خيم سكون الموت على ردهات قصر عائلة “ماير” في تلك الليلة.
ولم يكن سكوناً عادياً، بل كان صمتاً مشحوناً بالترقب والذعر.
كانت الثريات الكريستالية المتدلية من السقف.
تبدو وكأنها تفقد بريقها أمام شحوب الوجوه في القاعة الكبرى.
كانت السيدة ماير تجلس على طرف مقعدها المخملي، ومروحتها اليدوية تسقط من يدها المرتعشة مراراً.
لم تعد تلك المرأة المتغطرسة التي تملي الأوامر؛ بل كانت جسداً يرتجف
وعقلها يغلي بمحاولات يائسة لإيجاد مخرج لتلك الصفعة التي باتت تطاردها ككابوس.
كانت تهمس لنفسها بكلمات غير مفهومة:
“كيف لي أن أعرف ؟ كانت مجرد لقيطة.. خادمة تعلق الغسيل.. كيف تحولت إلى الأميرة ريشيليا فالدوريا ؟”
أما أريانا ، فكانت تقف خلف ستارة الشرفة، متمسكة بالقماش كأنها تخشى السقوط.
كانت في حالة صدمة شلت لسانها؛ فصورة ريشيليا بالتاج الإمبراطوري في الجريدة الملقاة أرضاً.
جعلت كل ذكريات تنمرها عليها في المدرسة تبدو كحكم إعدام مؤجل.
قطع هذا الجو المشحون وقع أقدام ثقيلة وحازمة.
دخل السيد ماير القاعة بوقاره المعهود.
يرافقه جوليان الذي كان يقرأ ملامح الرعب في وجه أمه وأخته بذكائه المعتاد.
توقف السيد ماير في منتصف القاعة، ونظر إلى زوجته المنهارة وابنته الصامتة.
ثم قال بصرامة:
“ما بال هذا القصر يبدو كأنه مجلس عزاء ؟ ولماذا ترتجفان هكذا وكأنكما رأيتما شبحاً ؟”
حاولت السيدة ماير الكلام، لكن صوتها خرج متقطعاً.
فأشارت بيدٍ واهنة نحو الجريدة.
التقطها السيد ماير، قرأ العنوان سريعاً، ثم نظر إليها بعدم فهم:
“إنه خبر زواج ولي العهد بـأميرة فالدوريا.. ما علاقتكما بهذا الأمر لدرجة الانهيار؟”
ابتلعت السيدة ماير ريقها، وقالت بصوت يملؤه الرعب:
“بلير.. تلك الأميرة. التي تقف بجانب زوجة ولي العهد .. هي نفسها ‘ريشي’.. الفتاة التي كانت في الملحق.. التي كان الحداد راين تبناها يوما ً..”
توقف السيد ماير للحظة ، لكن زوجته لم تتوقف.
اندفعت في الكلام وهي تحاول تبرير فعلتها:
“لقد ظننتُ أنها تغوي جوليان.. كانت مجرد خادمة مجهولة ! ذهبتُ للملحق لأبعدها عنه.. وقع شجار.. وأنا.. أنا لم أقصد.. لقد صفعتُها مرة واحدة فقط! حاولتُ تأديبها لأنها لم تعرف مقامها.. كيف لي أن أعرف أنها دماء ملكية؟”
تحول وجه السيد ماير إلى اللون الأحمر القاني.
وجحظت عيناه من شدة الصدمة.
أدرك في ثانية واحدة أن تاريخ عائلته ، ثروته ، ومكانته التجارية والسياسية.
باتت في مهب الريح بسبب جهل زوجته.
صرخ ب زئيرٍ هز الجدران:
“صفعتِها ؟ مددتِ يدكِ القذرة على وجه أميرة إمبراطورية ؟ يا لكِ من حمقاء ! لقد جلبتم الخراب لاسم ماير!”
وفقد أعصابه تماماً، فرفع يده الضخمة ليرد لها الصفعة ب غلٍّ شديد.
لكن قبل أن تلمس يده وجه زوجته، انزلق جوليان بينهما كالسهم، وأمسك بمعصم والده بقوةٍ أذهلت الجميع.
قال جوليان بنبرة حادة ، وصوته يرتجف من الغضب المكبوت:
“توقف يا أبي ! العنف الآن لن يمسح أثر أصابع أمي عن وجه الأميرة ، ولن يحمينا من حبال المشنقة. صفعة أخرى لن تصلح ما انكسر!”
أنزل السيد ماير يده ب ثقل وهو ينهج ، ونظر إلى زوجته ب اشمئزازٍ مرير:
“لقد دمرتمونا.. الإمبراطور سيمحو وجودنا بكلمة واحدة منها. هل تدركان أنكما مجرمتان في نظر القانون بتهمة إهانة الذات الملكية ؟”
مسح السيد ماير العرق عن جبينه ، ثم قال ب حزمٍ لا يقبل النقاش:
“انهضا الآن ! اجمعي شتات نفسكِ يا امرأة، وأنتِ يا أريانا.. سنذهب غداً ! لن ننتظر حتى تأتي العربات العسكرية ل تجرنا من شعورنا أمام العامة.”
سألت أريانا وهي تبكي:
“إلى أين يا أبي ؟”
رد ب مرارة:
“إلى الملحق ! سنزحف تحت قدمي الأميرة قبل أن يبلغ الخبر مسامع الإمبراطور. ستعتذران لها.. ستنحنيان وتطلبان العفو عما اقترفت يداكما قبل أن تطالب هي باتخاذ الإجراءات القانونية ضدكما.. وإلا تركتكما لمصيركما وتبرأتُ منكما !”
انصرف السيد ماير من القاعة بخطوات ثقيلة.
تاركاً خلفه زوجته وابنته في حالة من الانهيار الصامت.
لم تذق السيدة ماير طعم النوم ؛ كانت تجلس أمام مرآتها تراقب يدها التي صفعت بها ريشيليا.
وكأنها ترى فيها حبل مشنقة يلتف حول عنق عائلتها.
أما أريانا ، فقد انزوت في غرفتها، تتذكر كل كلمة سخرية وكل نظرة تعالٍ وجهتها لريشي يوماً.
مدركة أن شمس الصباح لن تحمل لها سوى الذل الذي أذاقته لغيرها.
بزغت شمس الصباح بهدوء فوق “ملحق دوقية أريندور”.
كان راين أول من استيقظ ، وعندما فتح الباب الخشبي ليستقبل نسيم الصباح.
تجمد في مكانه من شدة المفاجأة.
أمام الباب ، كانت تقف عربة عائلة “ماير” الفاخرة.
و خلفها السيد ماير وزوجته وابنته بملابسهم الرسمية القاتمة.
لم يعهد راين رؤيتهم هنا أبداً.
ولا بهذه الهيئة المنكسرة.
خرجت مارتا على صوت حركة الباب.
و عندما رأت السيدة ماير، ارتبكت وتراجعت خطوة للخلف.
نظرت إليها السيدة ماير نظرة غامضة ، ممزوجة بالخجل والرهبة
نظرة لم تستطع مارتا فهمها أو تفسيرها في تلك اللحظة.
أشار إليهم راين بوقاره المعهود لدخول غرفة الاستقبال ، وهي غرفة واسعة ومرتبة بلمسات دافئة.
جلس الجميع في صمتٍ ثقيل ، حتى قطعه السيد ماير بنبرة خفيضة موجهة لراين:
“نعتذر على هذا الاقتحام المبكر يا سيد راين.. لكننا جئنا نرجو مقابلة ، سمو الأميرة . الأمر لا يحتمل التأجيل.”
ذهبت مارتا بخطوات مرتبكة لتخبر ابنتها بمن جاء.
وفي غرفتها ، استعدت ريشيليا بهدوء.
لم تختر فستاناً ملكياً ضخماً، بل ارتدت فستاناً حريرياً بلون السماء
بسيطاً في تصميمه لكنه يفيض بالرقي.
صففت شعرها الذهبي وتركت خصلاته تنسدل على كتفيها دون وضع التاج.
واكتفت بقلادة ذهبية رقيقة حول عنقها.
لم تكن بحاجة للمجوهرات لتثبت من هي ؛ فهيبتها كانت تنبع من داخلها.
عندما فُتح الباب ودخلت ريشيليا، وقف الجميع فجأة وكأن صاعقة أصابتهم.
كانت السيدة ماير وأريانا ترتجفان، بينما خلع السيد ماير قبعته و حياها بأدب.
وهو يشعر ب ثقل الهواء في صدره.
قالت ريشيليا بنبرة هادئة ورزينة وهي تجلس في صدر الغرفة:
“سيد ماير.. تفضل بالجلوس. ما الذي أتى بعائلتكم الموقرة إلى الملحق في هذا الصباح الباكر؟”
بدأت السيدة ماير بالتوسل ، وصوتها يرتجف بالدموع:
“سمو الأميرة.. جئتُ أضع روحي بين يديكِ. تلك الصفعة.. ذلك اليوم المشؤوم.. لم يكن إلا جهلاً مني وعمىً في البصيرة. أرجوكِ، لا تحاسبي عائلتي بجريرة فعلي، ولا تطلبي من الإمبراطور محو وجودنا بسبب غبائي.”
لحقتها أريانا وهي تنكس رأسها خجلاً:
“لقد أخطأتُ في حقكِ طويلاً يا سمو الأميرة .. لم أكن أرى سوى منافستكِ لي، والآن أدرك أنني لم أكن أصل حتى لظلكِ.”
نظرت ريشيليا إليهم ب صمتٍ طويل، لم يكن صمت غضب، بل صمت من ترفع عن الصغائر.
ثم قالت ب صوتٍ نقي:
“سيد ماير، قديماً كنتُ أظن أن المكانة تُصنع بالألقاب، لكنني تعلمت أن الكرامة لا تُهان إلا إذا سمح صاحبها بذلك. صفعتكِ يا سيدة ماير آلمتني يوماً، لكنها لم تكسرني.. بل جعلتني أدرك الفرق بين من يملك السلطة و بين من يملك الأخلاق.”
تابعت وهي تنظر للسيد ماير ب تقدير:
“لا تخف على عائلتك. ريشيليا فالدوريا لا تنتقم ، حتى وإن قسوا عليها. لقد عفوتُ عنكم ليس لأنكم تطلبون ذلك، بل لأن أخلاقي لا تسمح لي بأن أرد الإساءة بمثلها.”
في تلك اللحظة ، شعر السيد ماير ب احتقارٍ شديد لنفسه ولعائلته.
نبل ريشيليا كان أقسى عليهم من أي حكم بالسجن.
لقد جعلهم يشعرون ب ضآلة حجمهم أمام عظمة روحها.
أغمض السيد ماير عينيه ب مرارة، وهمس بصوتٍ مكسور:
“شكراً ل كرمكِ الذي لا نستحقه يا سمو الأميرة.. لقد أعطيتِنا درساً في النبل لن ننساه ما حيينا.”
التعليقات لهذا الفصل " 44"