“……لقد تفاجأتِ كثيرًا، أليس كذلك؟ قال السيد كايلو إنه ما إن استعاد وعيّه حتى سأل عنكِ فورًا، لكنه ما زال بحاجةٍ إلى استجماع قواه، لذلك قال إنه سيتمكن من لقائكِ قرابة المساء.”
حين سمعتُ كلمات كلوي الحذرة على غير عادتها، شعرتُ بضيقٍ في صدري، فمسحتُ وجهي بيديّ الجافتين.
عادةً ما كانت معظم أوقات لقائنا أو حديثنا تتم في المساء.
فهل كان حاله الصحي سيئًا على هذا النحو دائمًا في الصباح؟
حاولتُ عبثًا تهدئة اضطراب معدتي، لكن دون جدوى.
ظللتُ شاردةً في الغرفة، ثم في النهاية كان الشخص الذي قصدتُه هو كبير الخدم لا غيره.
ما إن وصلتُ إلى المكتب حتى صرف الآخرين بشكل طبيعي، وبقيتُ معه على انفراد.
“هل والدي، أمي أو كالارد يعرفان بالأمر؟”
“السيدة أُبلغت تلميحًا خفيفًا من قِبل ربّ الأسرة، وعلى الأرجح أن السيد الشاب كالارد، وإن لم يكن يعرف التفاصيل، إلا أنه قد خمّن الأمر بشكلٍ غامض.”
حقيقة أن صحة كايلو ليست على ما يرام.
“ومنذ متى وهو مريض؟”
“المرض… رافقه منذ ولادته. لكن مع تقدّم العمر تفاقمت الأعراض، وبعد أن سلّم منصب ربّ الأسرة، غادر لفترة ليتعافى.”
ثم عاد قبل بضعة أشهر.
بعد أن ظلّ يراسلنا دون أن يُظهر نفسه لما يزيد على عشرين عامًا، عاد وظهر الآن.
كنتُ أعرف سبب قدوم كايلو إلى العاصمة، فعضضتُ على شفتي بقوة.
“وما اسم المرض؟”
“اختلال المانا.”
“وقلتَ إنه لا يوجد علاج؟”
“نعم، من بين جميع طرق العلاج المعروفة حاليًا، لا توجد وسيلةٌ قادرة على علاج اختلال المانا.”
هزّ الخادم رأسه بحزم، وكان الأسى بادٍ على وجهه.
ورغم أنه تقدّم في السن بقدر كايلو تقريبًا، إلا أنه ما زال يتمتع بصحة تخوّله تولي جميع شؤون القصر.
“هذا المساء…… أخبره ألا يُرهق نفسه، حتى لو لم نتناول العشاء معًا.”
“حسنًا. وأنتِ أيضًا، يا آنسة، استريحي براحة.”
أومأتُ برأسي على عجل وغادرتُ المكتب.
ما إن وصلتُ إلى غرفتي بخطواتٍ واسعة حتى أصدرتُ أوامري مباشرةً لكلوي، وتواصلتُ عبر أداة الاتصال مع دانيال أيضًا.
“ابحثِ لي عن ماهية اختلال المانا. يقولون إنه بلا علاج…… وابحثِ أيضًا عن كيفية إيجاد سبيلٍ لذلك.”
ربما لأنني واصلتُ عضّ شفتي منذ قليل، شعرتُ بطعم الدم المالح.
لم يمضِ نصف يوم حتى نقلت دانيال إليّ المعلومات التي حصلت عليها عبر نقابة المعلومات، وبينما كنتُ أتفحّص بضع أوراق لا تتجاوز عددها أصابع اليد، مرّرتُ يدي على مقدّمة شعري.
واحد من كل خمسة آلاف مواطن في الإمبراطورية يُصاب بهذا المرض.
“اختلال المانا”.
هو حالة يعجز فيها الجسد عن استقبال المانا الموجودة في الهواء، ما يؤدي إلى أعراض اختلال.
مرضٌ خلقي، وغالبًا ما ينتهي بالموت، إلا أن مدته تختلف من طفلٍ إلى شيخ.
‘بعبارةٍ أخرى…… لا يُعرف متى يموت.’
قلّبتُ الأوراق بوجهٍ متصلّب، لكن لم يكن فيها أي أملٍّ يُذكر.
وكما قال الخادم، يبدو أنه لا توجد طريقة علاج.
أما عن كيفية إيجاد حل، فقد كُتب ما يلي:
طلب البحث من ساحر حياة.
يُوصى بالتوجّه إلى البرج السحري الرابع.
وكما هو دأب نقابة المعلومات، أضافوا في النهاية هذه العبارة:
للحصول على معلومات إضافية عن البرج السحري الرابع، يُرجى إعادة الطلب.
أطلقتُ ضحكةً جافة، ثم فعّلتُ أداة الاتصال وأصدرتُ أمرًا آخر لدانيال.
“قدّمِ طلبًا من الدرجة العليا إلى نقابة المعلومات للحصول على معلومات عن البرج السحري الرابع أيضًا.”
كانوا خبراء حقيقيين في معرفة كيف يبيعون معلوماتهم بأفضل طريقة ممكنة.
***
“هل تشعر بأنكَ بخير؟”
“كما ترين، أنا بخير. لا داعي للقلق، تناولي طعامكِ وحسب. آه، هل اكتمل الجزء الثالث من فرسان السماء؟”
“……نعم، بعد الانتهاء من الطعام سأطلب من كلوي إحضاره.”
كايلو الذي التقيتُه وقت العشاء بدا شاحب الوجه قليلًا، لكنه لم يسعل بعد ذلك.
يُقال إن من لا يستطيع جسده استقبال المانا يشعر، مع كل نَفَس، وكأنه يستنشق حبيبات الرمل إلى رئتيه.
وعندما رأيته يأكل أفضل من الأمس، اضطرب قلبي دون سبب، فلم أعد أتناول طعامي إلا على مضض.
“قلتُ لكِ إنني بخير.”
“نعم.”
“قلتُ بخير.”
“……حسنًا.”
كل ما عليكِ هو أن تأكلي، أليس كذلك؟
وبضغطٍ من نظرات كايلو، دفعتُ اللحم إلى فمي على مضض.
سأحرص على تناول دواء الهضم حالما أعود إلى الغرفة.
سادت على المائدة أجواءٌ متكلّفة، ولم يكن الحديث المتبادل سوى بضع كلمات تتعلق بالصحة.
كنتُ منشغلةً بمراقبة كايلو إلى حد أنني لم أعد أتذكر ما الذي كنا نتحدث عنه أصلًا، وكلما تلاقت أعيننا، كان هو من يصرف نظره أولًا دون كلمة.
“ها هي، اقرأها مرةً…… وما زال بالإمكان تعديلها، فإذا خطرت لك أي ملاحظة فأخبرني في أي وقت.”
“شكرًا لكِ. لا تعلمين كم كنتُ أنتظر هذا.”
ارتسمت ابتسامةٌ مشرقة على وجهه وهو يأخذ رزمة الأوراق، ليست كتابًا بعد، بل مسودة خام.
شعرتُ بالخجل فأدرتُ رأسي جانبًا، واتخذتُ من قراءة الكتاب ذريعة لأفترق عنه باكرًا.
‘ربما سيُنهي قراءتها في يومٍ واحد.’
كنتُ قد أوصيته بالفعل ألا يسهر ليلًا بسبب حالته الصحية.
ومع ذلك، توقعتُ أنه ما إن يبدأ بالقراءة حتى لا يتوقف، وأنه بعد يوم، أو في اليوم الذي يليه، سيخبرني بانطباعه. لكن…
“أين والدي؟”
“تناول دواءه وهو نائم الآن.”
“آه…… حسنًا.”
مرّ يوم، ثم يومان، وحتى عندما صعد جميع أفراد العائلة إلى الإقطاعية، لم يظهر كايلو.
‘كان يحدث أحيانًا في السابق أن يختفي هكذا.’
لكن حينها لم أكن أعلم أنه مريض.
“لماذا تبدين مكتئبة هكذا؟ هل هناك ما يجري؟”
سألني كالارد، الذي لاحظ حالتي كما لو كان شبحًا، لكنني هززتُ رأسي نفيًا.
سيعرف لاحقًا.
فمشاركة هذا الشعور لن تحسّن شيئًا، بل ستجعل عدد المكتئبين اثنين لا أكثر.
بعد أن حصلتُ على معلومات عن البرج السحري الرابع من نقابة المعلومات وقرأتها، أبلغتُ العائلة العائدة فورًا بعزمي على الخروج.
وعلى غير المتوقع، لم يمنعني أحد، بل سمحوا لي بالذهاب بسهولة.
“لا بد أنكِ بقيتِ في القصر طوال الوقت لغيابنا، فاخرجي هذه المرة. مرّي على المشغل أو الورشة واشترِ ما يعجبكِ…… لديكِ الكثير من المال، أليس كذلك؟”
أمام كلمات مارسيلّا المليئة بالمعنى، لم أستطع أن أقول لا، فانطلقتُ نحو البرج السحري الرابع برفقة كلوي والحرس.
لا بصفتي كارما، بل بصفتي الابنة الثانية لعائلة بلاين، كاترينا بلاين.
تركتُ الاثنين في غرفة الانتظار، وتبعتُ المرشد إلى مكانٍ كان فيه ساحر يرتدي رداءً.
وجهٌ يبدو فتيًا بشكلٍ واضح.
بعد تبادل تحياتٍ عادية، نظر الساحر إليّ وسأل:
“ما السبب الذي دفعكِ لزيارة البرج السحري الرابع؟”
هل هذا الساحر معالج، أم ساحر حياة؟ وبينما راودتني هذه الفكرة، رمشتُ بعيني وفتحتُ فمي بصوتٍ هادئ.
“أرغب في التبرّع دعمًا لأبحاث سحر الحياة.”
“آه…… في هذه الحالة، يرجى تعبئة هذا هنا.”
وبإشارةٍ صغيرة من يد الساحر، وُضعت أمامي ورقة وقلم.
دون طرح أي أسئلة أخرى، ظلّ يراقبني بصمت، فأنزلتُ رأسي بدوري وتفحّصتُ الورقة.
معلومات شخصية بسيطة، ومبلغ التبرّع.
وفي النهاية، كُتبت كلمة: “الأمل”.
“كما تعلمين، برجنا لا يتلقى دعمًا مباشرًا. نحن نقبل التبرعات، ويمكنكِ كتابة ما تأملين أن تُستخدم فيه بجانب كلمة ‘الأمل’، وسنأخذه بعين الاعتبار، لكن القرار النهائي يعود للبرج.”
تحدّث الساحر بنبرةٍ آلية وهو يحدّق بي.
بدا وكأنه يريدني أن أكتب بسرعة وأغادر، ولم أكن أنا أيضًا أنوي المماطلة.
بدأتُ أدوّن بندًا بندًا، وفي السطر الأخير كتبتُ: ‘أبحاث علاج اختلال المانا’.
“انتهيت.”
ساحر الحياة، الذي يركّز على أبحاث الحياة.
وساحر العلاج، الذي يكرّس نشاطه للعلاج.
البرج السحري الرابع لا يعرف سوى هذين المسارين، وهو مكانٌ فريد لا يشبه أي برجٍ آخر.
“إن لم تُحوَّل قيمة التبرّع إلى خزينة البرج عبر البنك خلال ثلاثة أيام، فستُفرض عقوبةً بسيطة…….”
كنتُ أستمع إلى الشرح بصمت، لكن الساحر الذي أنزل بصره ليتفحّص الورقة توقّف فجأة عن الكلام.
كنتُ أعرف تمامًا سبب ردّة فعله، ومع ذلك حافظتُ عمدًا على هدوء ملامحي.
“يبدو أنكِ أخطأتِ في كتابة عدد العملات الذهبية، هل أعيد الورقة؟”
“لا، المبلغ الذي تراه صحيح.”
حتى لو كانت حرية استخدام مبلغ التبرّع تعود للبرج السحري الرابع.
فالضغط الوحيد الذي أستطيع ممارسته عليهم هو هذا.
‘إن لم تحصلوا على ما تريدون، فتأكدوا أولًا إن كان المال غير كافٍ.’
التعليقات لهذا الفصل " 45"