1 - الفصل الأول: الليلة التي وعدتُه فيها بالعودة
الفصل الأول: الليلة التي وعدتُه فيها بالعودة
لم تكن هانا يون تظن أن الحياة يمكن أن تنقسم إلى نصفين؛ نصفٍ قبل الحادث، ونصفٍ بعده.
في النصف الأول كانت ابنةً عادية في الخامسة عشرة، تتذمر من الواجبات المدرسية وتتشاجر أحيانًا مع أخيها الصغير على جهاز التحكم.
أما في النصف الثاني، فقد أصبحت كل شيء.
بعد وفاة والديهما في حادثٍ مفاجئ، لم يبقَ في هذا العالم سوى هانا وأخيها جيهو. كان في العاشرة من عمره، لكن ملامحه الهادئة كانت أكبر من سنّه، كأن الطفولة مرّت به مسرعة ولم تتوقف.
في إحدى الليالي، جلست هانا إلى مكتبها الصغير تراجع حسابات المقهى الذي تعمل فيه بعد المدرسة، بينما كان جيهو يتمدد على الأرض ممسكًا بوسادته.
رفع رأسه وقال بصوتٍ متردد:
«أختي…»
ابتسمت دون أن تلتفت إليه:
«ماذا يا جيهو؟»
تقدّم قليلًا وقال بجديةٍ مصطنعة:
«اقرئي لي تلك الرواية مجددًا.»
تنهدت وكأنها ستعترض، لكنها كانت تعرف أنها ستستسلم في النهاية.
«ألم نحفظها عن ظهر قلب؟»
ابتسم بخجلٍ لطيف.
«أحب سماعها منكِ.»
أغلقت الدفتر، وسحبت الرواية من جانب السرير، وجلست بقربه.
«حسنًا، لكن بعد ذلك تنام فورًا. اتفقنا؟»
أومأ بحماس.
«اتفقنا.»
فتحت الصفحة الأولى وبدأت تقرأ بصوتٍ هادئ:
«في عالمٍ تحكمه إمبراطورية عظمى، كانت هناك طفلة تعيش في دار أيتام تُدعى أورين أسترافير. كان شعرها أشقر ذهبي، لكنه بدا باهتًا بسبب الغبار، وعيناها ذهبيتان كأنهما تخبئان سرًا لا يعرفه أحد.»
قاطعها جيهو قائلًا:
«هل كانت وحيدة؟»
نظرت إليه بحنان.
«نعم، كانت وحيدة… وحيدةً جدًا.»
تابعت القراءة:
«في إحدى الليالي، طلبت منها مديرة دار الأيتام أن تذهب إلى المنطقة المجاورة لإحضار الخبز. لم يكن طلبًا يمكن رفضه، فوافقت أورين خوفًا من العقاب.»
عبس جيهو.
«لماذا يرسلونها وحدها؟»
ابتسمت هانا ابتسامة صغيرة.
«لأن القصص القاسية تبدأ هكذا.»
«وماذا حدث بعد ذلك؟»
أكملت بصوتٍ أخفض قليلًا:
«مرّت ليلة… ثم أخرى، وأورين لم تجرؤ على العودة بلا خبز. كانت تخاف من العقاب أكثر من خوفها من الظلام. وفي منتصف الطريق، بينما كانت تسير منهكة، كادت عربة أن تصدمها.»
اتسعت عينا جيهو.
«عربة الدوق!»
ضحكت بخفة.
«نعم، عربة الدوق.»
«هل كان وسيمًا؟»
رفعت حاجبها بتظاهرٍ جاد.
«كان رجلًا ذا عينين ذهبيتين وشعرٍ ذهبي لامع، وهيبةٍ تجعل الناس يبتعدون عن طريقه.»
همس جيهو:
«مخيف…»
«توقفت العربة في اللحظة الأخيرة، وسقطت أورين أرضًا من شدة الصدمة. نزل الدوق بنفسه، ونظر إليها طويلًا. كان قد فقد طفلته الكبرى في حادث اختطاف قبل سنوات، ولم يعثر لها على أثر.»
سأل جيهو بفضول:
«وهل شعر بشيء عندما رآها؟»
تأملت هانا للحظة قبل أن تجيب:
«نعم… شعر بأن تلك العينين مألوفتان.»
تابعت القراءة:
«قرر الدوق أن يتبناها، وأخذها إلى قصره.»
ابتسم جيهو بانتصار.
«أخبرتكِ أن القصة ستتغير!»
ضحكت وقالت:
«انتظر، فالأمر لم يكن سهلًا. كان للدوق ابنٌ يُدعى ليان.»
رفع جيهو رأسه بسرعة.
«ليان؟ يشبه اسمي!»
«أين الشبه أيها المشاكس…»
ضحك وقال بثقة:
«هيهه… حسنًا إذن أنتِ البطلة يا أختي، وأنا سأكون أخاكِ الأصغر.»
مدّت يدها وربتت على شعره.
«ربما.»
ثم تابعت:
«لكن ليان لم يفتح قلبه لها. كان يراها غريبة، بديلة لأخته المفقودة.»
سكت جيهو قليلًا ثم قال:
«هل كرهها؟»
«لم يكرهها… لكنه لم يحبها أيضًا.»
«هذا أسوأ.»
ابتسمت وأكملت:
«مرت الأيام حتى ظهرت الهالة الذهبية حول جسد أورين، وهي علامة لا تظهر إلا في عائلة الدوق الحقيقية. حينها أدرك الجميع أنها ابنته المفقودة.»
تنفس جيهو بارتياح.
«أخيرًا!»
خفضت هانا صوتها:
«لكن جسدها كان ضعيفًا، ولم يحتمل الهالة. فسقطت بين الحياة والموت.»
تجمّد جيهو.
«لا…»
«ندم الدوق لأنه لم يفتح قلبه لها منذ البداية، وبدأ ليان يدرس ويتدرب ليصبح قويًا ويحمي أخته الكبرى الوحيدة.»
أغلقت هانا الكتاب بهدوء.
نظر إليها جيهو بعينين نصف مغمضتين وقال:
«أختي…»
«نعم؟»
«أنتِ لن تسقطي هكذا، صحيح؟»
شعرت بشيءٍ ينقبض في صدرها، لكنها ابتسمت بثبات.
«أنا لن أتركك أبدًا.»
اقتربت منه وقبّلت جبينه.
«عليك النوم الآن. سأذهب إلى العمل وأعود مساءً، لذا انتظرني.»
همس وهو يغفو:
«سأنتظركِ.»
لم تكن تعلم أن تلك الليلة ستكون الأخيرة التي تسمع فيها صوته في ذلك العالم.
في المقهى، كانت الضوضاء عالية والوقت يمر بسرعة.
وبينما كانت تقدم القهوة لإحدى الفتيات، اندفع رجل فجأة نحو الطاولة المجاورة، سكينٌ يلمع في يده.
لم تفهم ما يحدث إلا عندما وجدت نفسها تتحرك دون تفكير، تدفع الفتاة جانبًا.
ثم شعرت بالألم.
سقطت أرضًا، والبرد يتسلل إلى أطرافها، بينما كان آخر ما خطر في ذهنها صورة جيهو وهو يقول:
«سأنتظركِ.»
_____________________________________________
عندما فتحت عينيها، لم تجد سقف مستشفى، بل سقفًا حجريًا قديمًا، وصوت أطفال يتشاجرون في الخارج.
جلست ببطء، ونظرت إلى يديها الصغيرة النحيلة، ثم إلى انعكاسها في قطعة زجاج مكسورة.
شعر أشقر باهت.
عينان ذهبيتان.
همست بصوتٍ مرتجف:
«أورين…»
تدفقت إلى ذهنها كل تفاصيل الرواية. هذا هو اليوم الذي ستُجبر فيه على الذهاب لإحضار الخبز.
هذا هو اليوم الذي ستصل فيه عربة الدوق.
وقفت بثبات، وقلبها يخفق بقوة، لكنها لم تشعر بالخوف كما ينبغي.
في القصة الأصلية، كانت أورين تعيش لتنال اعتراف عائلتها. أما هي…
فكانت تعيش من أجل وعد.
وضعت يدها على صدرها وهمست:
«انتظرني يا جيهو.»
مهما كان هذا العالم، ومهما كان قدر هذه القصة، فإنها لن تكون بطلة تبحث عن تاج أو حبٍ ضائع.
ستكون أختًا تقاتل من أجل العودة.
وفي الخارج، بدأ صوت عجلات يقترب ببطء.
القصة بدأت…
لكن نهايتها هذه المرة لن تكون كما كُتبت.
Chapters
Comments
- 1 - الفصل الأول: الليلة التي وعدتُه فيها بالعودة منذ 8 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"