وإنّ زيادته لا تجدي نفعًا يُذكر.
“إذًا، ماذا عليّ أن أفعل؟”
“…….”
كاترينا، التي بدت في أكثر حالاتها خمودًا منذ أن رأتها غريس، كسرت الصمت وتكلّمت مجدّدًا.
“على أيّ حال، سأمضي قدمًا في التبرّع الذي كنتُ أنوي تقديمه اليوم.”
“……حسنًا.”
حتّى وإن لم يُسفر ذلك عن نتيجةٍ ذات معنى.
لم تحاول كاترينا استعادة العملات الذهبيّة، ولم تُبدِ غضبًا.
“تفضّلي.”
“شكرًا لكِ.”
نهضت غريس بعد أن تسلّمت شهادة التبرّع، وانحنت بانحناءةٍ عميقة، لكن كاترينا أعلنت أنّها ستغادر أوّلًا وخرجت من الغرفة وحدها.
وعندما نظرت غريس إلى الورقة متأخّرة، كان المبلغ المكتوب ضخمًا كما في كلّ مرّة، لكن العبارة في الأسفل لم تتغيّر.
‘بحث علاج اختلال المانا’
أطلقت غريس زفرةً عميقة دون أن تشعر، وراحت تراجع كلماتها، متسائلةً إن كانت قد قالت ما لا داعي له.
***
سيكونون على الأرجح في غرفة الانتظار، بانتظاري.
وحين ثقلت خطواتي ولم أعد أستطيع السيطرة على تعابير وجهي، أخفيتُ نفسي في زاويةٍ جانبيّة صادفتها في الطريق.
‘صدري يضيق.’
ما لم أكن أراه من قبل، بدأ يظهر لي الآن بعدما عرفت الحقيقة.
الوجبات المقوّية التي لا تغيب عن طعام كايلو المنعزل.
محاولات أليكسيس، وإن بدت متكلّفة، للإكثار من الحديث.
في الظاهر، لا شيء يبدو خطيرًا، لكن فكرة أنّه قد يسقط مجدّدًا أو يفارق الحياة في أيّ لحظة جعلت قلبي يضطرب بعنف.
“……كنتُ أظنّ أنّ الموت أمرٌ بعيد.”
لكنّه كان يُلقي بظلّه في مكانٍ قريبٍ جدًا.
بل إنّ موت الآخرين من حولي كان أشدّ ألمًا وأقسى من فكرة موتي أنا.
في كلّ مرّة أنظر فيها إلى كايلو بعينٍ قلقة، كانت نظراتنا تتلاقى، وكأنّه يقول لي: “أنا بخير.”
“لو كنتُ ساحرة، لكان الأمر أسهل بكثير.”
وفي اللحظة التي ركلتُ فيها الأرض، غارقةً في شعور العجز، شعرتُ بوجود شخصٍ بجانبي.
“…….”
“……من هناك؟”
كان طويل القامة إلى حدّ أنّني اضطررتُ لإمالة رأسي بالكامل كي أرى وجهه وأنا مستندةٌ إلى الجدار.
ظهر الساحر فجأةً في الرواق، مرتديًا عباءة البرج السِّحري الرابع، وقد أسدل القلنسوة حتّى لم يظهر من وجهه سوى أنفه وفمه.
“……أنا من العاملين في البرج.”
ومع صوته العميق اللطيف، أدركتُ فورًا أنّ الساحر الواقف أمامي وسيمٌ إلى حدٍّ لافت.
لكنّ مزاجي السيّئ أصلًا لم يتحسّن بظهور شخصٍ غريب، بل ازداد حدّةً.
تمنّيتُ لو يختفي من تلقاء نفسه، فقلتُ بنبرةٍ جافّة:
“أنهيتُ كتابة شهادة التبرّع، وكنتُ فقط اثرثر قليلًا.
يمكنك متابعة طريقك.”
وبما أنّني لم أكن أنوي البقاء طويلًا، أردتُ أن أُبعده وأعود إلى غرفة الانتظار، لكنّه قال:
“أيّ نوعٍ من الثرثرة؟ هل يمكنني أن أستمع؟”
رغم أنّني قلتُ له صراحةً أن يذهب، لم يتحرّك خطوةً واحدة، بل رفع رأسه قليلًا.
ملامحُ مثاليّة، كأنّها لا تنتمي إلى هذا العالم.
حين التقت عيناي بعينيه الذهبيّتين المتلألئتين في الظلّ الداكن للعباءة، فقدتُ الكلام للحظة.
“……أه، الأمر أنّه.”
ردّة فعله كانت بعيدةً تمامًا عمّا توقّعت، فلم أستطع صرف نظري عن وجهه، وقلتُ بتلعثم:
“كنتُ فقط أتذمّر من أنّه لو وُلدتُ بموهبةٍ سحريّة، لكان ذلك رائعًا.”
وتجنّبتُ ذكر بقيّة الأمور.
كنتُ أتوقّع كلمات مواساة عابرة.
لكنّه قال بجدّيّة:
“ما يكون طريقًا سهلًا لشخص، قد يكون طريقًا صعبًا لآخر. وحتى إن لم يكن سحرًا، فستجدين بلا شكّ موهبةً أخرى وطريقًا مختلفًا.”
لماذا هو جادّ إلى هذا الحدّ؟
وحين لم أُجب فورًا، خيّم الصمت، وبدأ الرجل يحدّق بي.
مهما كان وسيمًا، فالتحديق بهذه الطريقة مُربك.
حوّلتُ بصري بخجلٍ إلى الأرض، وتمتمتُ بصوتٍ غير واثق:
“بالموهبة التي أملكها، لا أستطيع شفاء مرض. ولهذا جئتُ إلى البرج السِّحري الرابع لأجد طريقة، ورغم أنّ ما سمعته اليوم…….”
كان ذلك إحباطًا مريرًا.
“لكن حتّى لو قالوا إنّ الاحتمالات ضعيفة، فلن أستسلم على الأرجح.”
“لو كان بإمكانكِ المساعدة، ولو بشكلٍ غير مباشر، في شفاء المرض، فهل ستفعلين؟”
“بالطبع.”
“إذًا، ابدئي بالبحث من الآن.”
“……آه.”
هل يسخر منّي؟
كان ردًّا مُحبِطًا إلى درجة أنّ التقاء أعيننا قبل لحظة بدا بلا معنى.
ومع ذلك، تلاشى شيءٌ من كآبتي. فكما قال، لم يعد الأمر يتعلّق بالمال، بل بالبحث عن طريقةٍ أخرى أستطيع من خلالها تقديم العون.
“ما اسمك؟”
“إيان.”
“أنا كاترينا.”
“ألستِ نبيلة؟”
سألني وهو ينظر إلى فستاني بدهشة، فاكتفيتُ بهزّ رأسي.
“لا داعي للتكلّف، عامِلني براحة.”
فأنا لستُ سوى من عائلة بارون، وليست مرتبةً عاليةً أصلًا.
“……حسنًا.”
“سأغادر الآن، فلنلتقِ مرّةً أخرى إن سنحت الفرصة.”
“سأرافقكِ حتّى طريق الخروج.”
مظهره وكلامه جافّان، لكنّ ما يحمله من لطفٍ ليس بالقليل.
لم يكن لديّ سببٌ للرفض، فسرتُ معه.
لم ألاحظ ذلك لانشغالي بوجهه، لكن عندما وقف إلى جانبي شعرتُ بأنّ بنيته الجسديّة ضخمةٌ نسبيًّا. تساءلتُ إن كان سحرة هذه الأيّام يعتنون بأجسادهم أيضًا.
‘وصلنا أسرع مِمّا توقّعت.’
فكّرتُ في بدء حديثٍ آخر، لكن عندما وصلنا إلى باب غرفة الانتظار، ابتلعتُ كلماتي.
“شكرًا على مواساتك.”
“……لا داعي. سأغادر الآن، فأتمنّى أن تعودي بسلام.”
لم أرَ وجهه جيّدًا بسبب انحنائه للتحيّة، لكن بدا عليه الارتباك.
وحين ابتعدت خطواته بسرعة، مِلتُ برأسي قليلًا وأنا أفتح الباب.
“عدتِ، آنستي؟”
ابتسامة كلوي المشرقة، التي أذابت قلبي المتجمّد، والحارس الواقف بصمت، دخلا إلى مجال رؤيتي.
“نعم، هيا بنا.”
“لحظةً واحدة. هنا، الفستان مضغوط قليلًا…….”
وبعد أن دارت بي وعدّلت مظهري بالكامل، تمكّنتُ أخيرًا من مغادرة البرج السِّحري الرابع.
‘ما حصدته اليوم هو…… على الأرجح.’
وخلال مروري بالمصرف وعودتي إلى القصر، لم يفارق ذهني ذلك الوجه الواضح الأثر.
القلق الذي كان يطفو بشأن كايلو كاد أن يظهر، لكن فضولًا آخر كبته.
قيل إنّ عمر سيّد البرج لا يقلّ عن أربعين عامًا، إذًا ليس هو. وسمعتُ أنّ وريث البرج السِّحري الرابع ما زال صغير السنّ.
“هل يمكن أن يكون ذلك إيان؟”
أن يكون شخصٌ بتلك الهيئة غير المألوفة مجرّد ساحرٍ عاديّ، بدا أمرًا غير معقول.
تولّدت في ذهني عدّة افتراضات، لكنّني لم أجرؤ على اللجوء إلى نقابة المعلومات، وكان ذلك آخر ما تبقّى لي من ضمير.
التعليقات لهذا الفصل " 47"