حين نطقتُ أخيرًا بخططي الّتي كنتُ أحتفظ بها في قلبي وحدي، أخذ قلبي يخفق بسرعةٍ كاد ينفجر، وفي الوقت ذاته نلتُ أعظم يقين.
“اختياري سيكون حياتي. لذلك، سأُحاول جاهدَةً أن أتغلّب على أيّ مِحنةٍ أو صعوبة تأتي. على الأقل لديّ الثّقة أنّني سأعملُ بإخلاص.”
والد روز نفسه لم يصبح بارونًا إلّا لأنّه كسب كثيرًا من المال عبر التجارة.
وبما أنّها تملكُ موهبةً تجاريّة، كان لديها عينٌ قادرة على قراءة السّوق بسهولة. صحيح أنّها لا تستطيع أن تُنشِئ قافلة تجاريّة منذ البداية، لكن هدفها النّهائي كان تأسيس قافلة تحمل اسمها الخاص.
“…… جيّد.”
هكذا استمع لويس إلى خطّة روز العظيمة وأحلامها بالهرب، وذلك في الحديقة.
بالطّبع كان يعلم أنّ نجاح فتاةٍ نبيلةٍ صغيرة، لا، فتاةٍ يافعة وحدها، أمرٌ شبه مستحيل.
لكن مع ذلك لم يستطع أن ينطق بكلمة “مستحيل”.
لأنّ عينيها، الّلتين تألّقتا ببريقٍ خلف القناع وهي تتحدّث عن حلمها، قد جذبتاه.
حلمٌ قد لا يتحقّق أبدًا، ومع ذلك كان لديها قُدرة على جذب الآخرين إليها.
“وماذا عنكَ أنت؟”
“أنا؟”
“أنتَ نبيل، أليس لديك شيءٌ تُريد فعله؟ أُلاحظ أنّكَ تستطيع فعل كلّ ما تُريد.”
عندما سألته روز، وهي تُحدّق به بوضوح من الأعلى إلى الأسفل، شبكَ ذراعَيه وأجاب:
“على عكْسِكِ، أنا أستطيع أن أفعل أيَّ شيءٍ متى شئت.”
لكن روز، الّتي لم تتراجع أمام تكبّره، اقتربت منه خطوةً أخرى وسألته:
“إذن ماذا تُريد أن تفعل؟”
كانت تُريد أن تسمع ما يرغب به الآخرون لتستلهم منه. لكنّ المفارقة أنّ فمه لم ينطق بشيء.
‘ما الّذي أُريد فعله؟’
بصفته الأمير الثّاني للإمبراطوريّة، كان قادرًا على تحقيق ما قالته روز في يومٍ واحد.
لكن حين حاول أن يقول ما يشتهي فعله، لم يخطر بباله شيء.
لم يكُن هناك أيُّ شيءٍ يُريد فعله.
“…… لا شيء.”
قال لويس بصوتٍ مُنخفِضٍ ثقيل، لكن روز لم تُفوّت ذلك.
“صحيح؟ إذن تبدأ بالبحث من الآن.”
ثمّ شجّعته بصوتٍ مُشرق بدل أن تُهمله.
“حسنًا، ليس بالضّرورة أن تهرُب مثلما أفعل، لكن هناك أشياء كثيرة يُمكنك فعلها. مثلًا: ألّا تتناول الطّعام طوال اليوم وتأكل فقط حلوى؟”
“لا أظنّ أنّني أستطيع فعل ذلك.”
فلويس كان يتناول طعامه بعد تدقيقٍ شديد في كلّ ما يُقدَّم له، فلا يأكل إلّا ما اجتاز ذوقه وانتقاؤه.
إن ترك وجباته ليومٍ كامل، فسوف يُهرَع الطّبيب الملكيّ بلا شك.
“إذن، ألا ترغب في تربية حيوانٍ أو حتّى حشرة، رغم معارضة الآخرين؟”
وبمُجرّد سماع كلمة “حيوان”، خطر ببال لويس صقرٌ صغيرٌ كان قد تلقّاه هديّةً من والده عندما كان صغيرًا جدًّا.
لقد كان يزوره يوميًّا ويُمضي معه الوقت، لكنّ الصقر قُتِل على يد الأمير الأوّل “عن طريق الخطأ” قبل أن يكبر.
ومنذ تلك الحادثة، انزوى في غرفته، وتلقّى انتقاداتٍ سيّئة من مُعلّميه وكلّ مَن حوله.
فأقسم ألّا يصنع شيئًا ثمينًا بعد ذلك.
“إذا مات؟”
“هاه؟”
“إذا مات، ماذا ستفعلين؟ أتعلمين أنّ تحمّل مسؤوليّة حياةٍ ليس أمرًا سهلًا؟ لا أُريد أن أختبر تجربة فقدان شيءٍ عزيز مرّة أخرى…… ها.”
‘ماذا كنتُ سأقول؟’
بينما كان يلوم نفسه لإفشائه بما في قلبه، اقتربت روز فجأةً.
“الإنسان مسؤول أصلًا عن كلّ ما يقوله أو يفعله.”
صوتها، الّذي لم يرتجف لحظة وهي تقول هذا، دغدغ أُذنه.
“أن تتجنّب امتلاك شيءٍ ثمين خوفًا من فقدانه، هذا مُؤسف جدًّا. أنت قلتَ إنّك تفعل ما تُريد، أليس كذلك؟ الجبان وحده مَن لا يستطيع. فلتبدأ من أشياء صغيرة كهذه.”
‘قريبةٌ جدًّا!’
لمّا أدرك أنّ وجهها أصبح قُربه جدًّا، أدار بصره مرتبكًا.
“لماذا تُدير وجهك؟”
“…… ابتعدي.”
“هاه؟”
“قلتُ ابتعدي.”
لكن قبل أن تتراجع روز، كان لويس نفسه قد تراجع بخطواتٍ إلى الوراء.
لكن وجهها الصّافي ظلّ واضحًا أمام عينيه، نصفه مُغطّى بالقناع، والابتسامة المُشرقة تعلوه.
“…… أُعجبني.”
“ماذا أعجبك؟”
ذلك الميل برأسها ببراءةٍ جعلها أكثر إثارة.
عندها قرّر لويس، كما نصحته، أن يفعل ما يشاء.
“أُعجبتُ بكِ كثيرًا.”
فهو الأمير الثّاني الّذي لا يهدأ إلّا إذا امتلك ما يُريد.
ورأى ارتباك روز وعجزها عن الرّدّ، فاكتفى بابتسامةٍ راضية.
“هل أنتَ تُلاعبني الآن؟”
أعادَت روز جُملته الأولى إليه، لكن من المؤسف أنّها لم تُؤثّر فيه.
“لا أُلاعبك.”
بصراحةٍ مُقابلة لصراحتها.
وأدرك لويس أنّ هذه الفتاة تتلعثم عند الصّراحة، كما أدرك أيضًا أنّ هناك عيونًا كثيرةً تُراقبهما.
التعليقات لهذا الفصل " 39"