لم يكن الحفل مجرد تجمعٍ في قاعة تقليدية، بل أرادت الدوقة -تلبيةً لرغبة سيسيليا- أن يكون “بهو الكريستال” داخل الدفيئة الملكية الكبرى هو المسرح الأسطوري لهذا الحدث.
كان البناء الزجاجي الشاهق ينتصب وسط حدائق القصر كأنه جوهرة شفافة ؛ حيث تعانقت صبغة النباتات المدارية النادرة مع بريق الثريات الكريستالية، لتخلق فضاءً يمزج بين جمال الطبيعة ورقي الملوك تحت ضوء القمر الساحر.
ازداد الموقف هيبةً بحضور الإمبراطور والإمبراطورة؛ فوجودهما لم يكن تشريفاً فحسب، بل كان “ختماً ملكياً” يكرس هذا الاتحاد.
وفي قلب هذا الصخب، كانت سيسيليا تتهادى كأنها منحوتة من ثلج ونور.
انساب فستانها المنسوج من الحرير الفضي خلفها كشلالٍ بارد، وزانها شعرها البلاتيني الذي كان يسرق الأضواء، أما عيناها الزرقاوان فكانتا نسخة طبق الأصل من عيني آريوس
ذلك اللون الملكي الفريد الذي يوحي بأنهما نُحتا من ذات حجر الماس الصلد.
أما آريوس، فقد كان تجسيداً للهيبة في بدلته المخملية ذات اللون الكحلي العميق، المطرزة بياقة فضية تبرز قامته الفارهة التي تحبس الأنفاس.
ورغم البذخ المحيط به، كانت عيناه تجوبان المكان بحدة صقر، تبحثان عن ذلك “الظل” الذي يسكن خياله ويأبى المغادرة.
على الهامش، وبينما كانت ريشي تتحرك في الزوايا لتنسيق الزهور، داهمها بريق التيجان وانعكاس الشموع ورائحة العطر الملكي العتيق.
فجأة، شعرت بزلزالٍ يضرب أركان عقلها.
هاجمها دوارٌ حاد، وومضت خلف جفونها صورٌ باهتة كبرقٍ خاطف:
تيجان مرصعة بالياقوت، وقصور أرحب من الخيال.
اعتصرت ريشي رأسها بقوة، محاولةً لملمة شتات ذاكرتها التي تئن تحت وطأة النسيان.
شعرت في تلك اللحظة بيقينٍ غريب؛ أنها تنتمي لهذا المكان، بل لربما لمكانٍ أسمى منه..
من بعيد، انقبض قلب آريوس.
لمح ارتعاشتها واعتصارها لرأسها، فشعر بوخزة غريبة في صدره، نبضٌ لا يفسره سوى خوفٍ فطري عليها.
وعندما رآها تنسحب من البهو كظلٍ هارب من واقعه، أحس بأن جزءاً من روحه يرحل معها.
راقب غيابها بصمتٍ قاتل، وقد تيقن في تلك اللحظة أن ريشي ليست مجرد فتاة عادية، بل هي لغزٌ أعمق من كل ما يحيط به.
كان الصداع يأتي دائماً حاملاً معه قطعاً مبعثرة من هويتها الضائعة.
تذكرت ذلك اليوم الذي استيقظت فيه وسمعت “والديها” يتحدثان ظناً منهما أنها نائمة.
تذكرت قول مارتا:
“يبدو أن الفتاة ابنة غير شرعية لنبيلٍ ما”.
يومها صدقتهم، فما الذي يرمي فتاة بدمائها في الغابة سوى فضيحة مستورة؟
لكن الآن، ومع كل نبضة ألم في رأسها، تتبدى حقيقة أخرى.
“سمو الأميرة.. ريشيليا..”
تردد الاسم في عقلها كصدى قديم.
هل كان اسمها “ريشي” فقط كما في القلادة؟
أم أن للقدر بقية؟
هربت إلى حديقة الملحق لتهدئة عواصف رأسها، لكن التعب كان أثقل من أن يُقاوم..
فاستسلمت للنوم على مقعد خشبي بارد.
خرج آريوس من صخب البهو الخانق، وقادته خطاه نحوها كأنها مغناطيس لروحه.
وجدها هناك، نائمة تحت ضوء القمر، ينسدل شعرها الذهبي كخيوط من نور.
اقترب منها، وتجمدت أنفاسه حين رأى آثار دموعٍ لم تجف على وجنتيها.
أراد إيقاظها، لكنه توقف حين سمع تمتماتٍ مرتجفة تخرج من بين شفتيها:
“أرجوكم.. توقفوا.. لا أريد.. آه..”
تجمد آريوس في مكانه، متسائلاً بمرارة:
أي كوابيس تطاردكِ يا ريشي؟
ظل يراقبها طويلاً بقلبٍ مثقل، حتى قطع خلوته صوت خطوات هادئة تنادي:
“ريشي.. هل عدتِ يا بنيتي؟”.
انسحب آريوس في صمت، عائدًا إلى صخب الحفل الممل.
لكنه ترك قلبه هناك، تحت ضوء القمر، بجانب الفتاة التي قلبت موازين عالمه.
التعليقات لهذا الفصل " 12"