أجبر صوت انفتاح النافذة يوان على رفع رأسها فجأة.
على جانبي خديها المتوردين، رفرفت أغطية الأذن المصنوعة من صوف الأنجورا الأبيض مع النسيم البارد.
شدّت عباءتها الصوفية حولها، وحدقت في شعر كليد يوفريس الذهبي، الذي صبغه ضوء الغروب بلون كهرماني دافئ وهو يتطاير في الهواء.
وما إن مالت قليلًا لترى وجهه بوضوح، حتى تسلل صوته المنخفض عبر الريح:
“لستِ جروًا غاضبًا. ما كل هذا الحماس لمجرد حصولك على ملابس جديدة؟”
كانت نبرته جافة بما يكفي لتتبدد كلمات الشكر التي حضرتها في ذهنها.
رمشت يوان، متفاجئة من حدته المعتادة، ثم أطلقت زفيرًا أبيض في الهواء وقالت بصوت مرتفع:
“ليس بسبب الملابس! لقد قفزت لأنني أردت رؤية صاحب السمو!”
“أنتِ.”
“نعم!”
“لماذا.”
لم يكن ملتصقًا بالنافذة، لذلك لم تستطع رؤية سوى شعره الذهبي المتطاير.
ترددت لحظة قبل أن تجيب:
“قلتَ إنني أستطيع العمل لديك… لكنك لم تستدعِني أبدًا.”
كنت أخشى أن تغيّر رأيك فجأة… وأن تطردني.
لكن بما أنك منحتني غرفة وملابس، فلا بد أنك لن تفعل.
أردت فقط أن أشكرك.
رغم أنني كنت أعاني كوابيس كل ليلة خوفًا من طردي، فإن رؤية ملابسي الجديدة معلقة في الخزانة، والأغراض الجديدة تملأ غرفتي… جعلتني أشعر بالطمأنينة.
تجمعت الكلمات في حلقها، ثم رفعت صوتها من جديد:
“ولست متحمسة بسبب الملابس! هذا الرداء جديد، لكن ماذا عن الداخل؟”
فتحت عباءتها وقفزت قليلًا.
“إنها نفس ملابسي القديمة! لكنها لم تعد بالية كما قبل. أليست أفضل الآن؟ لن تزعجك، أليس كذلك؟”
مع كل قفزة، كانت ملامحه تتجهم قليلًا.
“ألم تشترِ ملابس جديدة؟”
“لم تصل بعد!”
ساد الصمت.
بدأ القلق يتسلل إليها خوفًا من أن يُلام كبير الخدم.
ثم تذكرت الفستان الخزامي الذي تركته ميشا.
“هناك ملابس جديدة! سأريك!”
“قلتِ إنها لم تصل.”
“وصلت!”
اندفعت إلى غرفتها، استعجلت مونيكا، ثم ارتدت الفستان على عجل وركضت عبر الممر حتى وقفت أمام غرفته.
طرقت، ولم يجب.
فتحت الباب بحذر.
كان متكئًا على النافذة، ذراعاه معقودتان، وعيناه نصف مظللتين تتجهان نحوها.
“صاحب السمو.”
تأملها بصمت طويل.
“من سمح لكِ بالدخول؟”
انفجر فجأة، كأنه عاد من شرود بعيد.
مسحت العرق عن جبينها، ثم رفعت طرف فستانها الخزامي قليلًا. تموج القماش الناعم بكشكشته الرقيقة.
“أنا أرتدي ملابس جديدة.”
“…”
“شكرًا لك.”
لم تستطع قراءة تعبيره تحت ضوء الغروب، لكنه لم يعد غاضبًا.
رفعت نظرها نحوه مباشرة.
“لماذا لم تنادِني؟”
“هل أنتِ منزعجة لأنني لم أعطكِ عملاً؟”
تنهد، ثم جلس على الكرسي الهزاز. بدا الإرهاق واضحًا على وجهه.
لقد تحمل الألم وحده الليلة الماضية.
دون أن يستدعيها.
راقبته بصمت.
لا شيء في هذا القصر يُمنح بلا مقابل.
“سآتي كل يوم بعد الغروب.”
توقف الكرسي عن التأرجح.
“في هذا الوقت تقريبًا… وإن لم يناسبك، سآتي لاحقًا.”
“…”
“من فضلك، لا تغلق الباب.”
اقتربت منه، وأضافت بضع قطرات من منوم إلى الشاي الذي أعده غوستاف، ثم قدمته له.
انتقلت عيناه الأرجوانيتان من عينيها، إلى شفتيها، ثم إلى الكوب.
لاحظت الارتعاشة الخفيفة في عينيه.
تناول الكوب.
تحركت تفاحة آدم في عنقه وهو يبتلع.
ساعدته إلى السرير.
جلس ببطء، وعيناه لا تفارقانها.
اقتربت، وقبّلت خده المتفحم برفق.
تصلب جسده للحظة.
في الصباح الباكر، اقتحم إخوة الماركيز ريف غرفته، ووجوههم شاحبة.
شعر بالفراغ بجانبه، ومد يده بتردد إلى الموضع الذي لا يزال يحتفظ بدفء خافت.
نهض ببطء.
“تنام حتى هذا الوقت؟”
قال إيدي ببرود.
“كنتَ تقول إن أمنيتي أن أنام جيدًا.”
أجاب بفتور وهو يعدل ثوب نومه.
لكن الثوب كان مرتبًا أكثر مما ينبغي، على عكس الفراش المجاور الذي بدا مضطربًا.
ألقى إيدي رسالة ذهبية نحوه.
ظرف سميك، شمع أرجواني يحمل شعار الذئب.
رسالة من العائلة المالكة.
قال لانسلوت بصوت مرتجف:
“كلايد…”
إعلان رسمي:
سيزور إيغور يوفريس القصر الأسود شخصيًا.
بعد عشر سنوات من الغياب، سيحضر لاستضافة حفل زفاف ابن أخيه.
كانت الكنيسة الصغيرة التي دُفنت فيها لويز بيليسي مؤقتًا تقع قرب بئر عند أطراف القرية خلف الغابة البيضاء.
كلما خرجت يوان مع الخدم، كانت تزورها وتصلي عند قبر أختها.
“إذن ستبقين في القصر رسميًا؟”
سألت هينا بحماس.
ابتسمت يوان وأومأت.
نعم، طالما حافظت على هدوئها وضمنت نومه، فمكانها آمن.
ضحكت هينا:
“من كان يظن أن السيد سيقبل سيدة في القصر؟ سيولد أطفال يشبهونهما قريبًا!”
اختنقت يوان بالماء.
ربتت هينا على ظهرها بلطف.
في طريق العودة، فكرت يوان في كليد يوفريس.
لم يعد ذلك الوحش الذي رأته أول مرة.
بل رجل جريح، حساس، يفتقر إلى الرغبة في الحياة.
ساخر، وقح، حاد اللسان.
لكن حين تذكر أمامه “الليلة الماضية”، كان يصمت فجأة، يبتلع ريقه، ويبدو مرتبكًا.
كأنه هو من تعرض لشيء محرج، رغم أنه كان فاقدًا للوعي.
ضحكت بخفة.
كان نصف وجهه السليم يحمر تدريجيًا كلما تخيل ما لا يتذكره.
التعليقات لهذا الفصل " 23"