الفصل التاسع
رائحة المطر في ذلك الصباح ممزوجة برائحة البارود والحديد الصدئ. بدا القصر الرمادي كوحش حجري يبتلع كل ضوء، والضباب يلتف حول الغابة المحيطة به ككفن بارد وثقيل. جلست ليزا على حافة السرير، تنظر إلى يديها اللتين لا تزالان ترتجفان من ذكرى المسدس الذي أجبرها ريج على حمله بالأمس. كانت تشعر أن رائحة البارود لا تزال عالقة في أنفها، وأن طعم الدم لم يغادر حلقها بعد.
«أدريان…» همست، لكن صوتها ضاع في صدى الغرفة الواسعة.
دخل أدريان، مرتدياً معطفه الأسود الطويل، وعيناه الرماديتان باردتان كالجليد. لم يكن في نظرته أي أثر للحنان الذي اعتادت رؤيته، بل كان هناك تصميم مرعب ومخيف.
«تعالي معي يا ليزا»، قال بصوت أجش. «والدي يريد أن يرى العرض. يريد أن يتأكد أنني ما زلت فالكون، وأنني لم أضعف بسببكِ».
«أي عرض؟» سألت ليزا برعب وهي تتراجع إلى الخلف.
أمسك يدها بقوة وجذبها نحوه. «عرض القوة. عرض الدم. اليوم سأريكِ لماذا يرتجف العالم عند سماع اسم فالكون. واليوم ستتعلمين أن البقاء في هذا العالم للأقوى، وليس للأكثر إنسانية».
سحبها إلى الخارج حيث كانت سيارات ريج ورجاله تنتظر. ريج جالس في سيارته المصفحة، يدخن سيجاره وينظر إليهما ببرود مطلق. انطلقت القافلة نحو قرية صغيرة معزولة على أطراف الغابة، قرية كانت تعيش في سلام حتى تلك اللحظة.
توقفت السيارات في ساحة القرية. نزل أدريان وأجبر ليزا على الوقوف بجانبه. خرج ريج، وأشار بعصاه نحو مجموعة من الرجال كانوا يعملون في الحقول.
«هؤلاء الرجال يا أدريان رفضوا دفع الجزية هذا الشهر»، بدأ ريج بصوته العميق. «يظنون أنهم يستطيعون التمرد على عائلة فالكون لأنك أصبحت ضعيفاً بسببها. أرني كيف تتعامل مع الخونة».
نظر أدريان إلى ليزا، ثم إلى الرجال. أخرج مسدسه ببطء، ومرر يده على النصل الفضي. «أغلقي عينيكِ إذا أردتِ يا ليزا. لكن أذنيكِ ستسمعان الحقيقة».
بدأ أدريان في إطلاق النار. لم يكن يقتل بسرعة، بل كان يصيب الأطراف أولاً، ثم الصدر، ثم الرأس بدقة مرعبة. صرخات الرجال مزقت الهواء، والدماء سالت على الأرض الخضراء. كان يتحرك كشبح، يغني بصوت منخفض لحناً جنائزياً قديماً بينما تسقط الجثث حوله.
لم تغلق ليزا عينيها. شاهدت بذهول ورعب لا يوصف. رأت الوحش الحقيقي الذي كان يختبئ خلف ابتسامات أدريان. حاولت الركض نحوه، لكن جاكس أمسكها بقوة.
«توقف! أرجوك توقف!» صرخت حتى بح صوتها.
لم يتوقف أدريان حتى سقط آخر رجل. التفت نحو ريج، وجهه ملطخ بقطرات دم. «هل هذا يكفي يا والدي؟»
ابتسم ريج ابتسامة صفراء. «جيد جداً. استعدت بعض كرامتك. لكن ماذا عن ليزا؟ هل ستظل تبكي كالطفلة؟»
اقترب أدريان من ليزا، أمسك وجهها بيديه الملطختين بالدم. «انظري إليّ. هذا هو العالم الذي أعيش فيه. هذا الدم الذي يجري في عروقي. هل ما زلتِ تحبينني؟»
لم تستطع ليزا الرد. كانت تنظر إلى الدم على وجهه، وتشعر أن شيئاً داخلها قد مات إلى الأبد. «أنت وحش… أنت لست الرجل الذي ظننت أنني أعرفه».
«الرجل الذي عرفتيه كان وهماً»، رد أدريان بقسوة. «هذا هو الواقع. أقتل لأحمي مملكتي، ولأحميكِ. لو لم أكن وحشاً، لكان هؤلاء الرجال قد قتلوكِ واغتصبوكِ في أول فرصة».
عادوا إلى القصر في صمت قاتل. ارتمت ليزا على السرير وبكت بحرقة. شعرت أن رائحة الدم قد تغلغلت في جلدها، وأنها لن تستطيع غسلها أبداً.
في تلك الليلة دخل أدريان غرفتها بعد أن اغتسل. جلس بجانبها، حاول لمس شعرها.
«لا تلمسني!» صرخت وابتعدت.
«يجب أن تفهمي يا ليزا. والدي كان سيقتلكِ لو لم أفعل. كان يختبر ولائي. هؤلاء الرجال كانوا مجرد بيادق».
«بيادق؟ كان لديهم عائلات وأطفال!»
«في عالمنا لا توجد عائلات، يوجد صيادون وفرائس. اليوم أثبت لريج أنني لا أزال قوياً».
أخرج قلادة تحتوي على خصلة من شعرها. «أنت تميمتي الوحيدة. أفعل كل هذا من أجلكِ. أريد عالماً لا يجرؤ فيه أحد على لمسكِ».
«أنت العالم الذي يؤذيني كل يوم يا أدريان».
في لندن، حققت صوفيا اختراقاً جديداً. «رايان! لدينا تسجيلات القتل في القرية. دليل قاطع».
«سنتحرك الآن»، قال رايان.
عادت ليزا إلى مذكراتها تحت البلاطة. «رأيت الموت اليوم. رأيت أدريان يقتل ببرود. شعرت بالرعب… وبالشفقة عليه. هل يمكن للحب أن ينقذ وحشاً؟ أم أن الوحش سيبتلع كل شيء؟ ماريا كانت تصرخ الليلة… قالت إن ريج يخطط لشيء أسوأ».
فجأة سمعت خطوات غريبة. فتحت الباب، فرأت خادمة شابة. «أنا أرسلتني صوفيا. يجب أن نهرب الآن».
لكن صفارات الإنذار انطلقت. ظهر أدريان ممسكاً بمقصه. «هل كنتِ تحاولين الهرب مرة أخرى؟»
نظر إلى الخادمة، وابتسم ابتسامة باردة. «صوفيا ذكية، لكنها ليست بذكائي. هل ظننتِ أنني لن أعرف؟»
أمسك بالخادمة من شعرها، ووجه المقص نحو عنقها. «ليزا، اختاري الآن. هل تريدين أن تري دم صديقتكِ يلطخ هذا البلاط؟ أم ستعودين إلى غرفتكِ وتنسين أمر الهرب للأبد؟»
سقطت ليزا على ركبتيها، والدموع تنهمر. «أرجوك… لا تؤذها. سأفعل ما تريد. سأبقى هنا للأبد. فقط اتركها ترحل».
ضحك أدريان، وقبل جبين ليزا بقسوة. «جيد جداً. جاكس، خذها إلى القبو. سنحتاج إليها لاحقاً».
سحبوا الخادمة وهي تصرخ، بينما حمل أدريان ليزا بين ذراعيه وعاد بها إلى الغرفة الحمراء. «أرأيتِ يا ليزا؟ العالم في الخارج يحاول دائماً تفريقنا. لكنني لن أسمح بذلك. نحن واحد، وسنبقى واحداً حتى الموت».
في تلك الليلة، كتب أدريان في مذكراته بقلب مليء بالانتصار المظلم:
لقد فشلت محاولة الهرب الأخرى. ليزا أصبحت تدرك أن لا مهرب من قدري. صوفيا ورايان يقتربان، وهذا ما أريده. أريد أن أقتلهم أمام عينيها، لأثبت لها أنني الوحيد الذي يستحق حبها. ريج سيكون فخوراً بي غداً. الاختبار النهائي يقترب، وسأكون أنا الفائز الوحيد.
وكانت رائحة البارود والياسمين والدم تملأ القصر، رائحة النهاية التي بدأت تقترب بخطى ثقيلة. ليزا نامت وهي تشعر بيد أدريان تلتف حول خصرها، ولم تعد تعرف هل هي يد حبيب أم يد خناق.
خارج القصر، كان رايان ينظر إلى الساعات، والدموع في عينيه. «ليزا… اصمدي. أنا قادم».
لكن رايان لم يكن يعرف أن أدريان قد نصب فخاً لا يمكن لأحد النجاة منه، فخاً سيتطلب دماً أكثر مما يمكن لأي إنسان تحمله.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
عروس ياندير
تحتوي القصة على موضوعات حساسة أو مشاهد عنيفة قد لا تكون مناسبة للقراء الصغار جدا وبالتالي يتم حظرها لحمايتهم.
هل عمرك أكبر من 15 سنة
التعليقات لهذا الفصل " 9"