كانت ريشيليا تقضي معظم وقتها بجانب ابنة عمها، تساعدها في اختيار التفاصيل الصغيرة وتدقق في جودة الأقمشة والمجوهرات.
قالت سيرافينيا وهي تنظر لآخر اللمسات على ثوب سفرها:
“لا أعلم كيف كنت سأجتاز هذه الأيام دونكِ يا ريشي. هدوؤكِ يمنحني القوة وسط هذا الضجيج.”
أجابتها ريشيليا بنبرة هادئة ومطمئنة:
“هذا يومكِ يا سيرا ، وكل هذا الصخب هو من أجلكِ فقط. كوني واثقة، فأنتِ تمثلين عراقة فالدوريا.”
على الجانب الآخر، وفي قلب إمبراطورية “سولاريس”، كان القصر الملكي قد أتم استعداده بالكامل.
نُظفت الساحات الكبرى ، وعُلقت الأعلام الرسمية على الشرفات العالية.
كانت التعليمات الإمبراطورية صارمة بضرورة إظهار أقصى درجات الحفاوة لسيرافينيا بصفتها العروس وولي العهد “كاي”.
حين تحرك الموكب الملكي ، كان المشهد منظماً ومهيباً.
تقدمت العربة الرئيسية التي تحمل سيرافينيا، تليها عربات الوفد المرافق والحرس.
وعند وصولهم إلى حدود “سولاريس”، كان الاستقبال رسمياً بامتياز.
اصطف حرس الحدود لتحية العروس ، وبدأت ملامح المدينة تتغير لتصبح أكثر صخباً وترحيباً.
دخلت العربات ساحة القصر الإمبراطوري وسط ترقب النبلاء والمسؤولين.
ترجل ولي العهد “كاي” بهيبته المعتادة ، وتقدم نحو عربة سيرافينيا ليساعدها على النزول أمام الجميع، معلناً بداية المراسم الرسمية.
في هذه الأثناء ، نزلت ريشيليا من عربتها بهدوء بعيداً عن صخب والترحيب الشعبي.
وقفت في صفوف الوفد المرافق، تراقب بدقة تفاصيل المكان.
كانت عيناها تتحركان بين الوجوه الرسمية ببحث صامت..
مدركةً أن وجودها هنا كـ “أميرة” يفرض عليها كبرياءً معيناً.
حتى وهي تبحث بين الحضور عن ذلك الوجه الذي لم يفارق خيالها منذ رحيلها.
داخل قاعة العرش الإمبراطورية كان الصمت سيد الموقف.
والبروتوكول يحكم كل حركة.
اعتلى الإمبراطور وزوجته منصة الحكم ، بينما وقف كبار النبلاء في صفوف منتظمة.
يتقدمهم الدوق أريندور و زوجته الدوقة إيزابيل، وبجانبهما كان أريوس و خطيبته سيسيليا.
التي كانت ترتدي أفخر ما لديها لتثبت مكانتها ككنة مستقبلية لدوقية أريندور العريقة.
فُتحت الأبواب الكبرى ، وتقدم ولي العهد كاي وبجانبه العروس سيرافينيا.
خلفهما مباشرة ، سار الدوق الأكبر وزوجته، وبينهما كانت تقف ريشيليا.
كانت ريشيليا ترتدي ثوباً فيكتورياً من الحرير الثقيل بلون العاج المطرز بخيوط الذهب.
يبرز قامتها الممشوقة وهيبتها الفطرية.
لكن ما خطف الأنفاس حقاً هو بريق عينيها الزمرديتين، اللتين كانتا تشعان بحدة وكبرياء.
بدأت المراسيم بتبادل التحايا الرسمية بين الإمبراطور والدوق الأكبر.
بارك الإمبراطور انضمام سيرافينيا للعائلة المالكة.
ثم ساد صمت قصير قبل أن يوجه الإمبراطور نظره نحو ريشيليا ، وقال بصوت جهوري:
“واليوم ، تكتمل فرحة إمبراطورية ‘سولاريس’ بعودة الأميرة الإمبراطورية ريشيليا فالدوريا ، التي استعادت مكانتها كابنة لعرش ‘فالدوريا’ المجاور. إن عودتها ليست مجرد لقاء عائلي، بل هي فخر للجميع مرحبا بكِ في امبراطوريتنا.”
في تلك اللحظة ، وقعت الكلمات كالصاعقة على الحضور.
تسمرت الدوقة إيزابيل في مكانها؛ شحب وجهها وتلاشت غطرستها.
وهي تتذكر كيف وبخت هذه الفتاة يوماً وطردتها بتهمة “التجاوز”.
أما النبيلات اللاتي كن يسخرن من “خادمة الملحق” ويستهزئن بملابسها البسيطة.
فقد انخفضت رؤوسهن فجأة، وشعرن بإحراج خانق.
وهن يدركن أن من سخرن منها هي الآن الأعلى مقاماً في هذه القاعة.
وأنهن ملزمات بإظهار أقصى أنواع الإحترام لها وفقاً للقانون الإمبراطوري.
أما آريوس ، فقد كان المشهد بالنسبة له يفوق قدرته على التصديق.
تجمدت ملامحه الرخامية وهو ينظر إلى ريشيليا؛ الفتاة التي قلب الإمبراطورية بحثاً عنها.
والتي ظن أنها ضاعت في غياهب النسيان، تقف الآن أمامه كأميرة لإمبراطورية “فالدوريا”.
رأى في عينيها الزمرديتين برودة لم يعرفها فيها من قبل.
برودة تليق بمقامها الجديد وتضع حداً لكل ذكريات الماضي.
كان يراقبها بذهول صامت ، مدركاً أن المسافة بينهما لم تعد مجرد جدران قصر.
بل هي حدود دول وتيجان ملكية .
سيسيليا ، التي كانت تقف بجانبه، شعرت بانهيار عالمها الصغير.
نظرت إلى ريشيليا وهي تبادل الإمبراطور الابتسامة الرسمية.
وأدركت أن لقب “خطيبة الدوق” لا يساوي شيئاً أمام مقام “الأميرة الإمبراطورية”.
كانت الصدمة جماعية..
و الوجوم خيّم على كل من تجرأ يوماً على إهانة الفتاة التي تقف الآن في قلب السلطة والجاه.
التعليقات لهذا الفصل " 35"