كان الجو داخل الجناح الخاص بولي العهد كاي هادئاً ، بعيداً عن صخب البلاط وبروتوكولاته.
جلس كاي مسترخياً على أريكته الفاخرة ، بينما كان ابن عمته آريوس يجلس قبالته.
يحدق في الفراغ بنظراتٍ خاوية ، وكأن جسده هنا وروحه في مكانٍ آخر تماماً.
قال كاي محاولاً فتح حديث:
“سأغادر غداً إلى إمبراطورية فالدوريا يا آريوس . لقد حُسم الأمر أخيراً، سأذهب لتحديد موعد الزفاف النهائي. لا أخفيك ، بعد كل تلك السنوات من الانتظار، لم أعد أطيق صبراً لرؤية سيرافينيا.”
أومأ آريوس برأسه بآلية ، ودون أن يلتفت إليه رد بصوتٍ خافت:
“رحلة سعيدة يا كاي . أتمنى أن ينتهي هذا الأمر كما خططت له.”
تابع كاي بحماس وهو يراقب رد فعل صديقه:
“ألا تريد المجيء معي ؟ لقد وصلتنا أخبار أن القصر هناك في حالة احتفال كبرى بسبب عودة ‘الأميرة المفقودة’. الجميع يتحدث عن المعجزة التي حدثت، وسيكون الحفل أسطورياً. تعال معي، قد يغير هذا الجو مزاجك السيئ.”
رد آريوس ببرودٍ شديد ، وكأن الأمر لا يعنيه من قريب أو بعيد:
“لا يهمني أمر الاحتفالات ، ولا يهمني من عاد ومن ذهب يا كاي . فالدوريا وأميراتها آخر ما قد يشغل بالي الآن. لديّ أعمال في إقطاعيتي تفوق هذه الرحلات أهمية.”
تنهد كاي بأسى ، فقد كان يدرك أن آريوس ليس “مشغولاً بالأعمال” كما يدعي ، بل هو غارق في البحث عن خيطٍ يوصله لتلك الخادمة التي قلبت كيانه.
قال كايل متسائلاً بجدية:
“آريوس.. إلى متى ستظل تطارد سراباً ؟ وجهك يزداد شحوباً كل يوم، وعيناك لم تعد ترى سوى الأرصفة والطرقات بحثاً عنها. هل يستحق الأمر كل هذا العناء ؟”
“أنت لا تفهم يا كاي . هي ليست سراباً.. هي الحقيقة الوحيدة التي أضعتها من بين يدي. وبالمناسبة ، لقد اتخذت قراري.. سأفسخ خطوبتي.”
صدم كاي واعتدل في جلسته قائلاً:
“تفسخ خطوبتك ؟ في هذا التوقيت ؟ هذا سيسبب ضجة كبرى في البلاط! هل فكرت في العواقب؟”
أجاب آريوس بثبات وهو يضع كأسه جانباً:
“لقد فكرت في كل شيء . لستُ مستعداً لمنح اسمي لامرأة لا أكنّ لها مشاعراً ، بينما قلبي معلق بأخرى لا أعرف حتى أين تنام الليلة. أما بالنسبة لخطيبتي ، فالأمير الثاني ليون هو الأنسب لها ؛ هو يحبها بصدق منذ سنوات ، وسيكون أفضل مني بمراحل.”
ضحك كاي ضحكة قصيرة ، ثم نهض وربت على كتف آريوس ممازحاً:
“أوه ! الدوق آريوس الصارم يتحول إلى فاعل خير ؟ تريد أن تضحي بلقبك ومكانتك لتعطي الفرصة لليون ؟ أم أنك تريد فقط أن تصبح حراً طليقاً لتجوب الإمبراطوريات بحثاً عن ‘خادمتك’ المتمردة ؟”
ثم أضاف بنبرة أكثر دفئاً:
“حسناً يا قريبي العزيز ، سأساعدك في هذا الأمر عند عودتي. سأحاول تلطيف الأجواء مع والدي الإمبراطور. لكنني ما زلت أعتقد أن رحلة إلى فالدوريا كانت ستكون شفاءً لك.. هواء تلك البلاد يطهر الروح.”
رد آريوس وهو يهم بالخروج:
“شفائي ليس في فالدوريا يا كاي. شفائي في كلمة واحدة تخبرني أين هي ‘ريشي’ الآن.”
غادر آريوس الغرفة ، تاركاً كاي يتأمل حاله بأسى ، بينما ظل آريوس غارقاً في صمته..
لا يعلم أن “شفاءه” الذي يبحث عنه ينتظره في القصر الذي رفض الذهاب إليه..
خلف لقب “الأميرة” التي لم يكلف نفسه حتى عناء معرفة اسمها.
التعليقات لهذا الفصل " 32"